بيروت-“القدس العربي”: بيت الحمرا أو البيت الأصفر لا فرق، المهم أن سوق الطيب شنّ غزوة فعّالة بانت آثارها في شارع بعلبك المتفرع من شارع الحمرا. مناسبة الغزو هذا تزامت مع العيد الـ15 لتأسيس سوق الطيب، فصار الاحتفال مزدوجاً ببيت الحمرا ومطعم طاولة، وبحكايات النجاح التي سطرها البعض من خلال سوق الطيب.
بيت الحمرا بناء عتيق من زمن الخمسينيات يتألف من طابقين وحديقة خلفية، لم تغر أهله الأسعار المرتفعة للأراضي في تلك المنطقة فحافظ على فرادته. مؤخراً طرق مالكه باب مؤسس سوق الطيب كمال مْزّوق، عارضاً استثمار الطابق الأرضي والحديقة. وهكذا ولد بيت الحمرا بالتزامن مع السنة الـ15 لإنطلاق سوق الطيب، ويضم بيت ضيافة، ومولود جديد من فروع مطعم طاولة. وإلى هذا البيت توافد مدعوون كثر من لبنانيين وعرب وجنسيات أخرى مختلفة. احتفل الكل بالكل وكانت قصص نجاح مؤثرة لأشخاص بدّل سوق الطيب حياتهم إيجاباً. وكان التصميم على أهمية العمل الجماعي والمثابرة، بعيداً عن الإحباطات المسيطرة على الحياة العامة في لبنان.
إلى الحديقة مروراً بالمطعم توافد العشرات. ديكور بسيط لطيف وودي من مقاعد إلى طاولة استدار حولها المتحدثون. مساند صُنعت من خيوط بلاستيك أعيد تدويرها، ولا مقاعد بلاستيكية في المكان، زينة من وزّال، وطناجر نحاسية لمّاعة. الجميع شارك في الاستقبال. والجميع ابتسم للجميع، بينهم كريستينا قدسي التي دخلت مشروع سوق الطيب في عامه العاشر وصارت شريكة للمؤسس كمال مْزوّق. عبّرت عن فرحها بالحياة التي أضافها بيت الحمرا والذي سيُعرف لاحقاً بالبيت الأصفر إلى شارع بعلبك. صار للبيت حُلته وبات لافتاً للنظر. تقول قدسي إن البيت الأصفر يضّمُ مطعم “طاولة” وأربع غرف ضيافة بدل الإقامة فيها 135 دولاراً وتتضمن “ترويقة”. وعزت نجاح سوق الطيب إلى العمل الجماعي، والتفكير كعائلة متكاملة. وهذه الروح الإيجابية التي أوجدت بيت الحمرا بعد 15 سنة، يمكنها لاحقاً تحويل البيت إلى حي بحسب منى الحلاّق التي أدارت بإيقاع لطيف قصص النجاح. وتوقعت للتجربة أن تمتد إلى الوطن ككل. أما الشعار فهو “اصنع الغذاء بدل الحرب”.
قصص النجاح فيما يتعلق بالطعام تبدأ من الأرض وتنتهي بالأرض. الأرض أم الجميع. مع تلك الأرض كانت شهادتان متلازمتان وبينهما وجه شبه. البدء مع أم علي السيدة السمراء كما قمح بلدتها الجنوبية مجدل زون. دمعت عيناها عندما تذكرت لقاء الصدفة الذي جمعها بكمال مْزوّق وحين أخبرته أنها أم وأب لأربعة أطفال، كان ذلك في السنة الأولى من عمر سوق الطيب “الذي قلب حياتي وحياة عائلتي فنحن مزارعون نعيش على قد حالنا”. حكايات أم علي تشبه في جزء منها حكايات الطبّاخ الدنماركي ذو الأصل اليوغسلافي والمتحدر من مقدونيا. فرينيه فتزتي كان يخجل من ماضيه وركوب الدابة وحلب البقرة. في الدنمارك التي لجأ إليها هارباً من الحرب في بلاده ظلّ زمناً يقفل على هذا الماضي إلى أن صار طريقه للنجاح. أم علي لم تقفل على أي تفصيل من الماضي كانت حقيقية وواقعية. أخبرت الحضور أن العمل في سوق الطيب ساهم في اكتسابها وزناً نظرا لقلة الحركة. في البدايات كانت تخبز المناقيش وهي جالسة أرضاً كما الوضع الطبيعي للمتعاملين مع الصاج والوقود المؤلف من الحطب. فحينها تقول أم علي “كان عمر ابني محمد ثلاث سنوات لا بد أن يرافقني إلى السوق فهو لا يزال يرضع. كان يرجوني أن أرضعه تحت الشرشف. وكان يفعل مراراً”.
