سناء موسى: دخلنا مرحلة حرجة وعلينا إنقاذ الممكن من تراثنا الشفوي

زهرة مرعي
حجم الخط
0

تنظر بخوف إلى الذاكرة التي تذبل وتزول مع كبار السن وترى ذلك خطرا

بيروت-“القدس العربي”: انقطع التواصل مع سناء موسى منذ غادرت بيروت بعد زيارة مثمرة جمعتها بمحبيها من فلسطينيين ولبنانيين سنة 2017. مؤخراً حمل يوتيوب تسجيلاً بالصوت والصورة لموسى تؤدي “ترويدة بدوية” من تراث الجليل. في هذه الترويدة غنت في حارة فلسطينية لم يشوهها المعمار الحديث. كانت كلمات قليلة، رفدتها المغنية بآهات نقية ونغمات صوت رددتها جنبات المكان.

كما أن بحثا عبر المواقع أفضى إلى جديد لسناء موسى في السينما الوثائقية فيلم “على قيد الحب” أبطاله هم كبار سن غادروا منازلهم بفعل جرائم العصابات الصهيونية سنة 1948 ومخضرمون وأطفال. فيلم ينضم إلى أرشيف الذاكرة الفلسطينية الحية أبداً وفيه الكثير من البوح والشوق والعهد.

إذاً سناء موسى مصورة ومخرجة أيضاً. مهارات تضمها إلى تخصصها الأساس فهي تحمل دكتوراه في علم الدماغ.

مع سناء موسى فتحت “القدس العربي” حواراً لمعرفة تفاصيل نشاطها المتنوع:

*عرفتك بيروت في زيارة يتيمة سنة 2017 زمن مرّ كنت خلاله نشيطة. لنبدأ من “ترويدة بدوية” وما هي حكايتها؟

**تنتمي هذه الترويدة لشمال فلسطين. في إطار اهتمامي بالبحث عن التراث الشفوي الفلسطيني تعرّفت إلى السيدة لطفية سمعان من سمحاتا في الجليل. بعد تدمير منزلها لجأت مع إخوتها إلى حيفا. طرحت عليها أسئلة للتعرّف إلى أغاني النساء تحديداً، فتذكرت هذه الترويدة التي كانت تغنى للعروس لدى خروجها من منزلها. لدى اللقاء بها كانت لطيفة في أواخر سبعينيات العمر ولم يبق في ذاكرتها سوى هذه الكلمات. بدوري ولسنوات سألت أخريات عن كلمات هذه الترويدة من دون تحقيق النجاح. للأسف الذاكرة تذوي وتذبل كما الصوت الذي يبدأ قوياً ويبدأ بالاختفاء ليبقى الصدى الذي لا يدوم حتى. وما غنيته هو صدى ما تبقى من ذاكرة لطيفة سمعان التي توفيت قبل سنوات وأخذت معها هذا اللحن إلى الغيب.

*كم آلمك هذا؟

**أن تذبل الذاكرة وتزول إشارة مخيفة بالنسبة لي. نحن كفلسطينيين نشهد رحيل الجيل الأول للنكبة وهو يأخذ معه الكثير من الأسرار، والألحان وغير ذلك من الحكايات. من المؤكد أن الكثير من قصصنا الشعبية سترحل مع حامليها ولن نعرفها أبداً. علينا أن نستدرك هذا الخطر وأن نجتهد لتوثيق أكبر قدر ممكن من تاريخنا الذي تمّ بتره من سياقه وجذوره، لينتقل إلى مخيمات اللجوء والشتات في فلسطين وخارجها.

*كم لطيفة لا تزال في فلسطين أو خارجها إذاً؟

**لا شك هناك أكثر من “لطيفة” إلى جانب وجود رجال يحفظون التراث. النساء أكثر اهتماماً وإلماماً بالتراث الغنائي الفلسطيني وهنّ ينقلن الجواهر من جيل إلى جيل. وأكرر أننا دخلنا مرحلة حرجة بفعل الزمن وعلينا إنقاذ ما يمكن من تاريخنا وتراثنا الشفوي.

*هل البحث في التراث الفلكلوري مهمة أفراد؟ أم هناك دعم رسمي فلسطيني؟

**بصراحة حتى الآن لا يزال العمل مهمة أفراد في أكثر من مكان، وكذلك عمل مؤسسات كمركز الفن الشعبي، الذي قام بجهد توثيقي في مناطق عدة في فلسطين خلال الثمانينيات. ما جُمع رائع، إنما ثمة محاور تحتاج للسؤال. للأسف وعلى المستوى الرسمي ليس هناك أي عمل مقنع أو جاد في هذا المجال. وإن حصل أي جهد رسمي فسيأتي متأخراً جداً وبدون جدوى. فالحكايات التي ينقلها الأبناء عن الجدات تختلف حين نسمعها منهن مباشرة.

