سمير صبري: صفحات وذكريات من حكايات العُمر كله

كمال القاضي
حجم الخط
0

لم يكن هناك اتفاق جماهيري على مواهب سمير صبري في حياته، كما هو الآن بعد وفاته، فجلال الموت يغير كثيراً من مقاييس الحُكم الصحيح ويذهب بالآراء إلى تغليب الجانب العاطفي على الجانب الموضوعي، لكن ذلك لا يمنع وجود ألق حقيقي في شخصية الفنان الراحل الذي تعددت نشاطاته ما بين الغناء الاستعراضي والمهارات الإعلامية وهواية التمثيل، وهو ما يُشكل في حد ذاته ظاهرة لافتة تختص بتوافر عناصر التميز في شخص واحد حتى وإن كانت مقادير التميز متباينة وغير متساوية في كل الجوانب.
لقد كان سمير صبري محظوظاً في حياته الفنية ومشواره الذي بدأ وهو لا يزال طفلاً صغيراً، حيث منحته الأقدار فرصة العُمر بوجوده في نفس العمارة التي كان يسكنها نجم الغناء العربي الكبير عبد الحليم حافظ في حي الزمالك بالقاهرة بعد نزوحه من الإسكندرية للإقامة مع والده بعد انفصاله عن زوجته والدة سمير الطفل الذي كان يتمتع بقدر كبير من الوسامة والذكاء والجاذبية، ويمتلك من خصائص الحضور ما جعله جديراً بالدخول في دائرة الضوء منذ نعومة أظفاره.
تلك كانت مُعطيات التأهيل الحقيقي للعمل في ركن الأطفال بالإذاعة المصرية مع عدد من أقرانه الموهوبين المُحبين للإبداع والفن، قبل أن تزداد قناعات المُتابعين له من أساتذة الإعلام والموسيقى فيتم تصعيده سريعاً ليصبح الطفل الأشهر بين المجموعة المُشاركة في برامج الهواة.
وربما ذكر سمير صبري نفسه أنه ألح بشكل طفولي على عبد الحليم لاكتشافه فنياً فاستجاب لرغبته بالسماح له بالوقوف ضمن المجموعة التي كانت تحيط به وهو يغني أغنيته الشهيرة «بحلم بيك» في لقائه الافتراضي مع الإذاعية آمال فهمي في برنامج على الناصية في فيلم «حكاية حُب».
وكانت هذه هي المنحة الكبرى التي تلقاها الطفل آن ذاك من أشهر مطربي جيله، فاندفع بفضل هذا الاحتواء دفعة كبيرة ليصير بعد بلوغه مرحلة الشباب نجماً يُشار إليه بالبنان، حيث شارك في التمثيل في بعض الأفلام الكوميدية مع فؤاد المهندس كان أشهرها فيلم «عودة أخطر رجل في العالم» ولأن الدور الذي أُسندوه إليه كان مزيجاً من الكوميديا والأكشن فقد علق بأذهان الجمهور فرُشح بعدها للقيام بأدوار أخرى حققت بعض النجاح مثل «عدو المرأة» و«شنبو في المصيدة» و«نص ساعة جواز» و«هارب من الزواج» وغيرها من الأنماط الخفيفة التي مهدت لوصوله إلى أدوار البطولة المُشتركة كتجربته المُبكرة مع عادل إمام في فيلم «البحث عن فضيحة» ثم الارتقاء إلى أدوار مختلفة كفيلم «الأخوة الأعداء» و«يوم الوفاء العظيم» و«حكايتي مع الزمان».
في هذه الأثناء كان سمير صبري يقطع أشواطاً طويلة في مسيرته الأخرى كمقدم برامج إذاعية وتلفزيونية، ولعل الأشهر من برامجه كان «النادي الدولي» الذي خلق له قاعدة جماهيرية عريضة حققت أثراً بالغاً في نجاحه السينمائي برغم أنه توقف لأسباب غير معلومة على وجه الدقة. فقد تردد أن الرئيس السادات أمر بإيقافه لعدم رضاه عن طريقة الحوار في إحدى الحلقات التي استضاف فيها سمير راقصة شهيرة.
ظل الفنان الشامل مؤرقاً بالبطولة المُطلقة التي لم ينل حظه منها بالقدر الكافي، حيث الفرصة لم تأته كاملة إلا في فيلم «وبالوالدين إحسانا» مع فريد شوقي وكريمة مختار وسهير رمزي، لذلك لجأ إلى إنتاج بعض الأفلام ليعوض إحساسه بالظلم في هذا الجانب ويتصدر البطولة، حيث لم تلب البطولات المُشتركة التي قام بها في أفلام مثل «التوت والنبوت» و«الجلسة سرية» رغبته، فعمد إلى دخول تجربة الإنتاج في مشروعات سينمائية متميزة بعض الشيء كفيلم «دموع صاحبة الجلالة» الذي قدم من خلاله شخصية محفوظ عجب، الصحافي الانتهازي الذي لعب على كل الحبال ليصل إلى مُبتغاه من السُلطة والنفوذ.
ويعد هذا الفيلم على وجه التحديد من النماذج الكاشفة بشكل واضح لواقع الصحافة المصرية المُتردي في فترة الأربعينيات والتحلل القيمي والأخلاقي لبعض العينات الفاسدة من المُشتغلين بالصحافة في تلك الفترة أيضاً.
ولم يكن فيلم «دموع صاحبة الجلالة» هو التجربة الوحيدة الناجحة للفنان الراحل في مجال الإنتاج السينمائي، وإنما كانت هناك تجارب أخرى لا بأس بها كفيلم «منزل العائلة المسمومة» و«السلخانة» و«إنذار بالقتل» و«أهلاً يا كابتن» و«نشاطركم الأفراح» و«علاقات مشبوهة» و«في الصيف الحب جنون» و«جحيم تحت الماء» و«جحيم تحت الأرض» وكلها نماذج جنحت كثيراً إلى التجارية بشكل مُتقن ومدروس لضمان الربحية أو عدم الخسارة في أسوأ الأحوال.
ولأن الخلطة التجارية لها مكوناتها التقليدية المعروفة فلم تخل أفلام البطولة لسمير صبري من الأكشن والقصص الرومانسية باعتبار ذلك إشارات لبضاعة مضمونة الرواج والتسويق.
وبالفعل لم يخسر الفنان المُنتج في معظم تجاربه ومغامراته الإنتاجية، بل لعله حقق الكثير مما كان يصبو إليه، غير أنه لم يكتف بالنجاح السينمائي فعاد مُجدداً إلى غوايته الأولى كمقدم برامج فزاد حضوره ببرنامج «هذا المساء» الذي عوض به فقدان برنامج «النادي الدولي» واستمر لفترة يقدمه بشكل مُنتظم إلى أن استنفد أغراضه فتفرغ الفنان الحيوي، المولع بالشهرة إلى مشروعاته الأخرى كمُغني استعراضي وممثل له حيزه الخاص في السينما والتلفزيون والأغنية الخفيفة، وظل مُصراً على التواجد والعطاء والتميز حتى السنوات المعدودة قبل الرحيل والتي اختتمها بمذكراته «حكايات العُمر كله».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية