“لو قلت لي إنها إيطاليا لصدقتك”، قال البريطاني سيمون ويلسون، على اليوتيوب، بحماسة الناشر. تأثر ويلسون من مشاهد النظافة والهدوء التي رآها في شوارع دمشق والتي زارها قبل حوالي شهرين.
برفقة صديق ورجل أمن سوري كان يخبره عن تاريخ دمشق، تجول ويلسون في أسواق المدينة، وجه كاميرته باتجاه الأماكن الأثرية والمسجد الأموي الفاخر. وحتى إنه حضر مباراة لكرة القدم جرت أثناء زيارته بين فريقي دمشق واللاذقية عبر كاميرته ووصفه، يغدق الثناء على الأكل السوري وعلى الترحاب الذي لاقاه من قبل المواطنين. هو بالتأكيد أثار شهوة كبيرة لزيارة سوريا، على الأقل في أوساط جزء من مئات الآلاف الذين يشاهدونه ويتابعونه عندما قال: “الدولة أكثر أماناً بكثير مما توقعت”.
في فيلم آخر استمر حوالي 24 دقيقة، وصف ويلسون زيارته لمدينة حلب. هناك المناظر مختلفة: الدمار الكثير يبرز من كل زاوية، مبان مهدمة ومثقبة بالرصاص، وقضبان حديد معوجة تبرز من داخل بقايا الأسطح التي قصفت. ولكنه في نهاية الفيلم تسلق إلى قلعة حلب، وبإطلالة من أعلى حوّل كاميرته عبر المشهد الطبيعي الخلاب، والذي تختفي داخله بقايا الحرب.
موقع سياحي آخر (عكس البوصلة Against the compass) يحذر من المخاطر التي تكمن للسائح في سوريا، ولكنه يخبرنا عن المواقع المدهشة التي يمكن زيارتها الآن: يتحدث عن الفنادق والعملة السورية، وتفاصيل عن ترتيبات السفر في الدولة، ولم يبقّ سوى أن نحزم حقائبنا ونحجز رحلة طيران وفندق – والبدء بالنزهة.
مع ذلك، فإن محاولة حجز غرفة في فندق عبر الإنترنت لم تنجح، ورغم توجهك مباشرة إلى موقع الفنادق الفاخرة، مثل الأربعة فصول أو بيت الوالي، قد لا تجد رداً أيضاً. في مواقع حجز الغرف تلقينا إجابة معيارية بمقتضاها “ليس بالإمكان حجز غرف في المواعيد التي طلبتها”، حتى بعد إجراء تغييرات عديدة في المواعيد المطلوبة.
حجز رحلة طيران هو الأكثر تعقيداً في سوريا، هنالك ثمانية شركات طيران مسجلة، واحدة رسمية والباقية شركات خاصة يمتلكها رجال أعمال مقربون من عائلة الأسد، ولكن ثلاثة منها فقط نشطة: FlyDamas التي تمتلك طائرة مستأجرة واحدة، و Cham Wings التي تمتلك ثلاث طائرات ويمتلكها رجل الأعمال عصام شموط، وشركة الطيران الرسمية Syrian air التي تمتلك تسع طائرات.
الشركات الأوروبية لا تطير إلى سوريا، والمصر على الوصول جواً إلى دمشق سيضطر للسفر جواً بداية إلى إسطنبول ومنها إلى طهران، والانتظار فيها لرحلة جوية غير مؤكدة ستنطلق مباشرة إلى دمشق. ولكن ليس هنالك إمكانية لحجز تذاكر عبر الصفحة الرئيسية لموقع شركة الطيران الإيرانية، إذ لا مواعيد طيران معروفة مسبقاً، خصوصاً الآن بعد أن قصفت إسرائيل مدارج هبوط المطار (حسب مصادر أجنبية).
وثمة احتمالية أخرى، وهي الوصول إلى سوريا عبر لبنان في رحلة بالسيارة التي تستغرق حوالي أربع ساعات، والمرور عبر عشرات حواجز الطرق التي يتم فيها التحقق من هوية المسافر الذي يطلب منه أن “يتبرع” في كل منها للمجهود الحربي. في الواقع، يتم تسويق رزم سياحية في تواريخ حددت مسبقاً، ولكن تجسيدها يتعرض لتغييرات بسبب الظروف الخاصة.
حكومة سوريا من جانبها تبدي تفاؤلاً بخصوص قدرتها على إحياء فرع السياحة الذي ساهم قبل الحرب بحوالي 12% من الناتج المحلي الإجمال الخام لها، وشغل حوالي 11% من قوة العمل في الدولة. وزير السياحة محمد مرتيني، بشر في الشهر الماضي بأن 82 ألف سائح وصلوا إلى سوريا منذ بداية العام وحتى نيسان، مقابل حوالي 21 ألفاً جاؤوا خلال عام 2011 (وحوالي 8.5 مليون سائح في 2010 قبل عام من اندلاع الحرب).