*هل من أولويات في نبش أو تجميع التراث الشعبي لديك؟

**البوصلة التي تحركني نبش التراث الفلسطيني، ومحاولة تقديمه من محاوره المختلفة، وما أقدمه على المسرح يشكل جزءاً منه. قدمت على المسرح أغنيات لأول مرة “طلت البارودي. ونجمة الصبح. وما جاني نوم. وسفر برلك”. جزء كبير من هذه الأغنيات لم يكن معروفاً وبات متداولا ويرددها عدد من الفنانين والفنانات، ومن الشباب والكبار والصغار. وفي أسطواناتي أتعمد تقديم ما هو غير مألوف من التراث. إذا المختلف وغير المعروف هو هدفي من تقديم غناء التراث بحيث يشكل جزءاً من الذاكرة السمعية لشعبنا. وهذا ما قلته في أسطوانة “اشراق”. مشاريع متعددة أقوم بها في الوقت عينه، إنما التراث هو الأول والأهم. وكل مشروع آخر يكون مرافقاً.

*كثيرات وكثيرون من الفنانين في فلسطين يبحثون عن التراث فهل هي مهمة تتكامل؟

**بل في رأي من يعملون لحفظ التراث لا يزالون قلة. محاور لا تحصى تحتاج للسؤال والبحث. التراث الفلسطيني السمْعي يحتاج للكثير من الجهود والباحثين. وهذا العمل يحتاج لمؤازرة ومساعدة. وعندما يكبر الجهد تكون امكانية تركيب جزء من هذه الفسيفساء السمْعية أكبر.

*تحدثت عن مشروع وضعته نصب عينيك هو الدمج بين الموروث الشعبي الفلسطيني والعربي. كم هذا متاح؟

**لا أقول جديداً حين أعلن أني أسيرة سحر تراثنا الغني والجميل والمتنوع الفلسطيني والعربي. طبعاً أرغب بالدمج بين مكونات هذا التراث حيث توجد الكثير من المحاور المشتركة. هناك مسافات جغرافية إنما نحن متصلون بفضاء واحد. ولا أنفي صعوبة هذا الدمج وضرورة أن نكون حذرين في تلك المهمة. بداية يفترض بأي دمج توضيح شخصية كافة العناصر المشاركة فيه. وليس كل دمج محكوم بالنجاح. المهمة معقدة إنما ممتعة، وقد تكون نتائجها الإبداعية رائعة جداً. ومن شأنها تشكيل صورة جميلة جداً من الألوان الغنائية، حيث يجب احترام وضوح كافة العناصر في تركيبه ومواصفاته.

*قبل النكبة تواجد تبادل اجتماعي وثقافي بين جنوب لبنان وشمال فلسطين. فهل من تشابه في الموروث الفلكلوري؟

**وهذا ليس بغريب والسبب أن الحدود الطبيعية لا ترسمها الحدود السياسية. التواصل كان دائماً بين جنوب لبنان وشمال فلسطين. وهناك تشابه في الطعام وتكوينه. والموسيقى أكثر تعبيراً عن هذا التبادل مع الدول العربية المحيطة. فشمال فلسطين يتشابه مع جنوب لبنان. وجنوب فلسطين أي غزّة تتشابه في موروثها مع مصر. لهذا يأتي الدمج جميلاً وسلساً وطبيعياً. وهذا الحال ينطبق على باقي البلدان العربية حيث تتشابه الشعوب المتجاورة في الموروث الثقافي والفني ولهجة الكلام. إذا للجغرافيا قوة تفوق الحدود السياسية التي وضعها سايكس بيكو.

*اكتشفت ولحسن حظي في أرشيفك فيلما تسجيليا من إخراجك وتصويرك “على قيد الحب”. أخبريني عن مشاعرك حين قابلت كبار السن يتحدثون عن أمكنتهم الممنوعة عنهم؟

**الفيلم من تصويري وهو توثيقي قصير ولم أتدخل في أقوال شخصياته. إذاً هو فيلم من اعدادي وتقديمي وتصويري وأتى من ضمن رؤيتي الفنية. نفذته خصيصاً مع مئوية وعد بلفور ومن خلاله رغبت بإيصال صوت اللاجئين في مخيمات الشتات. أخترت مخيم الدهيشة في الضفة الغربية كونه يضم لاجئين من عشرات القرى مثل “مغلّس، ودير عطاب وغيرها”. هُجِّر السكّان ودُمرت القرى سنة 1948. بحثت عن مواطنين يعرفون تماماً ما حدث خلال النكبة، وهكذا وجدت شخصيات في ثمانينيات العمر، “أبو شريف” كان في السادسة والتسعين وهو من دير عطاب. السؤال المحوري كان حول الرابط في رغبتهم الجامحة بالعودة إلى قراهم ومسقط رأسهم. وعنه أجاب من شاهد وعاش النكبة، ومن ثم الجيل الثاني والجيل الثالث أي الأطفال. المفارقة أن الإجابة القطعية نعم سنعود ونريد أن نعود إلى قرانا وأرضنا. هذا التمسك بالحق يشكل بوصلة وقبلة لكافة اللاجئين رغم كل الظروف الصعبة والقهر الذي يعيشون فيه. السؤال الآخر كان عن غرض ما يرغبون بجلبه معهم من قريتهم إن أتيح لهم زيارتها؟ وماذا سيفعلون إن أتيح لهم في هذه اللحظة التواجد في قراهم؟ والمقابلات كانت منفردة كي لا يتأثر أحدهم بجواب الآخر. جاءت الإجابات غاية في الصدق والعمق.

*وماذا عن جيل الشباب تحديداً؟

**أتت اجاباتهم ساحرة وجميلة وفيها ألم وحزن، وكذلك أمل وإصرار. هذا ما حصلت عليه في هذا الفيلم القصير ولست بمصورة ولا مخرجة. بكل صراحة ناداني الفيلم فنفذته برفقة أصدقاء متطوعين منهم المصور إياس أبو رحمة، وإبن الدهيشة وسام الجعفري الذي شاركني بكل ما لديه من حب وانتماء. وكانت أيضاً مشاركة من الدكتور نادر صالحة في تظهير كيفية تنفيذ الفكرة. وهكذا كنا حيال فيلم متواضع ذو محتوى حاد وقوي ومؤثر. حمل الفيلم عنوان “على قيد الحب” فهؤلاء الناس على قيد الحياة لأنهم على قيد الحب لفلسطين ولموطنهم الأصلي. هؤلاء الناس الذين قابلتهم ملهمون حقاً. هم موجوعون بشكل يومي لكنهم صابرون يقاومون الاحتلال وكافة المتآمرين على قضية الشعب الفلسطيني. وجميعهم يؤمنون أن ما من حق يضيع وخلفه مُطالب.

*أين أنت من السينما؟

**تستهويني السينما ولم أطرق بابها أبداً، وهي بنظري الأكثر جاذبية بين كافة أنواع الفنون، وسأبقى فقط شغوفة بهذا الفن. في بعض أغنياتي على المسرح أحاول رسم بعض المشاهد كما في “طلت البارودة” لوضع المتلقي في صورة الأغنية. وكذلك أجتهد لتكون هذه المشهدية متوافرة في الأسطوانة.

*كيف ولماذا رحت إلى تجربة غناء صوفية في الهند؟

**جذبتني هذه الموسيقى وضرورة اكتشافها عن قرب بعد أن كنت مستمعة لزمن. جذبني عمق النص وعمق الحالة النفسية التي تدفع لغناء هذه الموسيقى. مع هذه الموسيقى ثمة شعور يعيشه المغني هو التكامل بين الحالة النفسية والجسدية والموسيقية معاً. وهذا ما يجب أن يعيشه المغني ليتمكن من غناء الموروث الصوفي بالعمق المطلوب. يمكن وصف هذه التجربة بأنها خاصة جداً من شأنها أن تُدخل الفرد إلى أعماق نفسه، فينظر إلى الكون بطريقة مختلفة حيث كل شيء يبدو صغيراً أمام قوة الخالق. وفي يد الإله الكبير، جميعنا عبارة عن ومضات وظلال. تشعرنا الموسيقى الصوفية وكأننا نرى الصورة “زووم إن”. وبالتالي نمتلك الإمكانية بالنظر إلى هذا الكون من مكان بعيد، والـ”زووم أوت” يدفعنا للنظر إلى هذا الكون كشيء بسيط، وأنه ظل في يد الخالق. إنها تجربة غريبة وأظنني في بداياتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية