سوريا بلد غير آمن لعودة اللاجئين والنظام يدفع للهجرة

حسام محمد
حجم الخط
0

 تشهد غالبية المحافظات السورية الخاضعة لسيطرة النظام موجة هجرة واسعة النطاق، وإقبالا غير مسبوق على مراكز الهجرة والجوازات لاستخراج جواز سفر ومغادرة البلاد بغض النظر عن الوجهة، فالهدف هو الهروب من الواقع الاقتصادي المتردي والذي يعجز رئيس النظام بشار وحكومته عن تحقيق أي تقدم فيه، وسط انتشار للبطالة والفلتان الأمني، أما حديث وسائل الإعلام الرسمية والرديفة للأسد عن الانتصار، فهو لا يساوي لدى غالبية سكان تلك المناطق أسطوانة غاز يعجزون عن تأمينها، ورغيف خبز فاسد وكهرباء غير موجودة إلا بزيارات خاطفة، ومرتبات شهرية لا تغطي سوى تكاليف أسبوع واحد من الشهر.
كل تلك الأسباب وغيرها، دفعت آلاف السوريين للانتقال من طوابير الخبز والمحروقات إلى تشكيل طابور أمام مباني الهجرة والجوازات في المحافظات السورية بهدف الحصول على جواز سفر ينقذهم من انتصار الأسد المزعوم، إلا أن رغباتهم اصطدمت مجددًا بعجز النظام عن تأمين أو طباعة جوازات سفر جديدة، مما جعل عشرات الآلاف منهم ينتظر لأسابيع طويلة من دون الحصول على جواز سفر.
الهجرة من المحافظات الخاضعة لسيطرة النظام، لا تشمل فقط عامة الشعب، بل تربع التجار والصناعيون على رأس تلك القائمة، في حين أفاد مدير الهجرة والجوازات في محافظة حلب، شمالي سوريا، المقدم ناجي خليل النمر أن 19 ألف شخص هاجروا من مدينة حلب إلى محافظة أربيل العراقية ومصر خلال 60 يوماً فقط.
في حين وصف الفنان السوري الموالي للنظام السوري فراس إبراهيم اكتظاظ مباني الهجرة والجوازات بخلية النحل، وقال عبر حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي: «محاولة محمومة وغير مسبوقة لقطاع واسع من شباب سوريا للسفر والهجرة خارج البلد، شيء محزن أن يتم تفريغ البلد بهذا الشكل غير المسبوق من شبابه وطاقاته بسبب ضيق العيش وفقدان الأمل».
وأضاف، «نعم سوريا خسرت كثيراً خلال السنوات العشر الأخيرة، لكن الخسارة الأكبر التي لا يمكن تعويضها هي الخسارة البشرية بين شهيد ومصاب، ولاجئ، وهارب ومهجّر. شيء محزن ومؤلم فعلاً».
أما فارس الشهابي، وهو مسؤول في النظام ويشغل منصب رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، فقال: «من يرفض الاعتراف أننا أمام كارثة هجرة جديدة للعقول والأموال أخطر بكثير مما شهدناه عام 2012 هو شخص منفصل عن الواقع! والسؤال هو أين هي الإجراءات التصحيحية الحاسمة في الملفات الاقتصادية والمعيشية والتي تعيد الأمل وترمم الثقة وتحد من هذه الهجرة؟».
فيما أعلن وزير الداخلية في حكومة النظام، محمد الرحمون، أن إصدار جوازات السفر المتراكمة سينتهي قبل نهاية أيلول/سبتمبر الحالي.
وقال الرحمون، خلال جولة تفقدية أجراها على فرع الهجرة والجوازات في دمشق، إن التأخير في منح وتجديد جوازات السفر يعود إلى أسباب فنية خارجة عن إرادة الوزارة، بحسب ما نقلته صحيفة «الوطن» المقربة من النظام.
يذكر أن إحصائيات دولية، أشارت إلى عدد اللاجئين السوريين حول العالم قد بلغ 6 ملايين و600 ألف لاجئ في عام 2019 وهي أرقام جعلت من اللاجئين الأغلبية العظمى من لاجئي العالم وفق المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وذلك بعد تصدر سوريا لقائمة الدول المصدرة للاجئين.

تصاعد القتال

أوضح التقرير الرابع والعشرون للجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا، الصادر الثلاثاء الماضي، أن تصاعد القتال والعودة إلى العنف مدعاة للقلق، مؤكداً أن البلاد غير صالحة لعودة اللاجئين الآمنة والكريمة.
كما قال رئيس اللجنة، باولو بينيرو، في مؤتمر صحافي في جنيف، مضيفا أن «الحرب على المدنيين السوريين مستمرة، ومن الصعب عليهم إيجاد الأمن أو الملاذ الآمن في هذا البلد الذي مزقته الحرب».
ومع دخول الرئيس الأسد فترة ولايته الرابعة – حيث يسيطر على حوالي 70 في المئة من الأراضي و40 في المئة من سكان ما قبل الحرب – يبدو أنه لا توجد تحركات لتوحيد البلاد أو السعي لتحقيق المصالحة.
بل على العكس تماما، تتواصل بلا هوادة حوادث الاعتقال الانفرادي من قبل القوات الحكومية. واصلت اللجنة توثيق ليس فقط التعذيب والعنف الجنسي أثناء الاحتجاز، ولكن أيضا حالات الوفاة أثناء الاحتجاز والاختفاء القسري.
علاوة على ذلك، خلال الفترة المشمولة بالتقرير، شهد الاقتصاد السوري تدهورا سريعا، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الخبز وزيادة ملحوظة في انعدام الأمن الغذائي بنسبة تزيد عن 50 في المئة مقارنة بالعام الماضي.