وفصل مرتيني الخطوات التي تتخذها الحكومة لترميم هذا الفرع وتسويته، ومن بينها لائحة أسعار الحد الأعلى للنوم في الفنادق، التي يتضح منها أن السعر الرسمي يتراوح ما بين عشرين دولاراً في الليلة لفنادق النجمتين، وحوالي 200 دولار في فنادق الأربع والخمس نجوم. وأوضح الوزير أن غرامات شديدة ستفرض على من يخالف تعليمات أمر الأسعار وأنه سيتم تشديد الرقابة على الفنادق وعلى جودة الطعام الذي يقدم وطريقة التعامل مع السياح. وأكد أن الهدف هو تحسين صورة سوريا كبلد سياحي وآمن وودود للسائح.
في هذه الأثناء، السياحة القادمة إلى سوريا هي سياحة دينية للمؤمنين الشيعة، الذين يحجون من إيران إلى الأماكن المقدسة في سوريا. في آذار، وقع اتفاق تفاهمات بين وزارة السياحة الإيرانية ونظيرتها السورية، وبموجبه ستقوم الدولتان بتشغيل 60 رحلة جوية أسبوعية بينهما، وأيضاً دشن خط طيران أسبوعي مباشر من المدينة المقدسة مشهد إلى دمشق. بالإجمال، يتوقع الاتفاق وصول أكثر من 100 ألف سائح إيراني إلى سوريا في العام، وبالمقابل تعهدت حكومة سوريا بتشجيع السياحة السورية إلى إيران.
ولكن من المشكوك فيه أن هذه البيانات المثيرة للانطباع ستساهم مساهمة اقتصادية حقيقية للاقتصاد السوري. تكلفة الرحلة من إيران إلى سوريا والمكوث في فنادق بمستوى منخفض يقدر بـ650 دولاراً للشخص، وهو مبلغ خيالي بالنسبة لمعظم مواطني إيران. ولكن حتى من سينجح في تجنيد المال، سيفضل استئجار غرفة في شقة وعدم المكوث في فندق، وفي معظم الحالات، يحضر معه طعاماً وحاجات أخرى يحتاجها وقت مكوثه في سوريا. وهكذا هو الأمر أيضاً بخصوص مواطنين سوريين الذين لا يستطيع معظمهم تحمل نفقات الرحلة الجوية والمكوث في إيران.
بالمقابل، تستثمر سوريا في نشر وتسويق مواقعها السورية. يظهر وزير السياحة في مؤتمرات وفي معارض سياحية تعقد في الشرق الأوسط، ويحاول إقناع مستثمرين من دول عربية بالدخول كشركاء في ترميم البنى الأساسية السياحية. بيد أن العقوبات القاسية التي فرضتها الولايات المتحدة على سوريا إلى جانب قوانين تشجيع الاستثمارات التي تقتضي شراكة سورية في كل مشروع، تردع مستثمرين محتملين، ينتظرون تسوية سياسية تضمن استثماراتهم.
أما روسيا فوسعت مؤخراً التعاون الاقتصادي بين الشركات الروسية والنظام السوري، من بينها شركات سياحة حصلت على ترخيص حصري لتطوير ثلاثة شواطئ في شمال غرب سويا، بما في ذلك إقامة فنادق ومواقع رياضة مائية. حسب تقارير في سوريا، فإن الأموال المخصصة لتطوير هذه الشواطئ قدمتها حكومة روسيا للحكومة السورية كقرض بشرط أن تدفع منه للشركات الروسية.
هذه المخططات الضخمة تعرضت لضربة شديدة لدى قصف المطار في دمشق، والذي أدى ليس فقط إلى إغلاقه بل أيضاً أرسل تحذيراً ورسالة واضحة لكل من خطط للاستثمار في فرع السياحة السوري. في الحدود الشمالية ما بين سوريا وتركيا، يستعدون لغزو تركي جديد، والحدود مع العراق تسيطر عليها ميليشيات سورية وهي غير مفتوحة لحركة المسافرين أو السياح باستثناء شاحنات الطعام وصهاريج النفط، ولا يحلم أي سائح لبناني بقضاء إجازة صيف على الشاطئ السوري. السياحة السورية المحطمة ستحتاج إلى مليارات الدولارات لترميمها وإعدادها لاستقبال السياح وإدرار دخل. حتى ذلك الوقت، ستضطر إلى الاكتفاء بالرحلات الجوية غير المنظمة لسلاح الجو لجارتها من الجنوب.
بقلم: تسفي بارئيل
هآرتس 16/6/2022