قال روزنتال: «إن الحياة التي تخلو من الشعر لهي حياة غير جديرة أن تعاش«.
لقد تبوأت مجموعة من الأدباء الفلسطينيين موقعا متقدما بين مجمل الكتاب والمبدعين على امتداد الوطن العربي، وساهمت في دفع القضايا الفكرية والفنية. بل كانت وما تزال رائدة في إعلاء شأن الكلمة الحرة، فبرزت أسماء لامعة في سماء الفكر والفن. أما في مجال تجديد وتطوير الشعر الحديث فقد كان لسميح القاسم ورفاقه دور رائد في دعم وتدعيم هذه الحركة.
وسميح القاسم هو الشاعر الذي أعطى الشعر صفوة الروح والعمر، فانتصبت القصيدة شجرة عطاء لا ينضب..
حمامٌ مقيمٌ على سطح داري
غمامٌ جديدٌ على شُرفات النهارِ
سلامٌ على غضب العمرِ
يوماً فيوماً وشهراً فشهرا وعاماً فعاماً
سلامٌ على قرحتي وليالي انتظاري
سلامٌ على نكبتي وعلى نكستي وانكساري
سلامٌ على فرحتي بانتصاري
بخفق الخطى العائدات إلى البيت
في تعتعات الطريق وعزف المسار
وبعد المزار
لقد شهدت حالة مابعد 48 في الأدب الفلسطيني حالة جديدة ، فالشاعر الفلسطيني ولا سيما سميح القاسم كان يراوح دوما بين السلام والمقاومة ، وبما أن سميح القاسم ينتمي للفكر الماركسي الذي يؤمن بحق الحياة ويحاول أن ينشر السلام على الأرض فنحن نلاحظ أن مقطع قصيدته يراوح ما بين «الحمام / والسلام / والغمام» إنه يعزز فكرة السلام من خلال كلمة «مقيم» فهذا الحمام الدال على السلام هو على سطح الدار/الوطن ، على الرغم من وجود «الغمام» الذي هنا يكون معاكساً لوجود الحمام …فسميح القاسم يتخذ من المقاومة طريقاً للسلام «سلام على غضب العمر» وانتظار الفلسطيني وحلمه بالعودة لا ينتهي ، إن سميح القاسم ينطلق في حالات هذا النص من الاية « سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا» فالسلام يوزعه القاسم على المقاومة ، والسلام ، والعودة .
لم يكن الشاعر سميح القاسم سياسياً ولم تكن قصائده بيانات سياسية ، لكنه كان يغادر بعض الأفكار التي تشرب بها شعراء اخرون ، ولاسيما افكار «المقاومة العربية ، والتضامن العربي» فهو يؤمن بأن المقاومة هي فلسطينية فقط ولم تعد تعني أحداً اخر ، لاسيما بعدما أصيب الجسد العربي بالتشرذم والتشظي ، ولهذا أصبحت دعوات السلام كوابيس تؤرقه في ظل التقدم الصهيوني والنكبات المتواصلة للشعب الفلسطيني :
ليغن غيري للسلام
ليغن غيري للصداقة ،للأخوة ، للوئام
ليغن غيري..للغراب
جذلان ينعق بين أبياتي الخراب
للبوم..في أنقاض أبراج الحمام
وهنا نرى الرؤية الجديدة في مفهوم الشاعر، فكيف يغني للسلام والأخوة مع الغراب والبوم الذي احتل الأنقاض ، واقترنت صورها بصورة المحتل التي لازمت القاسم طيلة حياته…إن الخراب هو الفعل الحقيقي للاحتلال ولم يعد من الممكن أن يغني الشاعر للسلام مع الغراب الذي احتل أبراج الحمام ، فالموقف ينبع من ضمير الشاعر، ومن ينزف شعره من الضمير لا يمكنه إلا أن يقف الموقف ذاته.
لقد رحل سميح القاسم ، والغربان ما زالت حتى هذه اللحظة تحلق فوق أبراج الحمام وتهدم ما يمكن تهديمه منها، ولهذا لن تهدأ روح القاسم الطاهرة ، ستبقى تحلق فوق أراضي فلسطين، فوق أراضي أهله ، حتى يعود لها أهلها وتنجلي عنها أقدام الغزاة…فسلام على سميح القاسم يوم ولد ، ويوم يموت، ويوم يبعث فلسطينياً حراً.
كاتب عراقي
أحمد الظفيري