سمعان خوري: حققنا حلماً ألحّ لسنوات والمتحف يزخر بالمقتنيات وبعضها يعود للحقبة الفاطمية والبيزنطية

زهرة مرعي
حجم الخط
1

تأسيس متحف فلسطين في السلفادور بمجموعة كبيرة من الأثريات جُمعت من الوطن والشتات

بيروت ـ «القدس العربي»: عندما جاء سمعان خوري إلى السلفادور في رحلة تعارف مع ذوي زوجته سنة 1980 لم يخطر له أنه لن يعود إلى بيت لحم مجدداً. هو الذي ينتمي لعائلة هجّرتها النكبة من صفد إلى الضفة الغربية، وجد نفسه بلحظة من دون أوراق ثبوتية على الإطلاق. فالكيان المحتل ألغى جواز سفره الذي يحمل تعريف «جواز مرور». استقرّ في السلفادور وحمل جنسيتها، ونشُط في كل مناسبة لتأكيد حقه في وطنه فلسطين من البحر إلى النهر.

في 16 من تشرين الثاني/نوفمبر سيحقق مع مجموعة ناشطين من أجل فلسطين أمنية راودته منذ سنوات، وتتمثل بافتتاح متحف فلسطين في السلفادور، وفي عاصمتها سان سلفادور. خطوة متواضعة برأيه، ولا بد من أن تكبر مع الأيام.
مع سمعان خوري هذا الحوار:
○ حققت حُلمك بتأسيس المتحف الفلسطيني في السلفادور. كيف ولدت الفكرة وأصبحت حقيقة؟
• منذ كنت في الخامس ابتدائي بدأت جمع الطوابع وأشياء قديمة. وخلال الجائحة كنت في نيويورك في زيارة عائلية. علمت بمتحف فلسطيني أقامه فيصل صالح، فقصدناه في زيارة عائلية مع ابنتي وعائلتها، فوجدته رائعاً. منذ تلك اللحظة سكنتني الفكرة وباتت شغلي الشاغل، ونمت وباتت أكثر إلحاحاً خلال زياراتي لبيت لحم والمتحف الذي أقامه جورج لاما، وكذلك متحف السيدة مها السقا. هكذا رحت باتجاه تكوين المتحف بالبحث عن محتويات له. جمعت وخلال زيارتي للبنان العديد منها، من مخيمي عين الحلوة، وصبرا وشاتيلا حيث اشتريت بعض المقتنيات، وتلقيت مقتنيات أخرى كهدايا، وأخرى من فلسطين بعضها هدايا وبعضها الآخر ببدل مالي، بلغ وزنها 575 باوند من ضمنها جاروشة، وشحنتها إلى السلفادور.
○ وماذا بشأن الهيئة الإدارية أو الإستشارية لهذا المتحف؟
• لا بدّ من الإشارة أولاً أنه وبعد أن خُذلنا من العديد من الجهات الفلسطينية الرسمية، والمصرفية والمتاحف وغيرها، كان لصديقي المهندس الزراعي نادر صلاح أن يشق الطريق للبدء بجمع مقتنيات للمتحف. تعرّفت إلى نادر صلاح في السلفادور سنة 2019 وعدت والتقيته مجدداً في تركيا سنة 2023 وأبلغته بفكرة المتحف. رحب بفرح واهتمام، وتبرّع بـ2200 دولار، وبعد عودتي من فلسطين مع هذه المقتنيات التاريخية تشكلت اللجنة التأسيسية لإدارة المتحف من بينهم الدكتورة كارلا حنانيا من أصول فلسطينية، وكانت سابقاً وزيرة للتربية والتعليم في حكومة السلفادور، والدكتورة باتريسيا كومونداري وهي من أصول تلحمية، وعملت لسنوات طويلة نائبة لوزير الخارجية، إنها لجنة تأسيسية وإدارية لها صلاتها السياسية والثقافية الواسعة، كما ونحظى بإستشارات ومساعدة من مجموعة من مديري المتاحف.
