العود بطلاً ورمزاً للإنسان العربي في كونشيرتو كلاسيكي درامي وتراجيدي
بيروت ـ «القدس العربي»: الإنطباع الأول عن اسطوانة «كونشيرتو العود» يشي بأن المؤلف الموسيقي عبدالله المصري كتبه وهو واثق من مهارات العازف سمير نصرالدين في تجسيده. أما الواقع فيقول خلاف ذلك، فالمؤلف المصري خطّ عمله ولم تجمعه من قبل معرفة بنصرالدين.
فضول العازف سمير نصرالدين الرافض للقيود المفروضة على آلته التي يعشقها، دفعه للتواصل مع المصري عندما تنامى إلى مسمعه تباعاً ما يكتبه. صرّح عن اهتمامه بما يكتبه هذا المؤلف الكلاسيكي وخريج معهد تشايكوفسكي لآلة شرقية عُرفت تاريخياً بمرافقتها للغناء. وكان ما كان، إلى أن ولد «كونشيرتو العود» و«تريو العود» الذي انهار عليه وصف «الجنون» من كل حدب وصوب. فالحال في لبنان معروف للقاصي والداني، وهناك من يبادر وعلى مسؤوليته الشخصية الكاملة بتقديم هذا العمل الموسيقي المميز.
«كونشيرتو العود» عمل موسيقي درامي، يقدم للمتلقي ومع كل سماع جديد إضافة تستدعي الإصغاء والتبصر. ولأن العود بطل هذا الكونشيرتو، فالبحث عن حضوره يتلاحق وهو بيّن، فالعزف على أوتاره من ريشة سمير نصرالدين ليست كما غيرها.
«كونشيرتو العود» نجح في تجسيد هدف عبدالله المصري منه، وسقط على سمير نصرالدين كحلم جميل أكد له أن ما يبتغيه من آلته ليس بعيد المنال، وبأن مساره صحيح. ولهذا تضاعف طموحه من العود الذي يفتخر به شرقي الهوى والهوية، وأيضاً طليق الجناحين في الحضور أينما رغب في موسيقى العالم.
مع العازف سمير نصرالدين هذا الحوار:
○ كيف ولدت فكرة «كونشيرتو العود»؟
•»كونشيرتو العود» فكرة شغلت المؤلف الموسيقي عبدالله المصري إثر الأحداث التي شهدتها دول عدة في الوطن العربي بدءاً من سنة 2011. اختار المؤلف آلة العود كرمز للإنسان العربي، وشكلت الناطق باسمه في هذا العمل الموسيقي. «كونشيرتو العود» عمل درامي تراجيدي بامتياز.
○ وهل كنت على تواصل مع المؤلف عبدالله المصري خلال كتابته للعمل؟
•أبداً. كل منا يعيش في بلد جمعتنا الصداقة عبر فيسبوك. كعازف عود عُرف عني منذ أكثر من عشرين عاماً طموحي الكبير، بل حتى هاجسي بأن لا تكون تلك الآلة مستضعفة. حمل العود تاريخياً مهمة التقاسيم ومرافقة الغناء فقط. لم أهدف لنسف هذه المسلمة، بل رغبت بأن لا تشكل حدوداً للعود. سعيت لتوسيع الدائرة لتأكيد امكانيات العود الكبيرة، وضرورة وجوده إلى جانب كافة الآلات الموسيقية وبدون استضعاف. رؤيتي هذه التقت مع أهداف عبدالله المصري الذي يعتبر مؤلفاً كلاسيكياً كونه خريج معهد تشايكوفسكي العريق.
○ هل يعني ذلك أن شروطاً استجاب لها المؤلف خلال كتابته لـ«كونشيرتو العود»؟
•ليست بشروط، بل يتمثل الأمر في اختياره كمؤلف كلاسيكي الكتابة لآلة العود، وليس لواحدة من الآلات المعروفة من ضمن الأوركسترا السيمفونية كالكمان وغيره. تعامل المؤلف مع آلة العود كبطل في عمله الموسيقي ولم ينظر إليها كآلة ضعيفة. رفع سقف تقنية الأداء بعيداً عن مسلمة قدرات العود التقليدية. خطّ «كونشيرتو العود» سالكاً التأليف الموسيقي الكلاسيكي الصحيح. ففي مدرستنا العربية لا وجود للتأليف الموسيقي. معظم موسيقانا تُبنى على لحن تدور حوله توزيعات آلية تكون في بعض الأحيان أوركسترالية، لكن هذا يختلف عن التأليف. عبدالله المصري مؤلف عبقري تمكّن من الكتابة لآلة العود بقالب الكونشيرتو الكلاسيكي بكل خصائصه، وكان بانتظار عازف ينفّذ ما كتبه.