اعتقال وابتزاز

مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، فصل خلال تصريحات خاصة بـ «القدس العربي» أهم المخاطر التي يعاني منها أي لاجئ عند عودته إلى سوريا، فقال: «أبرزها عمليات الاعتقال التعسفي التي تنفذها قوات النظام بحق اللاجئين العائدين، والتي غالبًا تتحول إلى عمليات اختفاء قسري».
ولفت إلى أن النظام يعتبر أي لاجئ مبدئيًا هو جهة معادية له حتى يثبت العكس، خاصة إذا كان اللاجئ ينحدر من منطقة خرجت عن سيطرة جيش الأسد أو تلك التي شاركت بالاحتجاجات السلمية في سنوات سابقة، وهو ما يجعل النظام يميز بين اللاجئين السوريين وفق المنطقة التي ينحدرون منها.
وغالبًا يتم الاعتقال ومن ثم التعذيب فالاختفاء القسري، إضافة إلى تعرضهم لحالات الابتزاز المالي، والمبالغ تصل أحيانا إلى 25 ألف دولار أمريكي، علاوة عن عمليات الاعتداءات الجنسية.
كما تعرض اللاجئ السوري إلى سيل من المراسيم التي أصدرها بشار الأسد والتي تهدف إلى السيطرة على أملاك الذين هجرهم جيش النظام قسرًا، كالمرسوم 63 والمرسوم 66 والقانون 10.

اللجوء حق

وأشار فضل عبد الغني، إلى القرار الصادر عن لجنة التحقيق الدولية باعتبار كل سوريا منطقة غير آمنة وليس فقط مناطق سيطرة النظام الذي يُصنف كأكثر جهة مرتكبة للانتهاكات في البلاد.
منوهًا إلى أن القرار الصادر عن اللجنة الأممية يشير بكل وضوح إلى أحقية السوري في الحصول على صفة اللجوء، وليس فقط حصوله على إقامة مؤقتة أو دائمة، وكذلك تسهيل عبور السوريين بين البلدان حتى الوصول إلى دول أكثر أمنا، إضافة إلى ذلك فقد أوصت اللجنة الأممية بضرورة عدم إعادة اللاجئين السوريين إلى سوريا فهو في موضع الخطر على حياته.
مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أكد وجود موجة هجرة جديدة من مناطق سيطرة النظام، وخاصة من حلب ودمشق وحماة ومحافظات أخرى، مشيرًا إلى سطو أجهزة الأسد الأمنية على أملاك وأموال التجار الذين لم يقفوا بوجه النظام بشكل واضح، مما أدى إلى وجود حالة من عدم الأمان الاقتصادي وهو ما دفع «الطبقة الرمادية أو الصامتة» من الهجرة خارج البلاد بعد دخولها دائرة التهديد.
لعودة اللاجئ بشكل آمن وحرية، يجب ايقاف الانتهاكات، والأخيرة مرتبطة بشكل مباشر بالنظام، وهذه الانتهاكات لا يمكن أن تتوقف طالما يتواجد النظام وأجهزته القمعية، وأي تغيير محدود بأجهزة النظام لا يفي بالغرض مطلقًا، وحتى القوى الأخرى المتهمة بارتكاب انتهاكات، وعودة اللاجئين السوريين مرهونة بالحل السياسي، ومن دون ذلك ستبقى الأوضاع على ما هي عليه اليوم.

جرائم تطهير

من جرائم النظام بحق الشعب، وفق الباحث عبد الرحمن عبارة، هي جريمة التطهير على أساس ديني وعرقي ومناطقي، والبداية كانت في تهجير أهالي حي بابا عمرو في مدينة حمص، مرورا بتهجير وتدمير الغوطتين بريف دمشق، والكثير من المناطق ذات الغالبية السنية العربية، وليس آخر تلك الجرائم التضيق على من بقي في مناطق النظام حتى يضطروا للهجرة، والضغط عليهم من خلال رفع الأسعار وندرة الخدمات، ناهيك عن الملاحقات الأمنية التي لم تتوقف طوال السنوات العشر الأخيرة.
وقال عبّارة لـ «القدس العربي»: «النظام وعلى لسان رئيسه بشار الأسد لا يخجل من التصريح بتلك الجرائم، تحت عنوان: الشعب المتجانس، والنتيجة تهجير ملايين السوريين، وخصوصا المسلمين العرب، وإفراغ مناطقهم لتحل محلهم عوائل ومناصرو عناصر الميليشيات الإيرانية والعراقية والأفغانية الشيعية».
معتبرًا أن سوريا تتعرض اليوم لأخطر عملية تطهير ديني وعرقي ومناطقي، بأيدٍ إيرانية ومساعدة روسية، وتحت مسمع ومرأى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

فوز الأسد كارثة

رغبة السوريين بالهجرة موجودة بشكل كبير قبل إعلان بشار الأسد عن فوزه بالانتخابات الرئاسية الأخيرة، ودوافع الهجرة مردها إلى الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب وتسلط النظام، ولكنها ازدادت بالفعل بعد سيطرة الأسد على المناطق من دون أي تحسن اقتصادي، على العكس، ساءت الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير وسط تسلط النظام وأجهزته الفاسدة والتي ازداد فرضها للإتاوات على المواطنين والشركات بطرق شتى في الوقت الذي تزداد الأوضاع سوءاً.
مع فوز الأسد، لم يعد هناك وفق محمد سالم، باحث في مركز الحوار السوري، حتى مجرد ضوء في نهاية النفق لمن كان يصابر ويتأمل نهاية الكابوس، وأدرك الكثيرون أن تحسن الأوضاع في ظل النظام الحالي مجرد وهم باعه النظام للناس طوال سنوات، ومع فوز الأسد، تبخر أي أمل في أي تغيير.
كما استبعد وجود أي أسباب سياسية معينة للهجرة، مشيرًا إلى أن الأسباب الاقتصادية هي الأساس، لكن إيران مثلاً تدفع عموماً للتغيير الديموغرافي في سوريا وقد تسهل مثل هذه العمليات.
ويدل ذلك على درجة البؤس الكبيرة التي وصل إليها الحال في مناطق النظام، بل وسوريا عموماً، يأتي هذا للمفارقة، في الوقت الذي تتحدث فيه بعض الجهات أو الحكومات في البلدان التي استضافت السوريين عن إمكانية عودتهم لسوريا.
الدلالة الأهم في كل ما يحدث، أنه ما لم يحدث تغيير حقيقي في البلد نحو انتقال سياسي ديمقراطي يكفل حرية المواطنين وعودة آمنة للسوريين اللاجئين، فإنه ليس فقط لا يمكن عودة اللاجئين، بل سوف تتجدد أزمات اللجوء من خلال موجات هجرات ولجوء جديدة ومن مناطق النظام خاصة.

الأسد غدر بمواليه

حالة اليائس التي تسيطر على السوريين وفق السياسي درويش خليفة، ما بعد الانتخابات الرئاسية لا مثيل لها، فكل وعود بشار الأسد لأنصاره ذهبت أدراج الرياح ولم ينفذ منها شيء، فلم تتم معالجة الخدمات والتنمية ولا توفير الطحين والوقود للمخابز، وبقيت الرواتب على حالها، لا تتناسب مع حالة الإنفاق والتضخم التي تشهدها سوريا منذ لحظة إعلان الأسد حربه على الشعب.
مشيرًا إلى مغادرة 19 ألف سوري يوميا من مطار دمشق، وجهة معظمهم إلى مصر، ففي البداية، انتظر مناصري النظام وعوده بدحر الإرهاب، أي قتل المناهضين لحكمه، ليعود الأمن ويستتب في البلاد وتعود الحياة لطبيعتها، ولكن كعادته لم يلتزم الأسد بوعوه.
والأكثر تأكيداً أن السوريين في مناطق سيطرة الأسد من غير مناطق الساحل السوري حيث توجد حاضنته الشعبية، ظلوا في منازلهم خشية من تعفيشها (إفراغها من محتوياتها) المصطلح الدارج منذ أن قام الأسد بتدمير المدن والمناطق ومنح شبيحته بيوتاً لمعارضين أو مهجرين.
معتقدا أن نتيجة عجز حكومة النظام على إدارة مناطقها، فإنها لن تقف عائقا أمام هجرة السوريين بغض النظر عن الوجهة، في الوقت الذي تطالب فيه دول جوار سوريا من إعادة السوريين اللاجئين إلى بلدهم.

تضييق جديد

اشترطت وزارة العدل في حكومة النظام السوري، وجود «موافقة أمنية» للسماح بإصدار الوكالات القانونية، مرجعة ذلك إلى عدم استغلال الوكلاء في حالة الغائب والمفقود. وقالت الوزارة، إن إصدار وكالات عن الغائب أو المفقود تزايد بشكل كبير في الآونة الأخيرة بسبب الأحداث التي حصلت في سوريا خلال السنوات العشر الماضية، ما أحدث إشكالات وحالات استغلال من قبل الوكلاء، مؤكدة أن «الموافقة الأمنية» باتت شرطاً لتنظيم الوكالات القانونية، بموجب التعميم رقم «30».
وأشارت إلى أن العديد من الوكالات صدرت سابقاً وتبين فيما بعد أن الشخص المدعى بغيابه أو فقدانه، يعتبر إما ميتاً أو ملاحقاً بجرائم خطيرة، حيث يتم استغلال غيابه والتصرف بأمواله بشكل يضر بمصالحه، وفق قولها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية