أرشيف
دمشق – «القدس العربي»: تشهد درعا جنوب سوريا، انتفاضة جديدة، خرج خلالها العشرات من الأهالي في احتجاجات استنكاراً ضد تحشيد قوات النظام السوري على أطرافها، بعدما شهدت المنطقة توتراً واحتقاناً، لكن ما يؤزم المشهد أكثر هو تعاظم نبرة التهديد من قبل النظام، باقتحام المدينة، وما قابله من رد لقيادي معارض معروف في درعا قال فيه «إن فرضت علينا الحرب نحن لها ولكننا لا نريدها».
يجري ذلك قبيل أن تكمل اتفاقية المحافظة الجنوبية عامها الثاني في ظل اتفاق «التسوية»، الذي جرى توقيعه بين القوى المحلية وقاعدة «حميميم» الروسية، في شهر حزيران/يونيو عام 2018، بهدف إيقاف العمليات العسكرية التي قادتها موسكو على المحافظة السورية جنوباً، واستمرت لأكثر من شهر ونصف الشهر.
على مدار العامين تعرضت الاتفاقية في محافظة درعا لهزات كبيرة، كادت أن تُنهي العمل بها، وآخرها مظاهرات شعبية غاضبة، خرجت أمس في درعا البلد في مدينة درعا ومدينة طفس في ريفها الشمالي الغربي، حيث هتف المتظاهرون «عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد».
معارضون يهددون بالعودة للانتفاضة ومظاهرات ليلية
المرصد السوري لحقوق الانسان، قال إن التوتر والاستياء الشعبي في درعا، تحول إلى انتفاضة لأبناء المحافظة بوجه النظام السوري، تمثلت بمظاهرات شعبية غاضبة، وسط مواصلة النظام السوري حشد قواته والميليشيات طائفية إلى المنطقة تحضيراً لاقتحام المنطقة الجنوبية بشكل كامل. وحسب مصادر محلية فإن مظاهرة حاشدة جابت شوارع مدينة طفس في ريف درعا، وهتف المتظاهرون ضد قوات النظام، كما ذكرت صفحة «درعا 24» أن مدينة طفس في المنطقة الغربية من محافظة درعا، تشهد توتراً أمنياً وغلياناً شعبياً إثر وصول تعزيزات عسكرية إلى محيط المدينة وإلى المنطقة الغربية بشكل عام.
ملامح عمل عسكري
وأفادت مصادر من درعا لـ»القدس العربي»، بأنّ تعزيزات جديدة من «الفرقة الرابعة « ومن مجموعات عسكرية أخرى، وصلت ايضاً إلى الملعب البلدي نقاط عسكرية عدّة، ضمن مركز المدينة في محافظة درعا جنوب سوريا، كما وصل قسم من هذه التعزيزات عبارة عن آليات وعناصر إلى محيط مدينة طفس وداعل غربي درعا، وتمركزت على طول المنطقة بين تل الخضر وحاجز التابلين، فيما منع المدنيون من التواجد بشكل نهائي ضمن هذه المنطقة، وكذلك أجبر المزارعون على مغادرة أراضيهم.
كما وصلت تعزيزات عسكرية إلى الشيخ مسكين والشيخ سعد وتل الخضر وحاجز السرو وطريق عتمان واليادودة بريف درعا الغربي، إضافة إلى تعزيزات حاشدة وصلت إلى اللواء 52 واللواء 38 شرق مدينة درعا، في إطار عمليات التحصين بعد تصاعد الاغتيالات بشكل كبير جداً هناك.
المرصد السوري لحقوق الإنسان، قال ان قوات عسكرية تحتشد أيضاً في بلدة إبطع شمال درعا، بالإضافة لوصول رتل عسكري يضم آليات ثقيلة إلى جسر خربة غزالة، كما دخل رتل عسكري آخر إلى منطقة البانوراما بدرعا المحطة في مدينة درعا، يرافقه آليات تابعة للقوات الروسية.
ويبدو ان المشهد يتجه نحو مزيد من التعقيد في درعا، مع تعاظم نبرة التهديد والوعيد من قبل النظام، لا سيما في ظل هشاشة الوضع الأمني واستمرار عمليات الاغتيالات والتصفية، وعدم تحقيق تقدم بالملف الخدمي من قبل النظام السوري.
وكنتيجة لما تقدم، طالب أدهم الكراد القيادي السابق في فصائل المعارضة السورية في مدينة درعا، روسيا بتنفيذ وعودها المتفق عليها منذ عام 2018 في الجنوب السوري، وقال الكراد في تسجيل مصور نشره على صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك» وهو يرتدي زياً عسكرياً، شدد خلالها على ضرورة انسحاب قوات النظام من مدينة درعا، عقب حادثة مخفر المزيريب التي قتل فيها 9 عناصر من الشرطة. وبيّن القيادي والمعارض السابق أنهم لا يسعون لسفك الدماء لكن «إن فرضت علينا الحرب نحن لها ولكننا لا نريدها».
