لندن – «القدس العربي»: أعطت كرة القدم، درسا في منتهى القسوة لكل خبراء وجهابذة اللعبة، بتحطيم توقعاتهم وتحليلاتهم بداية الموسم، التي ارتكزت على السمعة وحالة الأندية ونتائجها في النصف الأول، بينما على أرض الواقع، جاء العام الجديد بحقائق ومتغيرات، بعضها يندرج تحت مسمى «خارج المنطق»، بحدوث أشياء في بداية مارس / آذار، كانت أشبه بالمستحيل في فترة أعياد الميلاد، والدليل على ذلك، التغيير الجذري في شكل المنافسة على اللقب في ثلاثة من الدوريات الخمسة الكبرى في أوروبا.
انقلاب في البريميرليغ
بالعودة إلى الوراء ثلاثة شهور ونيف، تحديدا الى أواخر نوفمبر / تشرين الثاني 2020، سنتذكر البروباغندا والصخب الإعلامي على صراع يورغن كلوب وجوزيه مورينيو، حيث كان الاعتقاد السائد آنذاك، أن المنافسة على لقب الدوري الإنكليزي الممتاز، ستنحصر بين حامل اللقب ليفربول ومطارده الأول توتنهام، وبدرجة أقل مانشستر يونايتد ومانشستر سيتي وتشلسي، وذلك بناء على الصورة التي رسمها كل ناد لنفسه في الربع الأول للموسم، حتى أصحاب الذاكرة القوية، لم ينسوا بعد أبيات شعر وقصائد النقاد في ثنائية هاري كاين وهيونغ مين سون، الى درجة أن البعض، اعتقد أن هذه الثنائية ستقود «سبيشال وان» لإعادة أيامه الخوالي في غرب لندن، على طريقة ثنائية فرانك لامبارد وديدييه دروغبا في ولايته الأولى مع تشلسي. أيضا أفضل مدرب في العالم في آخر عامين، كانت أموره تسير بنفس الطريقة التي كانت عليها في الموسمين الماضيين، كفريق يعرف من أين تؤكل الكتف في مباريات عطلة نهاية الأسبوع، باستثناء فضيحة أستون فيلا، التي خرج منها محمد صلاح ورفاقه بخفي حنين، بسلسلة من النتائج المقنعة، التي أمنت الصدارة لفترة لا بأس بها، حتى بعد الضربة الموجعة التي تعرض لها الريدز، بخسارة القائد الحقيقي فيرجيل فان دايك الى نهاية الموسم، بعد خضوعه لعملية في الرباط الصليبي. ورغم الخروج المبكر لمانشستر يونايتد من دور مجموعات دوري أبطال أوروبا، إلا أن أوضاعه كانت مختلفة على الصعيد المحلي، بتواجده على مسافة قريبة من الريدز وأحمر الميرسيسايد، وذلك بفضل انتصاراته المدوية في نهاية 2020 وبداية العام الجديد، خصوصا انتصاراته الهوليوودية خارج القواعد، بثلاثيات لا تنسى في شباك إيفرتون وساوثهامبتون ووستهام وشيفيلد يونايتد، الأمر الذي جعل فريق أولي غونار سولشاير، ضمن أقوى المرشحين للفوز باللقب الغائب عن خزائن «أولد ترافورد» منذ العام 2013، بينما في ذلك التوقيت، كان تشلسي قد خرج من السباق، لتدهور أوضاعه في نهاية حقبة فرانك لامبارد، رغم الإنفاق الهائل في الميركاتو الصيفي، بتدعيم الصفوف بأسماء رنانة من نوعية حكيم زياش وتيمو فيرنر وأغلى لاعب في تاريخ البلوز كاي هافيرتز.
ويبقى الثابت والموثق، أن مانشستر سيتي كان من أقل المرشحين للمنافسة بجدية على البطولة، بل أن مدربه بيب غوارديولا، كان يتعرض لحملة شعواء، بزعم أنه أفلس كرويا، وأفكاره لم تعد تنطلي على خصومه الكبار، والأغرب من ذلك، أن فئة لا يستهان بها، وضعت الكثير من علامات الاستفهام والتعجب على قرار النادي بتمديد عقده في ملعب «الاتحاد» لموسمين إضافيين، كنوع من أنواع التهكم على الإدارة، لأن القرار جاء تزامنا مع سلسلة من العروض والنتائج المخيبة لآمال المشجعين، والتي وصلت لحد التفريط في سبع نقاط في أربع مباريات على التوالي في البريميرليغ، بدأت بتعادل إيجابي مع وستهام، ثم بفوز شاق على شيفيلد يونايتد بهدف كايل ووكر الوحيد، وختم السلسلة بتعادل إيجابي آخر مع ليفربول وهزيمة أمام توتنهام بهدفي هيونغ مين سون وجوفاني لو سيلسو يوم 21 نوفمبر / تشرين الثاني الأخيرة، ومنذ تلك اللحظة، خرجت الأمور عن السيطرة، بتحول السيتي إلى فريق مدمر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا يعرف في قاموسه سوى لغة الفوز في آخر 21 مباراة في مختلف المسابقات، من أصل 28 مواجهة لم يقبل فيها الهزيمة، منذ ليلة السقوط أمام رجال مورينيو في شمال العاصمة، كانت محصلتها ملامح معجزة تطبخ على نار هادئة، قد تبدأ اليوم الأحد، بقتل المنافسة على البريميرليغ، في حال واصل غزواته وأضاف الجار الأحمر إلى قائمة ضحاياه، في مباراة دربي مانشستر التي سيستضيفها ملعب «الاتحاد» في قمة مواجهات المرحلة الـ27، معها سيتسع الفارق إلى 17 نقطة، ليتفرغ صاحب الصلعة العبقرية لباقي المسابقات، بنفس إستراتيجيته الحالية، التي يمكن اعتبارها محاضرات جامعية لمن يريدون تعلم أصول «المداورة»، التي جعلته يمتلك تشكيلتين على نفس المستوى، وفي أعلى معدلاتهم الفنية والبدنية، وذلك قبل شهر أبريل / نيسان، المعروف في عالم كرة القدم بشهر الحسم، ليصبح فجأة، فارس الترشيحات والمراهنات للهيمنة على كل البطولات، إذا لم يحدث انهيار مفاجئ في الربع الأخير للموسم.
لماذا لن ينهار؟
بالنظر إلى أسباب الانتفاضة السماوية، سنجد أن كلمة السر في عمق تشكيلة بيب، وتخليه عن الكثير من قناعاته، بما في ذلك، المبالغة في تقديم الكرة الجميلة على حساب النتائج، أو بالأحرى، نجح في حل المعادلة الصعبة، بعمل توازن بين الدفاع والهجوم، بدلا من فكرة الاستعراض، باللعب بطرق هجومية مبالغ فيها على حساب الشق الدفاعي. ويُحسب للمدرب الكتالوني، نجاحه في إعادة جون ستونز إلى قيد الحياة، بعد أن كان اللاعب في طريقه للرحيل الصيف الماضي، وظهر المدافع الإنكليزي بهذا المستوى، أعطى إضافة هائلة للدفاع، الذي تم ترميمه في بداية الموسم، بالتوقيع مع القائد المستقبلي البرتغالي روبن دياش، الذي أضاف الجودة التي كان يفتقدها الفريق، حتى في وجود لابورت، يكفي أن هدف أنطونيو في شباك الحارس ايدرسون في الجولة قبل الأخيرة، كان أول هدف يستقبله الفريق من لعب مفتوح منذ هدف جيمس ماديسون لاعب ليستر في سبتمبر / أيلول الماضي، بجانب ذلك، أثبتت التجارب، أن الأداء والنتائج لا تتوقف أبدا على غياب أي لاعب، حتى لو كان اسمه كيفن دي بروين، الذي غاب 5 مباريات، بما فيهم زيارة «آنفيلد» بداعي الإصابة، مع ذلك، لم يشعر أحد بغيابه، وعاد الفريق من أرض الجار الغريم بفوز تاريخي وصل قوامه رباعية مقابل هدف.
ولا ننسى أن هدافهم التاريخي سيرخيو أغويرو، لم يشارك في أغلب مباريات الموسم، لمعاناته مع لعنة الإصابات، كذلك غابرييل جيزوس، كثيرا ما جلس على المقاعد، ومع ضغط المباريات في الآونة الأخيرة، اضطر المدرب لتغيير نصف تشكيلته الأساسية أكثر من مرة، لتخفيف ضغط المباريات على اللاعبين، لكن الشيء المدهش، أن الفريق لم يتوقف عن تقديم كرته الرائعة ولا حتى الانتصارات، وهذا يرجع للجودة الفائقة في وسط الملعب، المتمثلة في السحر الذي يقدمه المبدع رياض محرز، بتقمصه دور البطل بامتياز، في مباريات توسيع الفارق لأكثر من 13 نقطة مع اليونايتد، على غرار ما فعله أمام إيفرتون، بتسجيل هدف فض الاشتباك في منتصف الشوط الثاني، وهداياه الثمينة لكل من رحيم ستيرلنغ وجون ستونز أمام آرسنال ووستهام، التي منحت الفريق النقاط الكاملة لهذه المباريات، علما أن دي بروين، لم يكن في أفضل حالاته في هذه المباريات بالذات، كذلك إلكاي غوندوغان، يقدم أفضل نسخه كلاعب كرة قدم محترف، بانفجار طاقته وجيناته الإبداعية في مركز صانع الألعاب الكاذب، ناهيك عن الإضافة التي يقدمها الصغير فل فودن، الذي قدم أوراق اعتماد، كواحد من نجوم المستقبل، ومعه رحيم ستيرلنغ وبيرناردو سيلفا، وباقي الأسماء التي استعادت الكثير من مستواها، بعد الهبوط المفاجئ الموسم الماضي، هذا في الوقت الذي يتفنن فيه الخصوم في إهدار النقاط السهلة، آخرهم مانشستر يونايتد، الذي اكتفى بفوز يتيم في آخر 5 مباريات، لتصبح عملية إعلان السيتي بطلا للبريميرليغ مجرد مسألة وقت. فقط يحتاج 20 نقطة تبدأ بدربي اليوم، ليتبقى له صدام توتنهام في نهائي كأس الرابطة، واستكمال مشواره في كأس الاتحاد الإنكليزي ودوري أبطال أوروبا، والسؤال الآن: هل سيواصل السيتي الزحف في كل البطولات؟ هذا ما سنعرفه في مثل هذه الأيام في شهر الحسم.
صحوة الأفاعي وترنح الهنود
أيضا كان الاعتقاد السائد في إيطاليا، أن ميلان سيواصل صحوته مع ستيفانو بيولي وزلاتان إبراهيموفيتش، خاصة بعد البداية الخيالية، التي أعادت إلى الأذهان، آخر نسخة حقيقية للروزونيري تحت قيادة ماسيمو أليغري. وكما جرت العادة في العقد الماضي، كان اليوفي، المرشح الأوفر حظا للاحتفاظ بلقبه المفضل، وذلك لأسباب تتعلق بالسمعة والشخصية التي رسمها اليوفي لنفسه في سنوات احتكاره للكالتشيو، رغم أن النتائج لم تكن تعطي أي مؤشرات إيجابية مع أندريا بيرلو، بينما الإنتر، كان يعاني من ضغط الجماهير والإعلام، لتأخر ظهور بصمات مشروع أنطونيو كونتي، بعد الإنفاق الضخم للصيف الثاني على التوالي، بشراء أشرف حكيمي من ريال مدريد مقابل رسوم تخطت حاجز الـ40 مليون يورو، بعد روميلو لوكاكو وكريستيان إيريكسن وباقي رجال كونتي، لكن بدون سابق إنذار، حدث انقلاب مفاجئ في موسم الأفاعي، منذ كسر الحاجز النفسي مع الكبير يوفنتوس في بداية العام، بعدها سار الإنتر على خطى المان سيتي في بلاد الضباب، فقط أضاع نقطتين أمام أودينيزي، في المقابل حقق العلامة الكاملة في آخر ست مباريات، منها وأهمها سحق المنافس المباشر ميلان بالثلاثة، ليتسع الفارق بينهما إلى ست نقاط حتى إشعار آخر، في وقت لا يعطي فيه الروزونيري مؤشرات لقدرته على المواصلة، بنفس الزخم وأسلوبه الرشيق المعروف عنه، بالاعتماد على اللا مركزية وتنوع طرق الهجوم على المنافسين، إما تأثرا بالإصابات المتلاحقة التي عصفت باللاعبين في الأسابيع الماضية، وإما لتراجع مستوى البعض وتذبذب مستواهم من مباراة لأخرى، على عكس فريق كونتي، الذي بدأ يأخذ منحنى تصاعديا غير مسبوق على مستوى الدوري، لتمتع مدربه برفاهية الراحة، بعد الخروج المبكر من دوري الأبطال وانتهاء دوره في الكأس، على عكس ميلان، الذي يقاتل على جبهتين، وتنتظره معركة من النوع المرهق بدنيا وذهنيا أمام مانشستر يونايتد في إقصائيات اليوروبا ليغ، بينما اليوفي وأتالانتا، تبدو فرصهما أقل من عملاقي ميلانو، في ظل تأخرهما عن المتصدر بعشر نقاط، وانشغال الاثنين بمعارك دوري أبطال أوروبا. في إسبانيا، بدأ أتلتيكو مدريد مرحلة الترنح، بعودة الصداع القديم، المتمثل في العقم التهديفي للمهاجمين، بمجرد أن توقفت أهداف هدية برشلونة لويس سواريز، ولولا تعثر ريال مدريد المفاجئ أمام ريال سوسييداد في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، لكانت مباراة دربي اليوم التي سيحتضنها ملعب «واندا متربوليتانو»، مواجهة فاصلة على متصدر الليغا، بعد أن كان فريق الهنود الحمر ينفرد بالصدارة بفارق تسع نقاط ومباراتين أقل من أقرب مطارديه في بعض الأوقات في فبراير / شباط الماضي، لكن في غضون 4 جولات، انقلبت المنافسة رأسا على عقب، بتنازل دييغو سيميوني عن سبع نقاط أمام سيلتا فيغو وليفانتي، بالسقوط في فخ التعادل أمام الأول، والتعادل والهزيمة من الآخر في مباراتين في نفس الأسبوع، ما أشعل المنافسة من جديد على الدوري الإسباني، مع عودة برشلونة إلى المسار الصحيح محليا، بالوقوف على قدم المساواة مع الميرينغي في المركز الثاني، وكلاهما خلف المتصدر بخمس نقاط، وذلك قبل مباراتها معا، التي في كل الأحوال ستصب نتيجتها في مصلحة ليونيل ميسي ورفاقه، المنتعشين بريمونتادا إشبيلية في إياب نصف نهائي كأس ملك إسبانيا، التي قد تكون منعرج طريق بالنسبة للفريق، لو واصل بنفس الروح والعقلية التي يحسم بها مبارياته المحلية، على الأقل، سيكون منافسا لا يستهان به على الليغا، والطرف الأوفر حظا للفوز بنهائي كأس الملك، بصرف النظر عن نتيجته أمام باريس سان جيرمان في إياب ثمن نهائي الأبطال، كأفضل تعويض على البداية المتواضعة والمشاكل الكثيرة التي عانى منها الفريق بعد فضيحة القرن أمام بايرن ميونيخ، وهو أمر لم يتوقعه أكثر المتفائلين من عشاق النادي، بالنظر إلى حجم التوقعات المنخفضة في بداية الموسم، لا سيما بعد أزمة ليونيل ميسي مع إدارة الرئيس المستقيل جوسيب ماريا بارتوميو لمنعه من الرحيل، وما تبعها من أزمات إدارية ومادية، انتهت باستقالة الرئيس وتعيين مجلس مؤقت لحين انتخاب رئيس جديد في نهاية الشهر الجاري.
أما باقي الدوريات الكبرى، فلم تشهد تغييرات ملحوظة، باستثناء تقلص الفارق إلى نقطتين بين المتصدر والبطل المهيمن على البوندسليغا بايرن ميونيخ ووصيفه لايبزيغ. وفي فرنسا، ما زال باريس سان جيرمان يعاني في حملة الاحتفاظ بلقب الليغ1 للموسم الرابع تواليا، باحتلاله المركز الثاني بفارق نقطتين عن الحصان الأسود ليل، بصورة مشابهة لوضع الفريق قبل رحيل المدرب توماس توخيل وتعيين ماوريسيو بوتشيتينو، والسؤال الآن: هل سيشهد الربع الأخير مفاجآت أخرى خارج التوقعات؟