○ وكيف تمّ التواصل لتُسند مهمة التعبير عن فرادة وبطولة العود لك؟
•لم تكن بيننا معرفة كما سبق القول، لكني كنت مطلعاً على أهمية كتاباته الموسيقية، وكانت أخبار كتابة الكونشيرتو تصل إلى مسمعي، فزادت فضولي وحتى قلقي لمعرفة مصيره. تواصلت معه وعبّرت عن اهتمامي بسماع ما كتبه. فلم يكن بحوزته تسجيل، طلبت النوتة وأرسلها لي. لاحقاً أرسلت له مقطعاً مسجلاً من العمل. سمع المصري عزفي فاستفزّه وأقنعه، وكان قراره بتسجيل «كونشيرتو العود» معي.
○ كان اكتشافاً متبادلاً بينكما؟
•كنت أعرف موسيقى عبدالله المصري جيداً وسمعت معظم أعماله على اختلافها. ما استفزني أن أحداً من المؤلفين الكلاسيكيين لم يطرق الكتابة للعود من قبل بكل ما تتضمنه كتابة الكونشيرتو الكلاسيكي.
○ وكيف تفرّد وبرز صوت العود من بين كافة الآلات التي تتشكل منها الأوركسترا؟
•إنها حرفية وذكاء المؤلف في الكتابة للعود، وتحديد دوره ومن ثمّ انسجامه مع اللوحة الموسيقية كاملة. فالكونشيرتو لوحة كاملة وليس لنا فصلها كأجزاء. وليس لنا رفع «الصوليست» من هذه اللوحة وسماعه منفصلاً، وكذلك ليس للعود أن يكون من دون الأوركسترا. إنه عمل شديد الترابط، برزت خلاله امكانات الخلق التي يمتلكها عبدالله المصري، وكيفية كتابته لآلة العود كي تواجه الأوركسترا بالمعنى الذي أراد تجسيده، وجعل منه بطلاً على كافة المستويات.
○ وهل فرض التسجيل خصوصية ما نظراً لفرادة دور العود في هذا العمل؟
•لدى التسجيل كنت أجلس في غرفة زجاجية معزولة مطلة على الأوركسترا وقائدها. وكان كافة أعضاء الأوركسترا التسعون يضعون سمّاعات على آذانهم، للتمكن من سماع بعضنا البعض. وفق هذا الأسلوب تمّ تسجيل «كونشيرتو العود». ومثّل بالنسبة لي تجربة عظيمة.
○ وهل تخلل وصول العمل إلى نهاياته صعوبات؟
•بل العكس. يمكن وصفها بالمسيرة الإيجابية جداً رغم كون كل منا يعمل ويعيش في بلد. التقينا في موسكو وتمّ التسجيل في استوديوهات «موسفيلم» الشهيرة في صيف سنة 2019.
○ سبقتم «ثورة» لبنان؟
•وهذا ما أخّر إطلاق العمل الذي استغرق تسجيله ثماني ساعات متواصلة. مع الإشارة أن الأسطوانة تتضمن «تريو العود» إلى جانب غيتارين. وبقدر ما كانت مرحلة التسجيل وهندسة الصوت سلسة ومريحة، كانت الأوضاع العامة في لبنان غير إيجابية. بدءاً بثورة تشرين، ومن ثم كورونا والانهيار الاقتصادي، وفيما بعد انفجار المرفأ، فدخل إطلاق السي دي في مهب التأجيل.
○ وماذا علّمتك هذه التجربة؟
•بل أضافت المزيد من الثقة إلى قناعاتي، التي ساعدتني في تسجيل هذا العمل. تقول قناعتي أن العود ليس بآلة محدودة مطلقاً، وهي تحتاج إلى عازف يمتلك الكثير من التقنيات العالية. وكذلك مخزوناً سمعياً واسعاً، أي الثقافة السمعية. لتسجيل عمل مماثل لـ«كونشيرتو العود» ليست المهارة التقنية هي المطلوبة، بل امتلاك ثقافة السمع لمثل هذه الأعمال. تسجيل الكونشيرتو يحتاج إلى ثقافة موسيقية تمكّن العازف من فهم النص الموسيقي وعمقه الدرامي بشكل صحيح. الموسيقى الكلاسيكية لا تتضمن إضافة أو حذفاً، أي أن التلوين والزركشة ليسا من حق العازف، بل على الأخير فهم النص الموسيقي وعمقه الإنساني والدرامي، وأن يبث بأدائه الحياة في كل نوتة من العمل. هذا المخزون التقني والسمعي الذي امتلكته خلال سنوات طوال ساعدني في تقديم الروحية التي أرادها المؤلف خلال تسجيل الكونشيرتو. ونحن معاً فخوران بهذا الإنجاز. شخصياً تيقنت أكثر بمتابعة عملي بدون أية حدود.
○ هل نظرت إلى ثقة المؤلف عبدالله المصري بأنها مسؤولية؟
•شكّل هذا العمل بالنسبة لي صخرة ثابتة وكبيرة جداً في المشروع الذي أتبناه بشأن العود. والمؤلف عبدالله المصري أثبت فكرته وثقته بقدرة العود على ترجمة أفكاره. ما حدث عظيم جداً والسعادة تغمرنا.
○ هل تأمل أن يُعزف «كونشيرتو العود» في بيروت؟
•بعد تنهيدة من الأعماق وآخ واضحة قال: الأمل والطموح لا يفارقاني. يحتاج الكونشيرتو لأوركسترا سيمفونية ضخمة إلى جانب الصوليست، ودون ذلك عقبات كبيرة جداً في طليعتها الكلفة. وهنا لا بدّ من الإضاءة أن «كونشيرتو العود» أنتج من قبل عبدالله المصري شخصياً، وهو قرار حتّمته قناعاته بأن العمل والفكرة ستصلان للمتلقين بالشكل الصحيح. ربما كانت هذه الإمكانية متاحة قبل الوضع الاقتصادي الذي نمرّ به عبر التعاون مع أوركسترا المعهد الوطني العالي للموسيقى الذي كان يستضيف عبدالله المصري في مناسبات عديدة لقيادة واحدة من أمسياته. لكن في ظل الظروف الراهنة لا يبدو ذلك متاحاً.
○ صدرت لك أسطوانة «فانتازيا». هل رغبت من خلالها بالإعلان عن ذاتك؟
•عبّرت في أسطوانة «فانتازيا» عن شخصيتي كعازف عود يبحث عن كل جديد، ترافقه آلات موسقية مختلفة كالبيانو والباص والكمان واليوكيليلي وعدة آلات إيقاعية. تضمن العمل الكثير من الألوان الموسيقية المختلفة، والتي تقول بضرورة رفع القيود والحواجز من طريق آلة العود. فهو قادر على الإنطلاق لتأكيد قدراته عالمياً وبجدية. الموسسيقى التقليدية التي يؤديها العود هي جزئية لها مكانتها في قلبي كصورة عن هويتي، وبالتأكيد أحافظ عليها وأتمسك بها. لكني أرفض أن يحذّرني أحد بقوله «ما تلغي هوية العود»؟ صحيح العود عربي الأصل، وأنا من يلعب الموسيقى العربية باحتراف كامل وبأدق تفاصيلها، لكني أرفض تبسيط صلتي بآلتي التي أعشقها. للعود قدرات هائلة تحتاج لمجنون يخوض التجارب والتمارين للوصول إليها.
○ وهل نطلق عليك صفة المجنون؟
•بالتأكيد مجنون. كثير من المعنيين بالموسيقى وآلة العود وصفوا مشروع عبدالله المصري بالجنون. سمعت هذا التعليق مباشرة خلال توقيع الألبوم في البيت الروسي «انتو مجانين». حتى أن بعضهم قال لو لم تكونوا مجانين لما سجلتم هذا الكونشيرتو. الفنون تحتاج لجنون.
○ هل أنت متفرغ للعود وتعيش منه؟
•لو تفرّغت للعزف بالمعنى المعهود في لبنان ربما تأمن هذا الشرط المعيشي. في الواقع التعليم يستغرق الكثير من اهتمامي، إلى جانب السفر لتقديم مشروع خاص بي، أو المشاركة كعازف في أعمال فنية عديدة. وكذلك التسجيل الذي يمكن وصفه بالكثيف.
○ والختام؟
•»كونشيرتو العود» فريد من نوعه، فلم يسبق لأي مؤلف أن كتب للعود من قبل. أنا فرح للغاية بهذا الإنجاز وردود الفعل بدأت تتوالى من المعنيين بآلة العود.