من حكايات أم علي نعرف بحضور آخر داعم من محمد لعمل والدته التي كانت تجول في بعض قرى الجنوب بحثاً عن المونة البلدية لعرضها في السوق. كان محمد صغيراً ويبادر للسؤال “عندكم أدس؟ عندكم حمص؟” حكاية أخرى سجلتها أم علي مع ابنتها زهراء التي كانت بعمر الثماني سنوات حين بدأ العمل في سوق الطيب. زهراء رفيقة والدتها، تعينها في العمل وفي الترجمة مع الزبائن الأجانب. فكثير من زوار السوق يوم السبت من الأجانب. في لحظة اختفت زهراء وصعبت اللغة الفرنسية على أم علي. طلبت إحداهنّ “تاغتين فروماج” أعانها الله وفهمت منقوشة جبنة، لكن الدم داهم رأسها لغياب زهراء وخوفاً من طلب آخر قد يعصى عليها. وهي تُعد المنقوشة سمعت طالبتها تقول “بس منقوشة الزعتر عند أم علي ولا أطيب”. رمقتها بنظرة قاسية مؤدبة ومعاتبة وباللهجة الجنوبية “وليه بتحكي عربي وليش بتقولي تاغتين فروماج”؟ إنما في لبنان يفتخر بعضهم بعدم معرفة العربية. وهذا حديث يطول.
صدرت بحق أم علي شهادات أممية، إذ سطرت سيدة هولندية “من يزور لبنان ولا يأكل منقوشة أم علي يشبه تماماً من لا يزور قلعة بعلبك”. أم علي تفتخر بقصة نجاحها ومثابرتها ونجاح أبنائها، وتقول كنت سابقاً أركب الحمارة، الآن السيارة والطائرة “ومين قدي ولن أنسى الحمارة مطلقاً”.
بدوره رينيه فتزتي الذي وصل الدنمارك خجلاً من أصله، وترك المدرسة في عمر الـ15 سنة، وبعمر الـ16 بدأت حياته تتغير حين دخل المطبخ ليكون شيفا. طُلب منه إعداد طبق من مقدونيا. تذكر طبق جدته من الدجاج المطهو في الفرن. أعده تماماً كما جدته. نجحت التجربة. وبعد 15 سنة على النجاح الأول صار له مطعم صغير يحمل اسم نوما. سر نجاحه أنه يلجأ إلى الزراعات المحلية، وخاصة تلك التي تنتجها الطبيعة. يقول رينيه “استرجعت ذكريات الطبيعة من توت وغيره. تغيرت مقاربتي لحياتي. تحدثت عن حلبي للبقرة في مقدونيا، وبت الآن لا أتناول الحليب سوى من البقرة مباشرة. حققت سلامي الداخلي وعدت لركوب الحمار”.
