دمشق – «القدس العربي»: في محاولة لتحصيل جملة من المكاسب من الإدارة الذاتية نتيجة حاجتها للتدخل الروسي، واستثماراً للتوتر الذي يشتعل في المنطقة الشرقية من سوريا، بين قوات المعارضة المقربة من أنقرة وميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» المعروفة باسم «قسد» في ظل التنافس الروسي – التركي على منطقة شرق الفرات، عقدت موسكو اجتماعاً لقيادات من قوات النظام و»قسد» في القاعدة الروسية في مطار القامشلي في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، بهدف التوصل إلى تهدئة في أربع مناطق على رأسها الحسكة والقامشلي و»منطقة الشهباء» في ريف حلب الشمالي وأحياء حلب الشرقية، حيث طرحت موسكو مبادرة لخفض التوتر، تقضي برسم مستقبل العلاقة بين الطرفين على أن تكون روسيا وإيران الضامنتين بموجب اتفاقية مكتوبة.
تزامن ذلك مع مساعٍ روسية مكثفة، في فرض واقع جديد على منطقة شرق الفرات، عبر تعزيز انتشارها في المنطقة، من حيث عدد النقاط والأفراد قبل تأدية الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن اليمين الدستورية ودخول البيت الأبيض، حيث عززت موسكو قواعدها، وأرسلت وحدات عسكرية جديدة إلى ريف مدينة الحسكة يفوق تعدادها 300 عنصر، وصلوا على دفعات إلى القاعدة الروسية بالقامشلي عبر الطريق الدولي M4 قادمة من طريق حلب، إضافة إلى 40 عنصرا آخرين، من قوات «فاغنر» على متن طائرة شحن قادمة من مطار حميميم بهدف توزيعهم على النقاط الساخنة في محيط منطقة نبع السلام، وتقوية قبضتها على الطريق الدولي M4، الذي لا ترغب موسكو بسقوط أجزاءٍ أخرى منه تحت سيطرة أنقرة.
توتر في الحسكة… روسيا تستغل «قسد» وتدفعها للمصالحة مع النظام لتوسيع سيطرتها
الرائد ديميتري سونتسوف المسؤول في «المراقبة الروسية – السورية» المشتركة، قال الاثنين إن الجيش الروسي أرسل وحدة من الشرطة العسكرية كقوات إضافية، إلى الحسكة من أجل تعزيز نقاط المراقبة المشتركة مع قوات النظام السوري.
وأضاف سونتسوف لوكالة نوفوستي الروسية «وصلت وحدتنا إلى إحدى نقاط المراقبة المشتركة في محافظة الحسكة. ومهمتها الرئيسية، هي المساهمة في تهدئة النزاع في المنطقة. ويقوم عناصرنا بمراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار، وتقديم جميع أنواع المساعدة للسكان المحليين».
ووصلت المجموعة الأولى من هذه التعزيزات إلى الحسكة، على أن تنضم إليها مجموعات أخرى قريبًا، سيتم نشرها في بلدات عين عيسى، وتل تمر، وعامودا وغيرها من المراكز السكنية. حيث أوضح المصدر أن طائرة نقل عسكرية روسية، أوصلت أسلحة ووسائل اتصالات ومعدات عسكرية أخرى إلى المنطقة.
مصادر محلية قالت إن القاعدة الروسية في مطار القامشلي تلقّت مزيداً من التعزيزات العسكرية شملت أعتدة وعربات إضافة إلى مجموعة من عناصر الشرطة العسكرية، وقد وصلت التعزيزات على دفعات خلال الثلاثة أيام الماضية عبر الطريق الدولي M4 قادمة من طريق حلب. كما أرسل الجيش الروسي على متن طائرة شحن قادمة من مطار حميميم 40 عنصراً من مجموعة «فاغنر» الروسية إلى القاعدة الروسية بالقامشلي.
300 عسكري روسي
من جانبها، ذكرت وكالة «تاس» الروسية الاثنين، أن طائرة على متنها وحدات من الشرطة العسكرية الروسية وصلت إلى مطار القامشلي، على متنها أكثر من 300 عسكري روسي. ونقلت الوكالة عن قائد وحدة الشرطة العسكرية، جورجي روداكوف، أن الكتيبة التي وصلت ستعزز نقاط المراقبة الروسية في المناطق التي تسيطر عليها قوات قسد.
وأوضحت أن كتيبة الشرطة العسكرية وصلت لتعزيز القوات الروسية، وتسيير دوريات على طول الحدود السورية- التركية، وتعزيز نقاط القوة المشتركة ونقاط المراقبة، والمشاركة في دوريات روسية – تركية مشتركة، ومرافقة أرتال السيارات المدنية.
ونصت الاتفاقات بين موسكو وأنقرة، على نشر وحدات من الشرطة العسكرية الروسية في نقاط مراقبة بمحافظة الحسكة، لإرساء الاستقرار في المنطقة. وفي نهاية شهر ديسمبر /كانون الأول/ نشر الجيش الروسي مجموعة من الشرطة العسكرية في بلدة عين عيسى، بعد تعرض مواقع قوات النظام لهجمات متكررة وقصف متقطع.
وكانت القاعدة الروسية قرب قرية تل السمن في ريف الرقة الشمالي، قد تعرضت مطلع الشهر الجاري، لتفجير استهدفها عبر سيارة مفخخة، وذلك بعد أيام من إنشائها حيث تبنى تنظيم «حراس الدين» العملية.
من جهته، عزز النظام قواته في مدينة القامشلي، كما أرسلت ايران قوات رديفة من الميليشيات التابعة لها إلى المنطقة، وحسب مركز «نورس للدراسات» فإن ذلك جاء «بعد فرض الحصار من قبل قوات قسد، التي تهدد بالسيطرة على مدينة القامشلي في حال تدحرج الموقف في اتجاه الأسوأ» حيث تستثمر من جهتها الوقت بانشغال واشنطن بنقل السلطة، واجتماعات موسكو وقوات النظام بوجهاء وقيادات عربية لإقناعهم بالتعاون مع النظام، مستغلة تهميش قسد للمكون العربي، في المراكز القيادية وسيطرة كبار العناصر وكوادر حزب العمال الكردستاني، من رجال ونساء، الذين تدرّبوا في جبال قنديل على المراكز القيادية سواء في «قسد» أو في الإدارة الذاتية.
في غضون ذلك، شهدت مدينة الحسكة مفاوضات بين قوات النظام السوري و»قسد» لبحث الوضع في مدن الحسكة والقامشلي و»منطقة الشهباء» في ريف حلب الشمالي وأحياء حلب الشرقية، الخاضعة لقوات قسد، وذكر «مركز نورس للدراسات» أن الاجتماع جاء بعد فرض «قسد» طوقاً عسكرياً على أجزاء من مدينة القامشلي تشمل «حيي مقاسم حلكو وحارة طي» وقطعت طريق المطار في اتجاه قلب مدينة القامشلي وفي اتجاه طريق الحسكة، كما طوّقت المربع الأمني بالحسكة ومنعت وصول المواد الغذائية والتجارية وتنقل السيارات والدراجات بين مناطق سيطرتها ومناطق سيطرة النظام، الأمر الذي رد عليه النظام بفرض حصار على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، ومدينة تل رفعت الواقعة ضمن جيب يخضع لقوات «قسد».
وحسب مركز الدراسات، فقد طرح الروس صفقة لخفض التوتر في المناطق الأربع، يتم بموجبها العودة للوضع السابق قبل التصعيد المتبادل، ورسم مستقبل للعلاقة بين الطرفين على أن تكون كل من روسيا وإيران ضامنتين للجهتين بموجب اتفاقية مكتوبة.
وضم الاجتماع أربع قادة من قوات «قسد» منهم نوري محمود رئيس المكتب الإعلامي لـ»قسد» والقيادي العسكري في منبج جميل مظلوم واثنان آخران» فيما مثل النظام «اللواء محمد عيسى قائد الفوج الخامس، والعميد راتب غانم رئيس فرع الأمن العسكري، وآخرون» بينما مثل الجانب الروسي اللواء فاليري قائد القوات الروسية في محافظة الحسكة، إضافة لممثل عن مكتب «الحجاج» الإيرانيين في القامشلي، على أن يعقد جلسة مفاوضات ثانية، بعد أن يكون كل من الطرفيين قد راجع قيادته.
ضغوط مكثفة
وتشير المعطيات إلى حالة من الضغوط المتعددة تعيشها الإدارة الذاتية، تحدث عنها لـ«القدس العربي» الباحث السياسي بدرملا رشيد حيث أبدى اعتقاده أن بعض هذه الضغوط داخلية «متعلقة بنقص في بعض المواد التموينية الرئيسية، كالخبز، ومواد التدفئة والطبخ، وهو ما أدى لزيادة الضغط الشعبي عليها داخلياً، وهي حالة معيشية ترافقت مع انعدام الشعور بالاستقرار نتيجة استمرار الاستهداف التركي لمناطق تل تمر وعين عيسى، بطريقة تظهر احتمال حدوث عملية عسكرية جديدة في أي وقت».
هذه الأحداث الداخلية بالإضافة للضغط التركي المستمر ألقى بظلاله وفق رؤية المتحدث «على التوافقات التي حصلت بين الإدارة الذاتية والنظام بداية الثورة السورية، والتوافقات التي حدثت إبان عملية نبع السلام من ضرورة انتشار جيش النظام في المناطق الفاصلة مع الجيش التركي وفصائل الجيش الوطني، إلا إن النظام والروس لم يستطيعوا ايقاف عملية القصف، وهو ما أدى لارتفاع مطالب الإدارة الذاتية بضرورة أن تقوم روسيا والنظام بدورهما في هذا الخصوص».
ولا يبدو أن النظامين الروسي والسوري، راغبان في تقديم خدمات مجانية إضافية للإدارة الذاتية وحزب الاتحاد الديمقراطي، «فالأخير دخل للمفاوضات الكردية برعاية أمريكية، كما أنه لا يسهّل عمليات تمركز القوات الروسية خارج مناطق التماس مع الجيش الوطني».
اختلاف مقاربة كل طرف فيما يخص كيفية تنفيذ الاتفاقيات السابقة، أدى إلى حدوث توترات في مدينة القامشلي، والحسكة وامتدت لمناطق شمال حلب والشيخ مقصود، وهنا يأتي دور روسيا في الحصول على مكاسب جديدة من الإدارة الذاتية نتيجة حاجة الأخيرة للتدخل الروسي بهدف تحسين الأوضاع الأمنية، وهو ما فسره المتحدث بأنه السبب وراء إرسال روسيا كتيبة عسكرية لتوزيعها بشكلٍ رئيسي على النقاط الساخنة في محيط منطقة نبع السلام.
وبهذا الانتشار الجديد تحقق روسيا جملة أخرى من الأهداف، وفق ما يقول الباحث السياسي بدر مصطفى فهي تزيد من تواجدها العسكري، كما إنها تضيق خيارات الولايات المتحدة الأمريكية في العودة إلى مناطق غرب تل تمر في حال كان هناك رغبة لدى الإدارة الأمريكية الجديدة بهذا الاتجاه، كما أن روسيا تقوم بهذه الخطوة بالاعتماد على ذاتها أكثر في بناء قوة عسكرية في المنطقة بعد أن فشلت في تشكيل فصائل عسكرية عشائرية في المنطقة. وبالمحصلة تكون روسيا قد نجحت في تقوية قبضتها على الطريق الدولي M4، الذي لا ترغب بسقوط أجزاءٍ أخرى منه تحت سيطرة الجانب التركي.
السياسي السوري درويش خليفة قرأ في تعزيزات موسكو شرقي الفرات، كمحاولة روسية في فرض أمر واقع على منطقة شرق الفرات عبر تعزيز تواجد الروس هناك من حيث عدد النقاط والأفراد وتثبيت مواقعهم قبل تأدية الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن اليمين الدستورية ودخول البيت الأبيض.
وأشار في معرض حديثه مع حديثه لـ«القدس العربي» إلى تصريح وزير الخارجية الروسية الأخير حول التواجد الأمريكي في سوريا، ووصفه بالمتوازن، لاسيما عندما قال، «لا ننوي طرد الأمريكان من سوريا أو الدخول في اشتباكات معهم لكننا نطالبهم بشدة بعدم استخدام القوة ضد مواقع « الدولة السورية».
تنافس تركي – روسي
وقال خليفة غالب الظن إرسال الـ300 جندي روسي إلى منطقة شرق النهر تأتي في ظل التسابق الروسي التركي لتوسيع سيطرتهم الجغرافية في محافظة الحسكة والموزعة السيطرة بين قوى إقليمية ودولية عدة مستغلين الفترة الانتقالية الرئاسية في الولايات المتحدة.
وبالرغم من رفض الأهالي للتواجد الروسي في المنطقة إلا أن الدوريات الروسية بقيت حاضرة في ريف الحسكة وخصوصاً في منطقة المالكية. وذهاب مجموعة من الشرطة العسكرية الروسية في اتجاه شمال الرقة، تحديداً إلى منطقة عين عيسى. وأضاف: وفي ضوء ذلك من الواضح أن الأشهر القليلة القادمة ستكون المنطقة ملتهبة عسكرياً في حال تأخر الأمريكان في إعادة نفوذهم بشكل فعلي عبر تحديد حدود السيطرة وشكل العلاقة مع حلفائهم المحليين «قوات سوريا الديمقراطية».