وأشار الكراد، إلى أن النظام السوري برعاية روسية، خلق حالة من عدم الشعور بالثقة، بعد اتفاق عام 2018 وذلك على إثر عمليات الاغتيال والملاحقات وحالات الاضطهاد على الحواجز، مؤكداً أن الأهالي يسعون لاتفاق لا يقهر فيه أهل الجنوب، اتفاق يضمن كرامتهم جميعاً لأنهم جزء من سوريا ككل. وأوضح أنه أجرى اتصالات مع ناشطين وقيادات في الجنوب السوري، الذين عبروا عن رفضهم للحرب، وتأييدهم للتهدئة.
وأضاف القيادي: «نحن لا نريد الحرب، من أجل الحفاظ على هوية حوران، والحفاظ على كرامة الأهالي هنا، يجب أن لا نقهرهم بالآلة العسكرية التي لم تبق على أخضر أو يابس، ويكفي ما عانوه خلال تسع سنوات».
وأضاف: «أرسلت عبر الطرق الدبلوماسية والأصدقاء كتاب لموسكو، فيه مبادرة نطالب فيها الضامن الروسي، بضمان المفاوضات الجديدة التي يجب أن تعالج فيها هذه الملفات بسرعة، ويجب الضغط لوقف الآلة العسكرية ومنذ ثلاثة أيام، وارسلنا بنسخة من الكتاب لممثل الحكومة الروسية في سورية الكسندر زورين وما زلنا ننتظر الرد على الكتاب».
التوتر المتصاعد، والاحتجاجات تأتي عقب ارتفاع وتيرة العمليات الأمنية التي تشهدها محافظة درعا ضد مصالح وأنشطة النظام السوري الذي اضطر إلى تعزيز انتشاره في الحواجز والمواقع التابعة له، حسب الخبير السياسي وكبير الباحثين لدى مركز جسور للدراسات، عبيدة فارس، الذي اعتبر في حديثه مع «القدس العربي» أن عودة مظاهر الاحتجاج إلى جنوب البلاد يعكس استمرار مظاهر الفوضى الأمنية، وصعوبة سيطرة النظام السوري على مناطق المصالحات بعد أن فقد فيها هياكل السيطرة الأمنية والاجتماعية، على خلاف المناطق التي لم تخرج أصلاً عن سيطرته وبات يصعب توقّع اندلاع مظاهر احتجاج فيها بسبب إحكام القبضة الأمنية عليها.
3 سيناريوهات
وبناء على المعطيات السابقة، حصر فارس السيناريوهات المتوقعة للمحافظة ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية: أولها تجدد الصدام المسلح الشامل، حيث قال «قد تنزلق الأوضاع في محافظة درعا إلى حالة المواجهة الشاملة، ومن أجل تحقق مثل هذا السيناريو لا بد من توفر عوامل عديدة، أبرزها وجود مساندة ودعم دولي، حيث لا يزال الفاعلون المحليون يعولون على دور أمريكي محتمل في المنطقة، من أجل محاربة التمدد الإيراني بعد أن نكثت روسيا بالتزامها بإبعاد الميليشيات الإيرانية عن الحدود الجنوبية، خاصة أن واشنطن أجرت مطلع العام الحالي بعض اللقاءات مع قادة سابقين في فصائل الجبهة الجنوبية يقيمون في الأردن، وجرى نقاش الأوضاع في المحافظة، بما في ذلك انتشار الميليشيات الإيرانية».
وتسود قناعة لدى قيادات المجموعات المعارضة في درعا بأن التوجه إلى الصدام المباشر بدون غطاء دولي حقيقي يعني تكرار التجربة السابقة وجعل مدنهم وبلداتهم عرضة للهجمات الروسية.
ثانياً، قضم تدريجي لصالح النظام السوري، «فقد يتمكن النظام السوري من الاستمرار في عملية القضم التدريجي للمناطق الخارجة عن سيطرته بشكل فعلي في محافظة درعا، على غرار ما فعله في مدينة «الصنمين» عندما شن عملية عسكرية عليها، وأجبر المقاتلين الرافضين للتسوية على المغادرة إلى الشمال السوري في آذار / مارس 2020. لافتاً إلى أن النظام السوري، سيسعى على الأرجح للاستفادة من حالة غياب التنسيق بين الكتل الجغرافية الخارجة عن سيطرته سواء في مدينة درعا أو ريفها الغربي أو الجنوبي، والعمل على محاصرة المناطق التي تشكل تهديداً له مثل طفس أو الحراك أو درعا البلد أو حوض اليرموك.
ومن العوامل التي قد تشجع النظام على المضي قدماً في هذا الخيار، هدوء الجبهات في شمال غرب سوريا بعد اتفاق وقف إطلاق النار التركي – الروسي، الأمر الذي يعني توفر العنصر البشري الكافي للقيام بعمليات اجتياح لمدن وبلدات درعا.
ثالثاً، استمرار الوضع الراهن، «فليس مستبعداً أن يستمر واقع السيطرة في محافظة درعا على الشكل الحالي إلى حين التوصل لحل سياسي نهائي في سوريا». وطالما أن الأوضاع لم تخرج عن السيطرة وتنزلق إلى مواجهة كسر عظم مفتوحة، فقد رجح الباحث في الدراسات الاستراتيجية أنه لن يكون لدى روسيا إشكالية كبيرة في استمرار الوضع الراهن، لأن ذلك سيضمن لها نوعاً من التحكم في النفوذ الإيراني جنوب سوريا، وهذا التحكم مهم بالنسبة لموسكو لدى التفاوض مع إسرائيل.