سوق الطيب الذي يجمع المزارع والفلاح إلى جانب المهندس والمهندسة الآتية للتو من كندا، والذي يجمع لبنان بكل أطرافه وأطيافه في كتلة متعاونة قدم بمناسبة ميلاده الـ15 شهادة من مزارع في بنين عكار. شهادة امتزج فيها الضحك بالجد، وضمناً بالاستنكار خاصة لدى الفئة الملتزمة بحقوق المرأة. أبو ربيع بوكتل من أوائل العاملين في سوق الطيب، ووفق نظم الزراعة العضوية، ومزرعته اسم “مزرعة الربيع العضوية”. سنة 2004 تألف السوق من ثلاثة أفراد يعرضون منتجاتهم، وراح يتوسع حتى بلغ ما يزيد على المئة حالياً. حدد أسباب النجاح في السوق بأنها نتيجة “الاحترام، الانضباط، الصدق، الوفاء والاخلاص ولهذا يتبعنا المستهلك أينما كنا”. ليس هذا وحسب، فمنذ سنوات سلّم أبو ربيع المزرعة لأبنائه وبات مساعداً للمدير في العمل الإداري والتنظيمي لسوق الطيب.
لأبي ربيع سر كشفته منى الحلاق. هو أب لـ15 بينهم 8 شباب و7 فتيات، وصار جداً. هذه النعمة من الأبناء بفعل زوجتين. يقول ضاحكاً ومعتزاً “عملي الشريف سمح لي بزوجتين وقد تكون الثالثة على الطريق. لو ما بستاهل ما بيغطوا عليي”. ودار ضحك بين لعب وجد وعدم موافقة ضمنية، خاصة من النساء. لتأتي تالياً شهادة نجاح من بلدة الرملية قرب نبع الصفا من ريما مسعود التي لم تقتنع بكيفية نزول الصاج إلى بيروت. “لكنه نزل بتشجيع من جارتي سنة 2005. كنا نحمل معنا 50 عجينة ونعيد ثلثها إلى الضيعة. وزوجي يردد (خلص آخر مرّة). كنت مصرّة، وراح النجاح يُكتب عاماً بعد عام، وراح زوجي يبيع بعض الدراق، ولاحقاً حوّل حقله إلى عضوي. كبُر العيال ودخلت ابنتي الجامعة ولا تزال تساعدني في السوق. تقول “كانت ظروف الحياة ضيقة، وشكرت جدتي التي علمتني الرق والهل والطبش على الصاج والذي صنع لي حياة كريمة”.
بعد 44 سنة من العمل في التصوير “أكس ري” في مستشفى أوتيل ديو عاد شوقي بستاني إلى سرجبال وإلى الأرض التي أحبها متخلياً عن أمره الدائم للمرضى “سكر تمك. قطاع نفس. ولا حركة”. هذه الأوامر قالها لشارل الحلو حين استدعاه المستشفى في يوم أحد لتصوير رئيس الجمهورية “بقاش تتحرك”. أمر لم يرق للرئيس لكن شوقي بستاني كان ناقماً من قطع عطلته الأسبوعية.
إلى هذه القصة يقول إن السوق أعاد ادخاله في الحياة الاجتماعية وغير حياته. “طورت العمل من خوخ، مشمش وتفاح إلى زراعة أصناف نادرة ومطلوبة كما القشطة، تورنيلاّ، بوماروز وغيرها. جميعها عضوي، لكني أحتفظ في منزلي بكيسين من الكيميائي للذكرى. كما غير ابني عمله من التجارة إلى الزراعة”.
توسع عمل المهندسة سمية مرعي منذ سنة 2013 كثيراً وخارج سوق الطيب وخارج لبنان. لكنها تُصرّ أنها لا تزال صوصة في السوق ولم تصبح دجاجة. عندما أنهت تخصصها في الهندسة عادت سمية من كندا، وكان لدى والدها فرن يصنع الخبر والكعك التقليدي. كانت تمر في بيروت في طريقها إلى الشمال حيث عائلتها. الصدفة عرّفتها بسوق الطيب ودفعتها “الدفشة” الإنسانية كثيراً نحو الأمام فصارت تنتج “طاقة بايز” منذ ثلاث سنوات، ومنتجاتها وصلت إلى الدول العربية وكل لبنان. هي حلويات صحية خالية من أي مادة مضرة.
لتفاح العاقورة نكهته الخاصة في لبنان، هو إرث وتاريخ وشهرة واسعة. سنة 2014 تساقط التفاح عن الشجر وتسبب بكارثة على المزارعين. لم يقف بول عقل مهندس الديكور مكتوف اليدين، حوّل الخسارة إلى ربح. صنع منتجات من التفاح دون سكر ودون مواد حافظة. ومن يومها ومؤسسته “عين العقل” موجودة في سوق الطيب وفي تطور دائم. بدأ بالتقليدي من عصير وخل، ويسوّق حالياً 30 منتجاً من التفاح بدءاً من الشيبس، وصولاً إلى التفاح بالشكولا أو العكس. من نتائج سوق الطيب على بول عقل أن أبناءه يعملون معه وتحولوا من خجولين إلى اجتماعيين. وعمل بول لتبديل المعادلة التي كانت “مزارع = خسران إلى = ربحان”.
عاد جو فرح من الولايات المتحدة للعمل في الأرض وفي الطعام. كان له مطعم في منزل قديم في الأشرفية قبل الحرب الأهلية. تمدد حلمه إلى الأرض التي يمتلك منها الكثير، فقصدها وراح ينتج الخضار العضوية. لكنه أخذ على الشيف في مطعمه اصراره على الخسة نفسها في كل يوم. ليسأل: مما تشكو الأعشاب البرية؟ فرح موجود في سوق الطيب بمنتجات زراعية تتناسب مع كل موسم، ويرى مزرعته هي الأهم في حياته. تمنى لو تتخلى الناس عن فكرة السوبرماركت لتعود إلى التواصل مع فكرة السوق. فهذا ما فعله طوال إقامته لـ32 سنة في نيويورك.
جلبير ضومط عبّر عن افتتانه بمشروع بيت الحمرا. تحدث لنا عن أهمية الطعام في حياة العائلات اللبنانية. وتمنى لو يعتمد لبنان استراتيجية الطعام والجمال بهدف التغيير السياسي. فالطعام في رأيه يدخل الأحاسيس والمشاعر، وهو جزء من تراثنا.
سفيرة الاتحاد الأوروبي كريستينا لارسن من زبائن سوق الطيب ومشجعيه. وبفضل جهودها شارك وفد من سوق الطيب بينهم أم علي في مهرجان للطعام في كوبهاغن. تحدثت لارسن عن القوة الناعمة لتحسين نوعية الغذاء والإنتاج على صعيد لبنان والعالم. وبالسؤال عن أكلتها المفضلة قالت: فتة الباذنجان. ودعت لتعميم دبلوماسية المطبخ.
كمال مْزوّق يرفض تصنيف بيت الحمرا بالإنجاز الكبير ويترك الأمر لسواه، فكل إنجاز جديد لسوق الطيب هو كبير. يقول: مسرور جداً بهذا الإنجاز فنحن الآن في منطقة مهمة من بيروت ونسعى لإظهار الوجه الجميل من الحمرا بغض النظر عن حجم الإنجاز. لم نأت إلى شارع بعلبك في منطقة الحمرا لا صدفة ولا بحثاً، أصحاب المنزل طرقوا بابنا سائلين إن كان البيت يهمنا. ونحن نشكر لهم مبادرتهم. هو ملك لعائلة بولس تمّ بناؤه في الخمسينيات، سكن الأهل الطابق الأول، والإبنة وعائلتها في الثاني. حالياً يسكن صاحب الملك الطابق الثاني. لم تقدم العائلة على البيع فلهم رغبة بالحفاظ عليه كهندسة قديمة، ولهم معه علاقة عاطفية قوية”.
كمال مْزوّق وشريكته كريستين قدسي في مراجعة دائمة لمسار سوق الطيب وليس فقط بمناسبة السنة الـ15″دائماً نبحث إن كنا في الطريق الصحيح وإن كانت إمكانات التحسين متوافرة. ودون شك المراجعة كانت في العيد الـ15″.