القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: رواية ‘رحلة الضباع’ للروائية والشاعرة سهير المصادفة الصادرة قبل شهر أو يزيد عن المجلس الأعلى للثقافة، علامة فارقة في رحلتها الروائية وكذلك في رحلة الرواية المصرية الجديدة، فالبناء في هذ الرواية يقول ببساطة أن الكلمة النهائية في الفن لم تكتب بعد، بل لن تكتب أبدا، فلا إيان وات ولا كونديرا.. لا دعاة الواقعية ولا الفن للفن ولا غيرهم بإمكانهم إطلاق نبوءة ما بشأن المستقبل.. الفن وحده القادر على وضع هذه الكلمة.
القدرة الروائية مدهشة في العديد من العناصر.. اللغة القشيبة المتمسكة بتعبيريتها بدون الوقوع في زلل القاموسية والتاريخية. هذا مفارق في حد ذاته.. أن تظل اللغة فوق مستوى الواقع بدرجات محسوبة فلا تقع في الابتذال ولا تتعالى على موضوعها فتنفصل عن الواقع. كذلك فإن المضمون الروائي لم يتخل في لحظة عن كشفه لعناصر الجمال والقبح، بدون أن يقع في زلة الراوي العليم الذي يملك مفاتيح المعرفة، وبالتالي صناعة الحدث الروائي، بما يجعل من مفهوم الالتزام معنى مخيفا ومضللا لمستقبل الفن، كذلك فإن المرجعية التاريخية المدهشة التي أحدثت هذا التحول المفاجئ في السيرة الروائية جعلت من مسام الرواية شرفة مفتوحة على عالم لم ينقطع عن حاضره ولم يغفل عن تاريخه، بل ثمة إعادة للكثير من الاعتبار لهذا التاريخ.. فليس بإمكان أحد القطع بأن تاريخا ما يصلح أو لا يصلح كمادة روائية، الرواية تؤكد أن قماشة الفن متسعة لدرجة لا يمكن التنبوء بها، المهم كيف يتناولها الفنان.. ساعتها فقط نعود إلى القول بأن الكلمة النهائية في الفن لم تكتب بعد بل لن تكتب أبدا.
وسهير مصادفة، شاعرة وروائية وباحثة ومترجمة مصرية، حصلت على الدكتوراه في الفلسفة عام 1994 من موسكو، وهي عضو في اتحاد كتاب مصر. عملت رئيسة لتحرير سلسلة كتابات جديدة بالهيئة المصرية العامة للكتاب، والمشرفة العامة على سلسلة الجوائز بالهيئة، وهي إحدى إهم سلاسلها، منذ أن صدرت وحتى الآن، وكانت عضو اللجنة التنفيذية في مشروع مكتبة الأسرة، وعضو اللجنة التحضيرية للنشاط الثقافي في معرض القاهرة الدولي للكتاب. نظمت العديد من الندوات والمحاور الثقافية للنشاط الثقافي المصاحب لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وأسست جناحا لمناقشة المبدعين الجدد، بعنوان إبداعات جديدة، كما شاركت في هيئة تحرير وترجمة بعض القواميس والموسوعات في مصر مثل: قاموس المسرح، موسوعة المرأة عبر العصور، دائرة المعارف الإسلامية.
كما حصلت على العديد من الجوائز أهمها: – أفضل رواية عن روايتها ‘لهو الأبالسة’ من اتحاد كتاب مصر عام 2005 – جائزة أندية فتيات الشارقة للشعر من الشارقة عن ديوان ‘فتاة تجرب حتفها’ عام 1999.
من أعمالها، ‘هجوم وديع’ ديوان شعر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1997 ‘فتاة تجرب حتفها’ ديوان شعر، دار المسار، الشارقة 1999 ‘لهو الأبالسة’ رواية، دار ميريت، القاهرة 2003 – العديد من قصص الأطفال، دار أطلس / المجلس الأعلى للثقافة – ترجمت عن الروسية رواية ‘توت عنخ آمون’ للكاتب الروسي باخيش بابايف – ترجمت كل حكايات الأطفال التي ألفها شاعر روسيا الأشهر بوشكين، ومعظم حكايات كاتب الأطفال الروسي الكبير أفاناسيف.
حول رواية ‘رحلة الضباع’ تحدثت إلى سهير المصادفة.. وهنا نص الحوار:
* لغتك الروائية تنطوي على قشابة ورقة ونصاعة فريدة. غير أنها لم تكن معوقة للسردية بل كانت عاملا من عوامل إثراء الحكاية.. كيف تفهمين اللغة الروائية.. وهل تؤمنين حقا بالهشاشة اللغوية السائدة التي أصبحت في منزلة دين روائي جديد؟
ـ كنت أندهش كثيرا عندما أقرأ لأحد النقاد ما يفيد إعجابه بأن اللغة الروائية في إحدى الروايات هشة وبسيطة ومتخلصة من المجاز والفخامة وثِقل الشِعر، وأظل أتساءل هل هناكَ سباق ما للإجهاز على المقومات الجمالية للغة الروائية؟ وتركنا وجها لوجهٍ أمام حكاياتٍ تكاد تكون شفاهية، أظن أن الفترة السابقة، التي استغرقت أكثر من ربع القرن كانت تتميز بتوجهٍ ممنهجٍ يهدف إلى التخلص من الكتابة نفسها عبر عدة مراحل.. فالبناء الروائي تحديدا ليس بناء في الحكاية فقط وأحداثها وإنما هو بناء في اللغة أيضا، باعتبارها حاملة للحكاية ومطورة لها أحيانا وخالقة لها في أحايين كثيرة، ولأن الحكايات ملقاة على الأرصفة وفي حيوات ملايين البشر، فإن الإجهاز على اللغة وازدراءها واعتبارها مجرد أنبوب لتوصيل الحكايات، هو في الحقيقة قتلٌ مع سبق الإصرار والترصد لمفهوم الكتابة وإعلاء متعمد للشفاهية، وفي ‘رحلة الضباع’ نفسها رصدٌ عابرٌ لهجرة عددٍ من الكتَّاب والصحافيين من أعمدة المجلات والجرائد إلى شاشات الفضائيات.. أي أنها هجرة من كتابة الآراء والأفكار عبر لغة قد تطور هذه الأفكار والآراء وقد تميز أحد الأقلام عن الآخر إلى جلسات في الهواء الطلقِ من أجل ترديد هذه الأفكار والآراء إلى ما لا نهاية وإلى حدِّ التشابه.
* أذهلتني تلك العلاقة المركبة بين ‘جمال.. ونرمين’ بطلي الرواية .. كيف تقرأين الملامح النفسية المستبطنة لتك العلاقة.. وما تنطوي عليه من كراهية من جانب ذلك الصحافي الغارق في الفساد والهلاوس.. حيال هذه الملاك التي لم تسفر عن وجهها إلا قليلا؟
ـ أرى على العكس من الكثيرين الذين كونوا انطباعات متعجلة عن الرواية، أنني كنت متعاطفة مع جمال إبراهيم، بل منحته أيضا مصير المحبين الكِبار، هؤلاء الذين يتورطون في رحلة عميقة وطويلة وشائكة تبدأ من مستنقع الكراهية والهلاوس وصولا إلى فردوس المحبة. ففي ثقافة مجتمعنا التي لم تخطو خطواتٍ كبيرة بعدُ إزاء الاعتراف الفعلي بالمرأة.. في أبجديات ثقافة مجتمعٍ يسمح لجماعةٍ أن تطل برأسها من غياهب القرن الرابع الهجري، لتعيدَ إلينا وصف ووسم المرأة التي عاشت هناك آنذاك، بل تطالب باستردادها وإحيائها مرة أخرى.. في مجتمع مثل هذا أرى ‘جمال إبراهيم’ كثيرا أو أرى بعض ملامحه ومعاناته منتثرة هنا أو هناك، أعرفُ أيضا أبعاد هذه المعاناة.. أعرف كيف يعاني الرجل في بلادي وهو يحاول جرَّ أربعة عشر قرنا بكلَّ ما تحمل من تطور للعودة إلى الوراء، ومن الممكن أن أسرَّ هنا بأن ‘نرمين’ هي التي تعرف.. تعرفُ وتحاول حلَّ شيفرة رحلته…. وجهها ليس مستترا وإنما غارق بدوره في تعلم أبجديات الماضي التي أدت إلى أسر رجلها في هذه الرحلة التي تشبه كثيرا رحلة الضباع.
* هل ثمة انحياز نسوي يميز تلك العلاقة التي جمعت البطلين.. وكيف ترين في الإجمال مصطلح الكتابة النسوية؟
ـ لا أخجل كثيرا من هذا الانحياز.. بل أرى أن كثيرا من الشعراء والروائيين الكبار منحازون نسويّا أكثر مني… لأنهم ببساطة عندما ينحازون للنسوية يعلمون جيدا أنهم منحازون للحياة، والمرأة مصنع الحياة والمرأة سادنة الجمال والمحبة، بل هي راهبة معبدها.. المدهش حتى هذه اللحظة أن الأعمال الكبرى التي منحت للمرأة آفاقا أرحب هي لكُتَّابٍ رجال… والانحياز يكاد يكون إجباريّا الآن . ففي لحظات الانحدار التاريخي والحضاري، كما في لحظات الهزائم الناجمة عن الحروب تتحمل المرأة لكونها بالضرورة الحلقة الأضعف كلَّ تبعات هذه اللحظة… تتحمل التعدي على أسباب الخصوبة والحياة وتتحمل عدم تحقق الرجل وحصاره وتتحمل كلَّ مشاهد الخراب والقبح الناجم عن هزيمة حضارية… وأيضا في الواقع أرى أن تجاوز الكتابة عن العلاقة الشائكة والثرية والملهمة بين قطبي الحياة الرجل والمرأة هو ضربٌ من الخيال.. أيضا أستطيع هنا أن أصرح بما أحبه من تعريفٍ للرواية جاء في قاموس صموئيل جونسون منذ عقودٍ ووقفتُ أتأمله كثيرا (الرواية هي حكاية غالبا ما تكون عن الحب).
* هل كان اسم الرواية ‘رحلة الضباع’ جزءا من تلك الانحيازات التي يبدو تعبيرها الأخلاقي أعلى من جميع التعبيرات الروائية.. وكيف كانت استعانتك بالمرجعية المعرفية الواسعة تاريخيّا عن الضباع وقد عمقت المعنى الدلالي لتلك الرحلة؟
ـ طوال أربعة أعوام كنت أحاولُ استبدال العنوان فيصر على مكانه أعلى الرواية واستسلمت عندما تأكدت أنه حقق وجوده كراية ترفرف في فضاء الرواية بكلِّ ما به من تقليدية تكاد تكون خادعة وكأنها معرفية، كنت أحيانا أندهش عندما أكتبُ مشهدا ما ثم أعود إلى أسفارنا القديمة فأجدُ أصداءه هناك… حاولت أيضا أثناء إعدادها للنشر أن أكتب جملة تقريرية صادمة ومكررة ومفسرة لمخطوط ‘نرمين’ تشرح أن هؤلاء الشخوص لم يوجدوا في تاريخنا أو مراجعنا القديمة فيما عدا المُشار إليه بالطبع في الهوامش مثل أبي ذر الغفاري حتى وإذا تشابهت أسماء الأبطال مثّل الحبّابة وهي مغنية شهيرة في الأغاني لكنها ليست الحبَّابة التي في المخطوط، أو ‘السوداء’ أو ‘الليث’ أو ‘عمر بن عدى’ أو ‘القعقاع’ وآخرين.
لم يغرني من المراجع الأولى سوى الأسماء القديمة.. الأسماء بمفهومها الأشمل.. أسماء الأماكن والأشجار والشخوص والحيوان، وهي ليست بالقليل على كل حال ولذا فلقد أهديت للكُتَّاب والكُتب التي علمَّتني الأسماء مرجعية الرواية، في الواقع وجدت أن كتابة جملة تفسيرية تمثل وصاية وانتهاكا صريحا لذكاء القارئ.
أما مخطوط نرمين الذي يشبه كثيرا الفخ ــ فهو حكاية جديدة، أتصور أنها حدثت وبالتأكيد هكذا وإلا لماذا طاردتني الآن، وهنا أحوم حول مقولة فرجينيا وولف ‘ما كُتب هو ما حدثَ بالضرورة’.
* لا يملك قارئ ‘رحلة الضباع’ إلا الافتتان بتلك الحيلة الروائية التي نقلت الرواية من أجوائها المدينية براهنيتها إلى تلك الأجواء التاريخية بأسطوريتها الباذخة.. كيف تنظرين للتحولات الزمنية والمكانية في هذا السياق، وكيف تعاملت مع مرجعياتك التي تراوحت بين نصوص شديدة القدامة مقابل راهنية عميقة تعيش في قلب الحداثة وما بعدها؟
ـ كنتُ مسكونة منذ عدة سنوات بفكرة زلل بعض الشعوب أثناء صعودها التاريخي من البدائية إلى التحضر.. احتلتني فكرة مجنونة بأن ثمة أخطاء تُرتكبُ ولا تُغتفرُ قطُّ.. لا يغفرها التاريخ ولا حركة الزمن المنطلقة كسهمٍ أبدي إلى الأمام، وهنا قد لا يكون أمام مَن ارتكب هذا الزلل إلاَّ العودة مرة أخرى بالزمن على أمل أن يتعامل مع الأحداث بشكلٍ مختلفٍ، وقد يصوب وقتها هذا الخطأ وهذا هو كما أرى المستقر في لاوعي أيَّة سلفية.. فالإمبراطور بيلاطس البنطي سيظل وفقا لبولجاكوف، يتمنى لوعاد إلى لحظة صلب المسيح حتى ينجو من الزلل الذي وقع فيه، والغرب مازال يكفر عن لحظة هتلر العنصرية إزاء اليهود وزلل القاتل بشكلٍ مبالغٍ فيه ويعود كلَّ يوم إلى هذه اللحظة ويتهيأ له أنه يعمل على تصويبها من دون أن ينتبه أنه ينكل بشعوب أخرى بوسائل مختلفة ظاهريّا ولكنها جوهريّا شديدة الشبه بها.
وفي ‘رحلة الضباع’ يريد من فجَّروا الدماء في التاريخ الإسلامي ولوثوا رسالته السامية بالتطاحن على أمر الخلافة العودة إلى لحظة هذا الزلل إلى القرن الرابع الهجري، وسيظلون يحاولون العودة علَّهم يستطيعون البداية من جديد لتلافي دموية الصراع وتنقيته من الكراهية ـ وكنت قد ابتعدت عن مراجعي عقدا من الزمن سمح لي أن أسائلها أحيانا وأتحاور معها أحيانا أخرى وأصدق ما أصدق وأرى كيف التفت في أحايين كثيرة حول الحقيقة لتهرب من نقلها. وكيف تم تزوير الكثير من الأخبار لعدم المقدرة على التطلع إلى مرآة الحقيقة المفزعة، وكيف كان هذا التزوير مفضوحا أحيانا.
لم أبدأ في كتابة ‘رحلة الضباع’ إلاَّ بعد أن تأكدت من ندية العلاقة بين لحظتي المتورطة في الراهنية واللحظة القديمة بأخبارها الشائكة من خلال كل ذلك.
* روايتك تقول بأعلى التعبيرات: إن الرواية ليست مدونة الطبقة الوسطى فحسب، حسب التصنيف الغربي وظروف النشأة، هل كانت روايات مثل: ‘السائرون نياما’، الزيني بركات، ‘نجمة أغسطس’، وغيرها تمثل هاجسا تاريخيّا في العلاقة مع التراث، أم ترين معالجتك الروائية تنطلق من مرجعية مختلفة؟
ـ أظن ألا شيء يعلو فوق التاريخ على الإطلاق فيما يخصُّ برديات الكتابة إلا الأدب شريطة أن يكون شعرا أو أن يكون جيدا جدّا فيما يخصُّ الأجناس الأدبية الأخرى.. أحيانا يتملكني يقينٌ بأن الشعوب تتسابقُ في ماراثون طويلٍ ولا نهائيّ لتكتبَ تاريخها بشكلٍ أفضل وتقف به متباهية أمام وجه الزمن.. إذا ما الذي يمكنها أن تضيف الرواية لتاريخ الشعوب المكتوب حال ما كانت تعيد كتابته؟
مازلت أجد نفسي متمسكة برأي كتبته من قبل.. هناك روايات تاريخية نجدها أقل أهمية وأقل جمالا عن كتب التاريخ المتوفرة في المكتبات، هذه الروايات ارتضت لنفسها أن تتكئ على التاريخ اتكاء كليّا، ولأن التاريخ قد كُتب غالبا من وجهة نظرٍ رسميةٍ فإن الإبداع يكاد يضمحل تماما من سطور الروايات المستقاة منه، التي لا تكون في النهاية سوى صورة باهتة من كتبٍ رسخت في أذهان قرائها من شتّّى الأجيال؛ ولذا سرعان ما يرد هؤلاء القراء هذه الروايات إلى أصلها ويتعاملون معها على أنها لم تكن، تماما كما نردد جملة موسيقية سمجة ومقلدة بركاكة إلى أصلها، فلا نعاود الاستماع إلا إلى الأصل ونحذفها من حياتنا.
على الجانب الآخر هناك روايات تاريخية آسرة وهي تلك التي كُتبت بعد أن فهم كاتبها أن عليها أن تكتب التاريخ المسكوت عنه في ثنايا التاريخ الرسمي، أي التاريخ الذي من المفترض أن يُكتب لو سُمح للشعوب بكتابته من وجهة نظرها هي لا من وجهة نظر كتبة الملوك والحكام.. هذه الروايات لا تتكئ على التاريخ الرسمي بل تخرج عليه وتحاكمه أحيانا وتتحاور معه تارة وتكذبه تارة أخرى وتتناص معه في بعض مراحلها فتكون مثل سيمفونية رائعة تملأ أرجاء الماضي والحاضر والمستقبل، وعلى كل حالٍ الروايات التاريخية المهمة والرائعة قليلة في مكتبة العالم الإبداعية بشكلٍ عام.
* أي مستقبل ترينه للرواية الجديدة في هذا السياق.. وهل يكفي أن تظل الرواية تمتح من السيرة الشخصية لكاتبها / كاتبتها؟
ـ لا أستطيع ولا يستطيع كاتبٌ ما رؤية مستقبل الرواية.. وإنما كلُّ رواية جيدة ستخطُّ خطّا واضحا في خريطة هذا المستقبل، كلُّ رواية متفردة ستحددُ ملمحا.. ولأعترف هنا بأن الرواية العربية مازالت في بداية الطريق، لكنها تخطو على الرغم من ذلك خطوات واسعة وواثقة نحو التحقق، ولا يؤلمني ذلك ــ وأنا أرى إنجازات الرواية الغربية وأنقلها للمكتبة العربية من خلال سلسلة الجوائز- بل أفرح أحيانا بأننا نقومُ بدورين في الوقت نفسه.. دور مَنْ يواصل نثر البذور ودور مَنْ يسهر على نمو أشجارها وهذا يتم أيضا بدون دعمٍ على الإطلاق من أيَّة مؤسسات أو حتى من الجموع التي مِن المفترضِ أن تدعم المؤلف بشراء كتابه.
وفيما يخص السيرة الشخصية.. الأمر بالفعل شائكٌ بالنسبة لي، وأتوقف كثيرا أمام بعض القراءات التي تحددُ أين كنتُ في شخوصي، يذهلني قليلا أنني ــ أنا نفسي ــ لا أعرفُ بل أكاد أكون هائمة في فضائهم جميعا.. نعم أصدق الشاعر الروسي الكبير رسول حمزاتوف حين يقول: ( إذا لم نر المؤلف في أثره الأدبي فكأننا نرى حصانا يعدو بدون فارس)، لكن لطالما فهمت هذا بعيدا عن السيرة الذاتية. فرؤية المؤلف نفسه أشمل وأعم حتى من البحث عن ترجمة سيرته الشخصية عَبْر أحداث قد لا يكون حتى عاصرها، أكاد أثق بأن رسول حمزاتوف كان يعنى برؤية المؤلف رؤية روحه تلك الهائمة فوق أثره الأدبي.
* عدت بأحداثك إلى أكثر من مرجع تاريخي.. بينها الجاحظ، زينب فواز، تاريخ الطبري، بالإضافة إلى الكثير من المراجع الغربية.. كيف عالجت هذا التعدد.. وكيف تنظرين لفكرة استخدام التراث في ظل الدعوة المسرفة إلى الراهنية؟
ـ ببساطة شديدة عالجته بفكرتي الخاصة عن الزمن، كان زمن الرواية دائريّا وليس سهما منطلقا من الماضي مارا بالحاضر نحو المستقبل. اللحظة الراهنة هي فهم ماضيها، إن أسهل الطرق لفهم كيفية التعامل مع اللحظة الراهنة وتطويرها والمرور من مآزقها الوجودية الكبرى هو رؤية مستقبلها.
المدهش والمثير للإلهام حقا أن النبوءاتِ المهمة في تاريخنا كان مصرحا بها من قِبل مَنْ وضعوها في خانِة المجاذيب أو الشعراء ازدراء وسخرية لكي يواصل الملتاثون لحظتهم الراهنة ويكملوا سادرين في غيهم ما يرونه من أمجاد حتى ولو كانت على جثث ملايين المسلمين، عودتي لهذه المراجع الكبرى كان تأكيدا لرؤيتي وتأصيلا لها.. باختصار شديدٍ: إن هذا ما كان يحدث طوال الوقت: الرسل ومحبو الحياة والجمال والخير يحذرون، ومَنْ يعيثون في الأرض فسادا ويعشقون التكالب على الميتة لا يسمعون.
وإهدائي لأصحاب هذه المراجع هو تحية شاعرية لأرواحهم المعذبة والرائية والتي لم تستطع إنقاذ تاريخنا الإسلامي من الدموية، ولم تستطع حقن دماء المسلمين.
* نهاية العلاقة بين جمال ونرمين تعكس شكلا من أشكال الإدانة لواقع معقد.. بالإضافة إلى ما تحويه الرواية من تفاصيل مركبة في علاقته بأمه وأخواته وأزواجهن ومحيطه الأسري المتواضع.. هل كانت تلك مقدمات ثورة يناير في رأيك.. ولماذا ظلت نرمين بطلة صامتة رغم محورية شخصيتها في البناء الروائي؟
ـ كلُّ هذا وأكثر كان مقدمات لثورة 25 يناير2011، ليس فقط الفساد المستفحل وليس فقط التنكيل بالمرأة والطفل كأضعف حلقتين في حلقاتِ مجتمعٍ منهار وليس فقط فُجر الأقوياء الذين تحميهم قوانين هم في الواقع واضعوها وسدنتها، وإنما الأكثر هو ما يميز رحلة الضباع الشرسة والمؤلمة التي لا نتوقع طالما بدأت بأن يتبقى جزءٌ ولو بسيطٌ من فرائسها.
كانت مصر قد تجمدت تماما في ظل نظام رخو يتميزبغباءٍ منقطع النظير ندفع ثمنه الآن بشكل لا يمكن تصوره، ولم يكن بها إلا قوتان رئيستان يلهوان بمقدارتها هما العسكر والإخوان، بينما تم تهميش سائر مكونات المجتمع، كانا يتصارعان طوال الوقت على أرضها، بينما يعملان أيضا طوال الوقت بأن يظلَ شعبها بكلَّ أطيافة مجرد جثة هائمة يتقافز عليها الضباع، أما ‘نرمين’ فهي الرائية التي لم يستمع إليها أحدٌ وهي صاحبة المخطوط التي تحذر فيه من أننا سنبقى أبد الآبدين عبيد لحظة ماضية لا نريد حتى فهمها، وهي أيضا روح هذه الثورة.. الروح التي أرادت التغيير وهشَّ الضباع بعيدا عن جثة مصر بكلمة واحدة.. ‘ سلمية ‘. كانت نرمين تخفي ما تكتب لأنها محاصرة بعدة مواثيق بالية، وبالتالي كانت صامتة إلا قليلا.. أعني في مخطوطها الذي يشبهها والذي لا يزيد كثيرا عن كلمة واحدة تلخص رؤيتها للحياة.. ‘سلمية’.
* في النهاية .. كيف ترين حال الثقافة المصرية بعد الثورة.. هل تغيرت فعلا.. وما هو مستقبلها في ظل حكم الإسلام السياسي؟
ـ الثقافة المصرية جزء من نظام الحكم في مصر.. وهذا ليس ذما فهي كانت هكذا وأظن أنها ستظل هكذا، لأنها ببساطة عمودٌ مهمٌ ومؤثرٌ من أعمدة تكوين هوية مصر. ولكن هل سقط النظام الذي ثارت عليه مصر بمثالبه وفساده؟ أعتقد أنه لم يسقط بعد، وعدم سقوطه هو الثمن الفادح الذي ندفعه جراء حكم فاشل طويل.. لم تسقط أعمدة النظام الرئيسة الحاملة.. لم يسقط خياله الإداري المقفر من الإبداع.. لم يسقط فساد التوريث.. فقط تغير من حاشية الوريث الأكبر بمساعدة الحزب الوطني وأمن الدولة القديم إلى توريث أسماء أخرى تنتمي إلى جماعة الإخوان.
لم يكن مقصودا بسقوط النظام حبس الفاسدين والإتيان بإخوان أو حتى بثوار أو أي توصيف آخر مكانهم.. بل كان الهدف أن يسقط النظام ويُحاسبُ فاسدو النظام الذين جمدوا انطلاق مصر لسنواتٍ، ثم يشارك كلُّ المصريين ذوي الخبرة في وضع نظام جديد للمشاركة في صياغة مستقبل وطنهم.
إذا وإذا لم يسقط النظام فسنرى في الثقافة المصرية وجه النظام القبيح.. أهل الثقة وقد تغيرت فقط ملامحهم.. المؤتمرات الفاشلة الباذخة بأسماء مختلفة، ولكنها بالآلياتِ والسمات نفسها.. الصحافة الأدبية وقد تغيرت ملامحها وانحدرت أكثر لأنها تعتمد على النظام القديم.. الذي يتلخص في جملة (أهل الثقة والشللية)، ولكن هذه المرة ستكون الجملة مثار سخرية فليس لدى أهل الثقة كوادر ثقافية أو صحافية حقيقية يستطيعون شراءها.