سوريا: اختبار رفع أسعار المحروقات في شرق الفرات يكشف حجم الكارثة الاجتماعية والسياسية

منهل باريش
حجم الخط
0

عادت الحركة الاحتجاجية في منطقة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في شرق نهر الفرات بسوريا إلى واجهة الأحداث، مرة جديدة، خلال شهرين، بعد قرار الإدارة الذاتية رفع سعر المحروقات الرسمي في المنطقة. وأصدرت الإدارة الذاتية القرار 119 القاضي برفع أسعار المحروقات ليصل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف في بعض الحالات. فارتفع سعر ليتر المازوت الممتاز من 150 إلى 400 ليرة سورية، والبنزين المكرر محليا من 210 ليرة إلى 410. في حين بلغ سعر أسطوانة الغاز ثمانية آلاف بعد أن كانت 2500 ليرة.
وعزا الرئيس المشترك لإدارة المحروقات العامة في الإدارة الذاتية صادق الخلف ذلك «لأن الأسعار السابقة لم تعد تغطي تكلفة الإنتاج».

تأثيرات اقتصادية

انطلقت مسيرة الاحتجاجات من سوق مدينة القامشلي معقل المقاتلين الأكراد، حيث تظاهر عشرات التجار وأصحاب المحال في السوق، ونددوا بالقرار وطالبوا السلطات بالتراجع عنه، واصفين أوضاعهم والحركة التجارية أساسا بالخفيفة بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية عموما.
وتزيد قلة الأمطار هذا العام من سوء الوضع، حيث سينعكس على موسم القمح والشعير وبالتالي على الوضع المعيشي للفلاحين. كما أن ارتفاع سعر المحروقات سيؤثر على موسم القطن ويشعر مزارعوه بخوف شديد من سعر بيعه لمحالج الأقطان الحكومية. ناهيك عن تراجع إنتاجه منذ العام 2012 وتوقف محالج القطن في أغلب المحافظات. حيث كانت محافظة الحسكة تنتج 40 في المئة من اجمالي القطن السوري، وتزرع 57 ألف هكتار. وتعد المحروقات المحرك الرئيسي لدورة الإنتاج الزراعي كاملة. وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع سعر الخضراوات واليد العاملة وأجور النقل والمواصلات وكل ما يعتمد على المحروقات بحركته، إضافة إلى ارتفاع أسعار مأكولات المطاعم.

تأثيرات سياسية

انتقلت الاحتجاجات بشكل سريع إلى مدينة الحسكة والشدادي جنوبا، وإلى قرى وبلدات الضفة اليسرى لنهر الفرات التي شهدت احتجاجات مطلبية ضد السياسات التمييزية للإدارة الذاتية بحقهم.
وشهدت بلدة الشدادي مواجهات بين المتظاهرين الذين قطعوا طريق دير الزور- الحسكة وتصاعدت وتيرت الاحتجاجات وأدت إلى مقتل وجرح العشرات من شبان البلدة الغاضبين. ويهدد دخول الشدادي على خط حركة الاحتجاجات سلطة الإدارة الذاتية بشكل فعلي. فالبلدة تقع في قلب منطقة النفوذ الأمريكي وتتوسط مناطق حقول النفط في الحسكة ودير الزور وهي أكبر البلدات العربية في محافظة الحسكة وترتبط عشائريا بالمحافظتين كون سكانها ينحدرون من قبيلتي الجبور والبكارة، كما انها عقدة مواصلات حيوية وتتحكم بالطريق بين مركزي المحافظتين.
وعبر أحد الشبان المتظاهرين في الشدادي، ويدعى أحمد (فضل عدم ذكر اسمه كاملا لدواع أمنية) عن غضبه من أفعال قسد، واتهمها بـ«سوء معاملة المدنيين ونهب إنتاجهم من النفط وبيع المشتقات النفطية بأسعار مضاعفة» وشكى من عدم توفر فرص العمل وعدم وتراجع مقومات الحياة، واصفا تعامل قسد مع المتظاهرين بقسوة شديدة واستخدام الرصاص الحي لفتح طريق دير الزور-الحسكة الجديد (طريق الخرافي).
وشنت قوات الأمن الداخلي «أسايش» التابعة لوحدات «حماية الشعب» الكردية حملة دهم واعتقال في قرية عبدان غرب الشدادي. ونشرت قسد قوات التدخل السريع ومكافحة الإرهاب على طول طريق الخرافي خلال الصدامات التي قتل فيها سبعة شبان.
العنف غير المسبوق دفع قوات التحالف الدولي ضد «داعش» الذي تقوده واشنطن للتدخل بشكل مباشر وليس بالوكالة، من أجل تهدئة الوضع المتفجر في الشدادي ونزع شرارة اتساعه إلى باقي المناطق العربية في محافظة دير الزور. ويجري التحالف جولات من المفاوضات المستمرة مع أهالي القتلى الذين سقطوا من دون التوصل لحل يرضي الطرف الأخير، حتى لحظة كتابة هذا التقرير، مساء الجمعة.
ونفت أسايش القتل الذي حصل في الشدادي وحملت في بيان رسمي «بعض المتربصين والعابثين بالأمن العام» واتهمتهم باستغلال «التظاهرات السلمية» وبإطلاق «الرصاص الحي على المتظاهرين والقوات الأمنية». وكان محتجو الشدادي هاجموا مقر «أسايش» في البلدة ودوريات وحدات الحماية على طريق دير الزور- الحسكة.
على صعيد متصل، تراجع المجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية عن قرار رفع أسعار المحروقات بعد يومين من إصداره، وقال الرئيس المشترك للمجلس، عبد حامد المهباش ان الإدارة أعادت النظر بالقرار واعتبرته ملغى بسبب النقد الشعبي في مناطق الإدارة. وأضاف انه «سيتم إصدار قرار جديد ولائحة سعرية جديدة تناسب وضع الشعب» وأكد على ان انهم سيأخذون «رأي الناس» بذلك.
إلى ذلك، نجحت الإدارة بامتصاص غضب السكان بتراجعها عن القرار، وعزل المناطق العشائرية العربية عن احتجاجات الشدادي، ساعدها في ذلك عدم توحد الجهود والتنظيم السياسي. وانتهزت «أسايش» ومجلس دير الزور العسكري فرصة الفوضى الحاصلة في الحسكة، لتستمر في حملات الدهم والاعتقالات في الشحيل والبصيرة، حيث قامت باعتقال عشرات الشبان بذريعة انتمائهم لتنظيم «الدولة الإسلامية».
ويرى الكثير من أبناء قبيلة العقيدات أن خلف حملات الاعتقالات دوافع عشائرية وحساسيات بين أفخاذ القبيلة الكبيرة، فقائد مجلس دير الزور العسكري التابع لقسد، أحمد حامد الخبيل والمعروف باسم «أبو خولة» ينحدر من عشيرة البكيّر التي تعتبر من أهم عشائر قبيلة العقيدات وتطمح لزعامة القبيلة الكبيرة المنتشرة من دير الزور إلى الحدود العراقية. ويسعى أبو خولة من خلال موقعه الحالي لأضعاف موقع عشيرة البوجامل وانتزاع مشيخة القبيلة من آل الهفل الزعماء التقليديين للقبيلة، وهم في الوقت نفسه أحد أفخاذ البوجامل.
وكان أبو خولة قام بانتزاع مشيخة عشيرته «البكيّر» من آل الحمادة في عام 2019 مستغلاً قوته العسكرية والمالية الكبيرة، حيث تحول مع الوقت إلى صاحب السلطة الوحيدة في محافظة دير الزور في مناطق سيطرة قسد. فهو القادر على التدخل لدى «أسايش» من أجل إطلاق سراح المعتقلين الشبان لديها. وصاحب المال الوفير الذي جناه خلال الحرب والذي يمكنه من توزيع العطايا على من يشاء من شيوخ القبيلة ووجهائها، في ظل غياب أي دور لمجلس القبائل التابع للمعارضة السورية. فلا أموال يملكها الأخير ولا موطئ قدم له في شرق الفرات، اليوم.
تشير المعطيات إلى أن قسم دير الزور الذي تسيطر عليه قسد ذاهب إلى مزيد من التفكك، فكما نجحت إيران بتشييع وتجنيد أعداد هائلة على الضفة اليمنى لنهر الفرات، من أبناء القبيلة، والحاقهم بالميليشيات الإيرانية، تنجح قسد بتهشيم القبيلة واضعاف نسيجها الاجتماعي. ويبقى الالتحاق بتنظيم «الدولة» فرصة اليائسين أمام شبان المنطقة، فلا فرصة عمل أمامهم في المؤسسات المدنية للإدارة الذاتية ولا مشاريع تنموية تستوعب طاقاتهم، ولا يفضلون كثيرا القتال في صفوف قسد، بسبب الحساسيات العربية الكردية القديمة المتوارثة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية