في هذا المشهد السياسي الدولي والإقليمي المتشابك والمعقد، وفي خضم التحركات الدبلوماسية الداخلية والخارجية، تمهيدا للضربة التي ستوجه للنظام السوري في الأيام القليلة القادمة، منم دون معرفة الموعد المحدد لهذه الضربة، في أجواء هذه التحركات التي يتخللها ارتباك سياسي، وربما مخاتلة سياسية من الولايات المتحدة الأمريكية، لخلق جو للنظام يظن أن الفرصة مواتية له لأن يجري تحركاته العسكرية الاختبائية، ولو بين المدنيين والمؤسسات المدنية ليحتمي بها، بعد أن كان يقصفها ويضربها، لأنها كانت تقف في وجهه، وتريد إسقاطه. في كل هذا المناخ المختلط الأصوات والمواقف والترقبات والهواجس والتحركات المختلفة، نسي الإعلام أو تناسى ضحايا السلاح الكيماوي، وهم سكان الغوطتين بدمشق، لم نقرأ ولم نسمع أو نشاهد مقابلات مع الأطباء أو مع المصابين بالسلاح الكيماوي، وآثار هذا السلاح عليهم، وكيف كان حالهم عندما بدأت اثار هذا السلاح تنتشر بينهم وتؤثر فيهم واحدا بعد آخر، لم نأخذ الصورة الكافية لكارثية المشهد الكيماوي بتفاصيله الموتية المؤلمة، ولم يُترك مجال للحديث في هذا الموضوع الانساني الكبير، لم نشاهد مقارنة مثلا بين المدن المنكوبة بالسلاح الكيماوي والنووي في حلبجة هيروشيما الغوطتين بدمشق. كان الأمر يتطلب إلى جانب الحديث عن الآثار السياسية أو العواقب السياسية والعسكرية للهجوم الكيماوي، حديثا عن الجانب الإنساني وكيف أنه في القرن الواحد والعشرين يتجرأ نظام على أن يستخدم هذا السلاح المحرم دوليا بقوانين دولية رادعة. ولكثرة اللغط والمماحكات والأخذ والرد والتصويتات في البرلمانات الغربية، بين من يخفق ومن ينجح في الموافقة على اشتراك دوله في توجيه الضربة إلى النظام السوري، ولكثرة هذا اللغط بات يسيطر على أذهان الكثير وهم أو شعور أنه من الممكن أن يفلت النظام السوري من العقاب، ومباشرة يغزو عقلهم سؤال آخر منافح وقوي ومتعاطف مع الضحية، وهو هل من الممكن أن تذهب دماء الضحايا (الذين بلغوا 1429 شخصا، اغلبهم أطفال ونساء، بحسب تصريح وزير الخارجية الأمريكي الأخير جون كيري) هدرا، من دون أن يثأر لهم أشقاؤهم في الإنسانية، وإذا كان ذلك يمر من دون عقاب، أفلا يعني ذلك أن تتحمس وتتحفز دول أخرى ضد هذا السلوك الإجرامي المقيت؟ كل هذه الأسئلة تطرح والعالم نسي الضحية واستغرق في تصويتاته البرلمانية وتحركاته العسكرية ومباحثاته الدبلوماسية والسياسية، والضحايا مرميون على قارعة طريق الانسانية مهمشين، لا احد يهتم بما جرى لهم إلا كوسيلة استغلالية لتنفيذ تحركات متأخرة تريد أن ترسم لها طريقا إلى تحقيق أجندات معينة بأمان واطمئنان بعيدا عن المجابهة الخاسرة أو الوقوع في الفخ السوري، من دون أخذ كل شيء بالاعتبار والحسبان.