○ ماذا عن مساحة المتحف ومحتوياته؟
• مساحته قرابة 75 متراً مربعاً، والمكان منحنا إياه النادي العربي مشكوراً. محتويات المتحف نُسّقت علمياً وعملياً وبرقي. القطعة الأقدم في المتحف أهداني أياها ابن شقيقتي سمير خوري، وهي بزنطية وتعود لزمن الإمبراطور قسطنطين الثالث، وتمثل وجهه، وتحمل كتابات بزنطية، ووجدت هذه القطعة في منطقة رام الله. وثمّة قطعة تمثّل لي الكثير على الصعيدين النفسي والعاطفي، وهي هدية من رياض متري من بيت لحم. فقد سبق وعملت لسنوات مديراً لمتجر مجوهرات يعود لوالده رحمه الله في مدينة بيت لحم. قبل وفاته في العام الماضي أهداه والده هذه القطعة الذهبية عيار 24 وتعود لزمن الدولة الفاطمية، واعتبرها هدية لفلسطين وللهدف الذي من أجله كان المتحف في السلفادور، وهي تمثّل قيمة وجدانية ومادية كبيرة بالنسبة لي وللمتحف.
○ هل لنا التعرّف إلى المجموعات الأخرى التي شحنتها من فلسطين؟
• هي متعددة من بينها مجموعة من العملات القديمة بدءاً من الفلس وصولاً إلى 50 و100 فلس. والـ50 و100 فلس مصنوعة من الفضة وهي أكبر عمراً بكثير من دولة الإحتلال، وجميعها تحمل عبارة دولة فلسطين، وغيرها الكثير. وبالمناسبة لا بد من القول بأننا أنجزنا لوحة نحاسية تحمل أسماء المتبرعين برفد المتحف بالقطع الأثرية، أو بالمال ليتمكن من الإنطلاق.
○ من هم المدعوون لحفل الافتتاح في 16 تشرين الثاني/نوفمبر؟
• المتبرعون في طليعة المدعويين للحفل، سواء تبرعوا بالقطع الأثرية أم بالمال. ويتضمن الإفتتاح كلمة شكر للنادي العربي الذي منحنا المكان إيماناً من هيئته الإدارية بدعم الثقافة الفلسطينية في السلفادور. ودعونا السفارات جميعها باستثناء الدول التي تزود الكيان الصهيوني بالسلاح لمواصلة الإبادة في غزّة، كذلك تمّ توجيه دعوة خاصة لعائلة أبو كيلة ذات الجذور الفلسطينية، ونظراً لحضورها المرموق على مستوى السلطة السياسية في السلفادور، ووجهنا دعوات لوجوه الجالية الفلسطينية والعربية، ولمسؤولين في وزارة الثقافة، والبرلمان وهيئة المتاحف.
○ ترأس الجمعية السلفادورية الفلسطينية للمرة الثالثة. كيف تأسست؟
• أكثر من نتحدّث معهم من جذور فلسطينية يصرخون وبفخر «أنا دمّي فلسطيني». سعيت منذ استقراري في السلفادور للتعرّف إلى أكبر عدد ممكن من المتحدرين من أصول فلسطينية. وفي سنة 2009 أسسنا الجمعية السلفادورية الفلسطينية، وفي طليعة أهدافها التوعية حول القضية الفلسطينية، والتمسّك بتراثنا. وفي السنة ذاتها أسسنا مجلة عربية فلسطينية اسمها «أصول» هي الثانية في أمريكا اللاتينية بعد «الضمير» التي كانت تصدر في تشيلي. توقفت «أصول» عن الصدور سنة 2020 بسبب الجائحة. كانت المجلة تصدر بالإسبانية وتتضمن أخبار فلسطين، وخطها السياسي والثقافي وطني وتحرري.
○ وماذا عن النادي العربي في السلفادور؟
• تأسس النادي قبل 74 سنة وحمل اسم «النادي العربي» لأنه يضم إلى جانب الفلسطينيين أقلية من الجالية اللبنانية. كانت للنادي رؤية ثقافية ومستقبلية، لكنه مع مرور الوقت بات مؤسسة ربحية تحيي الإحتفالات، وتدير مطعماً يقدّم مأكولات عربية. وأنا عضو في مجلس إدارته منذ حوالي 20 سنة كوني أحمل أسهماً في النادي. ومع تأسيس الجمعية السلفادورية الفلسطينية تركنا للنادي الناحية الاجتماعية، وتكفلنا بالجانب الثقافي والتوعوي، فنحن نقيم لقاءات شعبية موسعة في يوم التراث الوطني الفلسطيني، ويوم الأرض بشكل خاص. وقد استحصلنا على إذن من النادي العربي كونه مؤسسة خاصة بالمشتركين فقط، بفتح أبوابه أمام الجمهور في هاتين المناسبتين. مناسبات كانت تجمع أعداداً كبيرة جداً من الناس، غالبيتهم من جذور فلسطينية، إلى جانب مجموعات من سكّان السلفادور الأصليين، وهذا الاختلاط سمح لهم بالتعرّف إلى ثقافتنا وقضيتنا. وقد تمتعنا بحرية العمل خلال حكم اليسار في السلفادور، ونجحنا كجمعية سنة 2011 وبالتعاون مع الدبلوماسية الفلسطينية من تحقيق الاعتراف بدولة فلسطين. وفي 2017 تمكنا من إغلاق سفارة إسرائيل في السلفادور، وذلك بالطبع بالتنسيق والتعاون مع الجهة الحاكمة في البلاد. مع العلم أن للكيان الصهيوني وزنه في السلفادور ومن خلف الكواليس.
○ ماذا عن انتمائك الجغرافي في فلسطين؟
• في البلاد اسمي سمعان الصفدي خوري. نزحنا من صفد وكان استقرارنا الأول في قرية إسمها، شمال رام الله حيث ولدت في قرية عابود سنة 1955. وبعمر السنة والنصف انتقلت العائلة إلى بيت لحم. وفي المدرسة الإنجيلية أكملت سنوات دراستي، ومن ثمّ درست الأدب الإنكليزي لسنتين في جامعة بيت لحم، وعملت مدرساً في الخليل، ومن ثمّ مديراً لمتجر مجوهرات في بيت لحم. تعرّفت إلى زوجتي في زيارة لها إلى فلسطين للقاء أقاربها ووطنها الأم كونها مولودة في السلفادور. بعد زواجنا أصرّت بأن نسافر إلى السلفادور للتعرّف إلى ذويها كفرد جديد دخل العائلة. جئنا معاً ولسبب خارج عن إرادتنا ونتيجة الحرب الأهلية التي كانت تشهدها السلفادور، تأخرنا سنة من العودة إلى فلسطين. وحين قررنا العودة سحب الاحتلال الـ»ليسيه باسيه» مني، وبقيت في السلفادور وحملت جنسيتها، وباتت لي عائلة من أربعة أبناء، وعملت في تصنيع الملابس الجاهزة.
○ وكيف استعدت نشاطك كإنسان تنتمي لوطن محتل في السلفادور؟
• منذ كان قرار الاستقرار بدأت استكشف أمور الجالية في السلفادور، وعددها يصل لحدود الـ150 ألف متحدّر من أصول فلسطينية. بدء الهجرة كان في سنة 1879 وصولاً إلى تسعينيات القرن الماضي، حيث لم يصل أكثر من خمسة أشخاص خلال هذا العقد، والسبب وجود الكثير من القيود، وهذه القيود غير الإنسانية مستمرة رغم تبادل السفارات والسفراء بين السلطة ودولة السلفادور، وحتى مع حكم اليمين أو اليسار، ومع تولي نجيب أبو كيلة قطّان رئاسة الجمهورية، وهو من أصول فلسطينية فالأمور لم تتبدّل. وتعود الأصول الفلسطينية للرئيس نجيب أبو كيلة لجهة جده إلى القدس، ولجهة جدته إلى بيت لحم.
سنة 1879 كانت الهجرة الأولى من فلسطين إلى السلفادور هرباً من التجنيد الإجباري الذي فرضته الدولة العثمانية. وازدهرت هذه الهجرة قبيل الحرب العالمية الأولى للسبب نفسه، وللظروف الاقتصادية الصعبة. وكذلك كانت موجة الهجرة الثالثة خلال الحرب العالمية الثانية، وهي تواكبت لاحقاً مع النكبة. ومن كان له أقارب مهاجرين إلى السلفادور ساعدوه في الهجرة السريعة. والأكثرية الساحقة من هؤلاء المهاجرين من بيت لحم.
قضى الزمن والبعد عن الوطن على اللغة العربية. الناطقون بهذه اللغة الآن في السلفادور لا يتجاوز عددهم الـ 15 شخصاً. رغم محاولات روان إجحا تنظيم دروس في اللغة العربية، إلا أن اللغة الأم اضمحلّت.
مجلة «اصول» في السلفادور والناطقة بالإسبانية شكلّت رابطاً ثقافياً واجتماعياً وسياسياً مع البلد الأم فلسطين. جمعت بين السياسة وخاصة جرائم الاحتلال ومشاريعه الاستيطانية، وبين الثقافي والتراثي والإنساني خاصة رابطة الدم مع الأهل بفلسطين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية