سنة 2013 كانت من أخصب سنوات القراءة بالنسبة لي، ويعود الفضل الأكبر في ذلك إلى زنزانة السجن! فالعقوبة التي أرادها لنا بعض المتنفذين في السلطة بتهمة سياسية ملفقة سرعان ما تحولت إلى هدية ثمينة، ففي السجن وجدنا أنفسنا محبوسين في المكان، ولكننا أحرار في الزمن، حركتنا لا تتعدى العنابر وساحة السجن الصغيرة، ولكن حركتنا في الزمن حرة طوال 24 ساعة في اليوم، لا توجد التزامات بوظيفة أو انشغالات أو أعباء أو مسؤوليات، فكل مسؤولياتنا كانت تجاه أنفسنا فقط، وتجاه بعضنا البعض كرفاق جمعنا المصير المشترك. في اليوم الذي ذهبت فيه إلى السجن حملت معي مجموعة من الكتب التي كنت أتمنى قراءتها من سنوات، ولكن لم يتح لي الوقت بسبب الانشغالات، ولأنها أيضاً مجلدات ضخمة تحتاج إلى تفرغ وتركيز عالي لإتمام قراءتها، وإذ أسترجع الآن قائمة هذه الكتب التي قرأتها خلال هذا العام أقول بيني وبين نفسي شكراً للسجن لأنه منحني هذه الفرصة العظيمة لقراءة هذه الكتب قراءة متأنية، متعمقة، مستمتعة شعرت فيها بأنه ‘بإمكاني أن أحشر في قشرة جوز، وأشعر أنني ملك الرحاب التي لا تحد’ كما قال هملت! من أهم الكتب التي قرأتها في السجن كتابي الفيلسوف العظيم باروخ سبينوزا ‘الأخلاق’ و’رسالة في اللاهوت والسياسة’، فهذا الفيلسوف قرأت عنه منذ سنوات طويلة، وظللت متشوقاً لقراءته، وأكثر ما شدني إليه استقلاله وإيمانه برسالة الحقيقة رغم الإقصاء والجحود والنكران الذي عاناه من بني قومه، حيث انتهى به الحال، بعد محاولة اغتيال، مطارداً ومتخفياً طوال حياته، وكان مثالاً ناصعاً لإتساق الفكر والسلوك لدى الفيلسوف الحقيقي، وجدت في كتابه ‘الأخلاق’ بناءً فلسفياً محكم البناء يقود خطى الإنسان الفرد إلى الخير والفرح والسعادة، وفي كتابه ‘اللاهوت والسياسة’ وجدت تأسيساً لحرية العقل في تعاطيه مع المسائل الدينية، وبناء لدولة العقل المستقلة عن اللاهوت الديني. أما كتاب’جمهورية أفلاطون’ فقد ظللت سنوات طويلة أتهيب قراءته، لظني أنه كتاب ضخم معقد، ولكن عندما قرأته اكتشفت أن أفلاطون شاعر وفنان يجنح بالقارئ بأجنحة الخيال في سماء الفلسفة، فالجمهورية أو المدينة الفاضلة، لم تكن سوى حلم أعيد تأسيسه على منطق العقل، لكن هذا الحلم كثيراً ما وجهت له الاتهامات بأنه بعيد عن الواقع، ولكن حين نقرأ الجمهورية نكتشف إلى كم كان أفلاطون عبقرياً في فهمه وتشخيصه للكثير من القضايا التي لازالت راهنة، سواء في الفلسفة أو الفن أو السياسية. هرمان هسه أحد الروائين العظام الذين تعرفت عليه في السجن عبر روايته الجميلة ‘لعبة الكريات الزجاجية، فقد وجدت منذ سنوات اشارة عن هذه الرواية في كتاب ‘الإسلام بين الشرق والغرب’ لعلي عزت بيجوفتش، حيث ذكر أنه قرأ هذه الرواية حين كان في السجن، واثنى عليها كثيراً، وبالفعل عندما قرأتها وجدت أنها أشبه بقصيدة شعرية جميلة، ووجدت بها رؤية عميقة متفردة للحياة والفن والوجود الإنساني، إنها الشغف بالجمال، والحب المتأمل في جوهر الأشياء، والإصغاء الدائم لنداء الحقيقة، كذلك قرأت رواية ‘دميان’ لهرمان هسه، والتي كانت إحدى أكثر الروايات التي قرأها الرفاق في السجن. كما أتاح لي السجن التعرف على روائي ألماني آخر وهو توماس مان من خلال روايته الكبرى ‘الجبل السحري’ والتي هي بالفعل عمل ضخم يصعب قراءته خارج السجن! حيث تدور أحداثه عبر أكثر من 1000 صفحة في احد المصحات في جبال سويسرا، حيث نتعرف على نزلاء المصح وهم يواجهون المرض والحياة والموت، في رحلة يأخذنا فيها توماس مان إلى أعماق ومجاهل النفس الإنسانية. رواية ‘الدون الهادي’ لشولوخوف قرأها أصدقائي منذ سنوات طويلة، وحاولت حينها قراءتها وتوقفت بعد حوالي 50 صفحة، فضخامة الرواية التي تتجاوز صفحاتها ال 2000 صفحة على أربعة أجزاء، جعلتني أتوقف، وأؤجل قراءتها لأعوام طويلة، لهذا ما إن انقضت الأسابيع الأولى في السجن، حتى اتصلت بالصديق العزيز الذي تتوافر معه هذه الرواية ليحضرها لي، وعبرها عشت رحلة ممتعة في سهوب القوقاز، وتداعيات الحرب العالمية والثورة البلشفية التي عصفت بمصائر الفلاحين ومصير روسيا بأكملها، وهذه الرواية الملحمية أتيح أيضاً لعدد من الرفاق في السجن أن يقرأوها، وأظن أنهم عاشوا حياة غنية في عوالمها الرائعة. إحدى الهدايا الثمينة التي قرأتها في السجن ‘قصة مدينتين’ لتشارلز ديكنز، وهي تدور أحداثها بين لندن وباريس، وذلك أثناء الثورة الفرنسية واقتحام سجن الباستيل، لكن ديكنز لا يذهب إلى الصورة البراقة للثورة، بل يذهب عميقاً في تصوير ما يختلج في النفوس من هاويات سحيقة لمشاعر الانتقام والعداء والعنف والدماء، وفي المقابل يصعد بنا إلى سماوات الحب، والنبل، والجلال التي تغير الإنسان وتمنحه حياة جديدة، كما أتيح لي قراءة كتاب ‘ميتافيزيقا الفن عند شوبنهاور’ لسعيد توفيق الذي كان مدخلاً لفهم فلسفة الفن والجمال لدى الفيلسوف الكبير شوبنهاور، كما أن قراءة موسوعة ولترستيس عن هيغل المجلد الأول ‘المنطق وفلسفة الطبيعة’ والمجلد الثاني ‘فلسفة الروح’ ساعدتني على فهم مؤلفات هيغل التي سبق لي قراءتها من قبل، إلى حد أنني شعرت أنني أصبحت اكثر فهاً وإدركاً لفلسفة هيغل في بنائها المنطقي الديالكتيكي الشامل. كتاب ‘هكذا تكلم زرادشت’ لنيتشه قرأته في السجن وكأنني أقرأ قصيدة شعرية، كنت أتجول بين عنابر السجن وأنا أعيد قراءة مقاطع منه بصوت عالي، منتشياً ببلاغة العبارة وجمال المعنى، وفي أحيان كثيرة أعيد قراءة تلك العبارات على الأصدقاء، وأزعم أنني رغم قراءتي في السابق لعدد لا بأس به من كتب نيتشه إلا أنني لم أكن أعتبره فيلسوفاً، بل أصنفه كحالة بين الشعر والجنون لها رؤوى فلسفية عميقة ومدهشة، وكنت أقول أن على المرء ألا يأخذ ما يقوله نيتشه على محمل الجد، لكن بعد هذه القراءة المتعمقة، المترنمة، والمسافرة بشغف في أعماق وذرى النص النيتشوي الرائع تبدت لي فلسفة نيتشه واضحة في فرادتها وصدقها، والتي يمكن تلخيصها في هذه العبارة: الهدم ضروري من أجل تجاوز الراهن، والإرتقاء إلى الإنسان الأعلى الأكثر نقاوةً. إن هذا الكتاب العمدة لنيتشه ‘هكذا تكلم زرادشت’ كأي كتاب عظيم، لا يمكن أن يفهم إن لم يؤول معناه الظاهري، وتفهم دلالاته الكامنة. بعد الخروج من السجن في شهر أبريل، كان للشعر نصيب وافر من القراءة، وكأن العودة للشعر هو تعبير عن الاحتفاء بالحرية، حيث استمتعت بقراءة دواوين شعرية لأدغار آلن بو، وليركه، ولوركا، وفرناندو بيسوا، كما قرأت الأوديسة لهوميروس، ورواية المحاكمة لكافكا، والسيرة الذاتية لإبراهيم الكوني ‘عدوس السُرى’ التي هي أحد أعمق السيرة الذاتية العربية، كذلك قرأت كتاب أوشو ‘الحب والحرية والفردانية’ والذي ينطوي على الكثير من التأملات المشرقة بالرؤيا النافذة للنفس الإنسانية، كما استكملت قراءة رواية ‘الجريمة والعقاب’ لدوستويفسكي باللغة الإنجليزية بعد قراءتها الأولى باللغة العربية، كذلك من أهم ما قرأت هذا العام كتاب’الدين في حدود مجرد العقل’ لكانط، الذي وضع فيه كانط أسس فلسفته فيما يتعلق بالدين الحقيقي في حدود العقل المحض، والذي هو ليس أكثر من الإيمان بالله وطاعة القانون الأخلاقي الذي هو وصايا الله في القلب البشري، داعياً لما أسماها بثورة النوايا الخلقية التي هي إعادة ولادة الإنسان من جديد، ليكمل مسيرة التحسين الخلقي لسيرته في الحياة كأعظم إنجاز في الوجود كما يقول كانط. إذاً 2013 كانت سنة القراءة والتأمل والأفكار والأحلام الخصبة، وربما كان السجن المكان المثالي لفهم أوضح لمعنى الحرية، فالأشياء لا تُرى إلا في غيابها، لهذا كان الحرمان من الحرية، والإحساس بالظلم، السبب في تصاعد الأسئلة المؤرقة عن مفهوم الحرية، والعدالة، والإنسان، والسلطة، والإستبداد، ولهذا جاءت القراءة في السجن مصحوبة بتأملات عميقة في النفس، وإعادة تفكير في مواقف ومعاني كثيرة، ومنها التضامن الوطني والإنساني الذي شعرنا بها من أشخاص لم يعرفونا من قبل ولكنهم تضامنوا معنا ودافعوا عنا كمحامين وكتاب في الفضاء الإلكتروني انطلاقاً من ضميرهم الوطني والإنساني، لهذا كانت 2013 سنة خصبة على صعيد قراءة الكتب، والذات، والآخر، والمواقف الإنسانية والثقافية، وقراءة المجتمع والسلطة، وهذه الجدلية من الصراع التي ما زلنا محكومين بها.