الطريق بين مدينتي باتنة وعنابة (شرق الجزائر) يُقارب 250 كلم، مسافة يمكن قطعها في بضع ساعات بالسيارة. على طول هذا الحيز الزمني سوف تدور وقائع فيلم «سولا» لمخرجه صلاح إسعاد. قبل الوصول إلى عنابة الساحلية، يكون المتفرج قد استمع إلى قصص سولا (الممثلة سولا رابحي) وهي تحادث ممثلين اثنين رافقاها في سفرتها. قصص عن الجزائر في زمنها المعاصر، عن صراعاتها الداخلية المسكوت عنها، وعن ميولها الذكورية، عن أوجه البلاد المعتمة وعن مآسي النساء. في هذا الفيلم قد يخيل للمتفرج ـ من الوهلة الأولى ـ أنه بصدد عمل تجاري، لاسيما أنه ينفتح بتنبيه كونه موجها إلى الكبار حصراً، لكن عقب المشاهد الأولى سوف تتغير الآراء، فقد نصب المخرج كاميرته في مواجهة قصص تراوح بين الفرجة والألم، نسمع عنها، لكن نادراً ما نُصادفها في الحياة الواقعية.
آثر صلاح إسعاد أن يقتبس السيناريو من حكاية حقيقية لبطلة العمل، وهي أم عزباء، تحيا على جنب المجتمع، امرأة غير مرغوب فيها، فُرض عليها ستار من الصمت، وسحب منها الحق في الكلام. جعل منها المخرج شخصيته الأساسية، وأتاح لها الحق في السرد، لكنه سرد ليلي، فعندما يطلع صباح اليوم التالي سوف ينتهي السيناريو، كما لو أن سولا شهرزاد معاصرة، قضت ليلة كاملة، في الطريق من باتنة إلى عنابة، وهي تحكي وتشارك في حكايات الأخيرة، قبل أن تصمت عن الكلام وتضع حداً لمأساتها مع طلوع الشمس.
رحلة الطريق
في «سولا» لا نعرف الزمن الذي تدور فيه الوقائع، مع أننا ندرك أنها سنوات الألفين، لكن المخرج يولي أهمية للمكان، في فيلم يمكن أن نصنفه في خانة رحلة الطريق (أو رود تريب). ففضاء السيارة يكاد يكون الحاضر الأكبر. تنطلق الحكاية من طرد سولا من البيت، نظير رفض والدها لصفتها كأم عازبة، ثم تولي خالتها العناية بالرضيعة تلك الليلة على أن تبحث سولا عن مكان لها تبيت فيه. في مسعى بحثها عن سقف سوف تلتقي عديد الشخصيات، من رجال ونساء، ولا واحد منهم يوفر لها المطلوب، إلى أن تجد نفسها ضحية اغتصاب في سيارة مجهول، سرعان ما يطردها من مركبته، وتعود إلى الشارع، ثم تلتقي صديقها أمين (الممثل إيدير بن عيبوش) الذي كان في صحبة قريب له مغترب، وتوافق على مرافقتهما إلى عنابة بغرض قضاء السهرة في ملهى والعودة في الصباح التالي. بينما تجلس سولا إلى المقعد الخلفي في السيارة سوف نعرف قصصها، فشلها في الحب ثم حملها، فشلها في الإجهاض ثم معاداة أهلها لها، وكيف صارت متشردة، كلما عاد والدها إلى البيت. كما يشارك الممثل إيدير بن عيبوش أيضاً في سرد حكايات الليل، في مغامراته العاشقة في بيئة محافظة، في مشقة اقتناء قنينة جعة في الجزائر، في الحبوب المهلوسة التي يتناولها، في تعطشه إلى عيش حر في وسط يحد من حريات الأفراد.
ليست المرة الأولى التي نُصادف فيها فيلما يدور حول أم عزباء، لكن ما يُحسب ﻟ«سولا» أنه استطاع أن يخرج من الكليشيهات الجاهزة، لم يسقط في الابتذال، على الرغم من جرعة الجرأة الزائدة (التي ينبه إليها في الافتتاح).
كل تلك الحكايات تجري في السيارة وليلاً، فقبل الوصول إلى عنابة، قصد قضاء ما تبقى من السهرة في ملهى، يكون المتفرج قد شاهد الجزائر بلونيها الأسود والأبيض، ويكون الشق الأكبر من القصص قد انتهى، وتكون سولا قد استعادت رضيعتها من خالتها، في الليلة ذاتها، وفي الصباح سوف تتخلص مما يطلق عليه أهلها «العار». فبعد أن كانت سولا تبدو كفتاة طائشة، لعوب، لا تثق في أحد، بل تثق فقط فيمن يعينها على الحصول على سقف يأويها، تلعب في ختام الفيلم واحداً من المشاهد الأكثر درامية، ولا يسع المتفرج سوى أن يتعاطف معها، في لحظة ألمها القصوى وهي تتخلص من رضيعتها في البحر.
حياة في الظل
ليست المرة الأولى التي نُصادف فيها فيلما يدور حول أم عزباء، لكن ما يُحسب ﻟ«سولا» أنه استطاع أن يخرج من الكليشيهات الجاهزة، لم يسقط في الابتذال، على الرغم من جرعة الجرأة الزائدة (التي ينبه إليها في الافتتاح). لم يقع في فخ التعاطف المبتذل مع البطلة، ولا في إدانتها، بل وفّر لها المساحة اللازمة كي تروي قصصها، فيجد المتفرج نفسه في النهاية إزاء قصص إنسانية، يمكن أن تحصل في أي مكان آخر وليس فقط في الجزائر. كما إن هذا الفيلم ركّز على حوارات بين الشخصيات بلغة صرفة، صافية، خالية من الماكياج ومن المحسنات البديعة، حوارات صادمة في بعض المرات لكنها صادقة، في التعبير عن الحالة الجزائرية، في تشريح العقل الجزائري، المتناقض في نظرته إلى الدين مثلاً، في السخرية من الذكورية، من ذلك الرجل الذي يمنح نفسه الحق في مضاجعة العشيقة، لكنه يحبس اخته خلف جدران البيت. كما إن فيلم «سولا» ضبط منذ المشاهد الأولى كادر التصوير، مركزاً على شخصية البطلة ومرافقيها القلائل، دون إسراف في تصوير مشاهد ثانوية لا تخدم القصة الرئيسية، ودون الانحراف إلى الإكزوتيكية في تصوير مشاهد خارجية من شأنها استمالة المتفرج من غير أن يكون لتلك المشاهد دور في العلاقات بين الممثلين. ينطلق الفيلم من مدينة باتنة، تلك المدينة الداخلية التي ارتبطت في الأذهان كونها مسرح انطلاقة حرب التحرير، لكننا نراها هذه المرة في شكل مخالف، نرى فيها هزيمة التاريخ، من خلال شخصية سائق تاكسي، كان مناضلاً في الحرب مثلما شارك في حرب فيتنام، قبل أن يجد نفسه يشقى في كسب رزقه، صاغراً إزاء زوجته أيضاً، في ذلك المشهد يظهر الوجه الآخر للتاريخ، والانقلاب الذي حصل على من صنعوا حرب التحرير، ضمن هذا النوع من التناقضات يسير الفيلم، في فضح الشيزوفرينيا التي يحيا فيها المجتمع، هذا المجتمع الذي لم يفصل الفضيلة عن الرذيلة، والذي يعيش محبوساً في خيارات ضيقة، حيث الأفراد لا تهمهم القيم العليا بقدر ما يهمهم الحفاظ على صورة نظيفة عن أنفسهم في أعين الغير.
روائي جزائري