سومرست موم… أعمال تحتفي بالضعف الإنساني

«أعرف أنّ عدداً كبيراً من الناس ينتظر موتي لكي يكتبوا قصة حياتي، فقد طالت إقامتي أكثر من اللازم، وخيّبت آمالهم أكثر من مرة». هكذا كان يقول الكاتب الإنكليزي سومرست موم (1874 ــ 1965) قبل موته. لكن أحداً على وجه التحقيق لا يعرف حتى الآن من الذي سيكتب حياة موم، فالبعض يقول إنَّ المؤلف نفسه سيفاجئ العالم بقصة حياته كاملة، كما سجلها بقلمه هو. والبعض الآخر يقول إنه أوصى صديقه الحميم كارل بفَيفر أستاذ اللغة الإنكليزية في جامعة نيويورك، بكتابة تاريخ حياته وأعماله، وقد قال له في عام 1959: «ستكون رجلاً غبياً إذا لم تحاول أن تستغل صداقتك لي وتعكف على وضع مرجع دقيق لتاريخ حياتي تستطيع أن تجني من ورائه ثروة طائلة». ونشر كارل كتاباً عنوانه «صورة صادقة لسومرست موم».

الحياة

لقد تركت حياة هذا الكاتب بصماتها واضحة على مؤلفاته وأعماله الأدبية. فقد استوحى موم بعض موضوعات قصصه من حياته الخاصة، وكانت انفعالاته وأحاسيسه تنعكس على أبطال القصة، ففي «حد الموسى» كان بطل القصة حائراً يبحث عن المعرفة، ومن أجل ذلك طاف الدنيا كلها حتى قادته قدماه إلى الهند. وهكذا كان موم، فلم يترك بقعة من بقاع الأرض لم يزرها. كان يبحث عن شيء ضائع لا يعرفه أحد حتى ولا هو نفسه. وكان حائراً بين دراسة القانون والطب، وبين الكتابة والتأليف. فقد عشق «وِلِي» كما كان يدعوه أصدقاؤه، القانون، وكان حبّه لهذا النوع من الدراسات موروثاً عن أبيه وجده. لكن تأتأته جعلته يقف عاجزاً أمام تحقيق رغبته، فقد كان الكلام بالنسبة له عبئاً ثقيلاً.
وفي قصته «الضائعة» تتكرّر الصورة مرة أخرى، فقد اختار موم صبياً مصاباً بعاهة في قدمه، بطلاً لقصته الخالدة التي قرأها الملايين وشاهدوها على شاشة السينما في جميع أنحاء العالم. وقد نجح في أن يصف بقلمه عقدة الصبي الصغير الفقير، وحياة البؤس التي عاشها في طفولته، ثم مأساته عندما كبر وأحب وفشل في حبّه للمرأة التي أرادت أن تُصبح سيدة فَضلَّت الطريق، حتى إذا ما دنت ساعتها قالت تهمس في اذن صديقها الذي هجرته: «أريد أن أحقق أمنيتي في موتي. أرجوك أن تُعدَّ لي جنازة تليق بسيدة».
هل كان موم يصوّر حياته في هذه القصة؟ لقد أحبّ الكاتب الأديب وتزوج في عام 1915 وهو يعاني من عاهة التأتأة، لكن سفينة زواجه ما لبثت أن اصطدمت بالصخور، وغرقت السفينة وانتهى الزواج بالطلاق في عام 1927، بعد أن رزق بابنته ليزا.

المرأة

وكان موم كريماً وسخياً مع مطلقته سيري، تماماً كما كان بطل «الضائعة» مع فتاته التي أحبّها وفضلت حياة اللهو على بيت الزوج! وتغيرت نظرته للمرأة بعد تجربته المريرة مع سيرى، فكان يحقد عليها، ويرسم للمرأة صورة لا تسرّها.
سألوه يوماً: «لماذا تقسو على المرأة؟». قال: «لقد كنت أقول الحقيقة، لكن أين هو الإنسان الذي يحب أن يسمع الحقيقة عن نفسه، وخاصة إذا كان امرأة؟». لكن ليس معنى هذا أنَّ المرأة لم تكن تستهويه، فقد كان يُحبّها وينفر منها، يتودّد إليها ويحقد عليها، وكانت له صديقة في كل بلد يحط فيه رحاله، لكنه كان ينساها تماماً كما ينسى الرجل بدلته القديمة حين يخلعها. وكان يقول إنّه أحب أكثر من امرأة في أكثر من بلد من البلدان التي زارها. لكنه كان حبّاً يختلف عن تلك العاطفة النبيلة التي طالما تغنّى بها الشعراء. كان حب سومرست موم «لحوّاء» من ذلك النوع الذي ينتهي بانتهاء الهدف من غزو قلب المرأة الجميلة! وكان يقول إنّ حبّه لها كان دائماً من جانب واحد، فهو يعرف أن المرأة تنفر منه، لكنه كان يدفع لها دائماً بسخاء! وهذا في رأيه هو أطول أنواع الحب عمراً.

طاف سومرست موم حول العالم مرتين.. الأولى في شبابه بعد أن هَجَرَ الطبّ وتفرّغ للكتابة ودراسة الناس. والثانية عندما تقدمت به السن وجلس ينتظر الموت بلا مبالاة، فلمّا تأخر رحيله حَزم حقائبه ليقوم برحلة أخرى إلى الحياة.

الناس

وُلد سومرست موم في باريس في يوم ممطر من أيام شهر يناير/ كانون الثاني عام 1874، من أبوين إنكليزيين اختارا له اسم وليم. وكان يقول دائماً أنَّ مولده في العاصمة الفرنسية جاء صدفة، لكنها كانت صدفة سعيدة. فقد كان مقرراَ أن تسافر أمه إلى بلدها لتضع طفلها البكر هناك، لكن والده الذي كان يعمل مستشاراً قانونياً في السفارة البريطانية في باريس مرض فجأة قبل موعد ولادته ببضعة أسابيع، فاضطرت الأم إلى إلغاء رحلتها، وهكذا أطلق وليم صرخته الأولى في مدينة النور. وكبر الطفل «وِلِي» لكنه لم يكد يبلغ الثامنة حتى فقد أمه التي كانت تعاني من مرض السل، ثم مات والده قبل أن يُتم العاشرة. وكان لهذه الصدمة التي واجهته في سني حياته الأولى أثر كبير في إبعاده عن الله، فكان يقول لعمّه والدموع تملأ عينيه: «لماذا يُحرمني الله من أحب مخلوق لديّ في الوجود؟». وكان عمّه الذي تكفّل بتربيته رجلاً متديناً، لكنه كان قاسياً فظاً، فأسرع العم بإدخال ابن أخيه إحدى المدارس الداخلية في جنوب فرنسا. وبدأ موم حياته الجديدة في هذا العام الغريب منطوياً على نفسه. وكان طفلاً عليلاً ضعيف البنية مرهف الحس لا يكاد يقعده المرض، أي مرض، حتى يتصور أنّه قد أصيب بداء السل، وأنّه سيموت كما ماتت أمه من قبله. وأتمّ الشاب الصغير تعليمه الثانوي، ثم غادر فرنسا ليلتحق بكلية الطبّ في مستشفى «سانت توماس» في لندن بعد أن استبعد من ذهنه تماماً دراسة القانون. وبدأ وليم يدرس الطبّ والأدب الكلاسيكي في الوقت نفسه، ويكتب المسرحيات القصيرة التي تأثر فيها بالكاتب النرويجي إبسن، وكانت كلها من فصل واحد. وكتب قصته الأولى «ليزا أوف لامبيث» التي نشرت له في عام 1897. وقد نجحت المسرحية، وأثارت اهتمام الأدباء بالكاتب القصصي الناشئ.
تخرج الشاب ومارس الطب إلى حين، وأتاحت له هذه الفرصة مجالاً لم يكن في حسابه. فقد اكتشف وهو يعالج مرضاه عالماً جديداً غير عالم الأصحّاء الذين يلقاهم كل يوم. خبر الصورة الأليمة للبشرية المعذبة. كان يجلس في عيادته في المستشفى ويرقب المرضى الفقراء يترددون عليه، وفي عيونهم نظرة توسل واستجداء للدواء الذي سينقذهم من آلامهم. وكان يقول لأصدقائه: «لقد كانت تلك الأعوام أعظم تجربة مرّت بي في حياتي كأديب وكاتب. إنَّ السنوات التي أمضيتها في مستشفى سانت توماس، أمدتني بمعرفة للطبيعة البشرية. ولست أعرف تدريباً للكاتب أفضل من قضاء بضع سنوات في ممارسة الطبّ». لقد روّعه فقر مرضاه وأسقَمَهُ عذابهم الذي لا ينتهي. ومن حياة الطبيب سومرست موم وسط مرضاه خرجت أفكار عدد كبير من القصص التي كتبها وسجل فيها انفعالاته واختار أبطالها من بين المرضى والفقراء التعساء.
فلم يكن يهتم بالناس ككل، لكنه كان يهتم بهم كأفراد، كان ينظر إليهم كمادة ينسج منها قصصه، وكان يتعمّق في دراسة شخصية الأفراد الذين يلتقي بهم ويرقب تصرفاتهم وحركاتهم، دون أن يشعرهم بوجوده بينهم، وعندما يخلو إلى نفسه يستعيد ذلك الشريط الطويل من الانطباعات التي علقت بذهنه طوال اليوم، وفجأة يقف عند شخص معين أو مشهد محدد ترك في نفسه أثراً، ومن أحدهما أو من الاثنين معاً تُولد قصة موم الجديدة.

العالم

طاف سومرست موم حول العالم مرتين.. الأولى في شبابه بعد أن هَجَرَ الطبّ وتفرّغ للكتابة ودراسة الناس. والثانية عندما تقدمت به السن وجلس ينتظر الموت بلا مبالاة، فلمّا تأخر رحيله حَزم حقائبه ليقوم برحلة أخرى إلى الحياة. وفي هذه المرة لم يكن يبحث عن الناس، لكنه كان يريد أن يرى بعينين جديدتين ما رآه بعينيه منذ سنوات بعيدة وهو في سن الشباب. وآلمته الصورة الجديدة المهزوزة أمام عينيه الذابلتين، فأسرع عائداً إلى بيته في فرنسا، لقد خَمَدَ البركان!
وظلّت قصصه ومسرحياته حديث العالم كله، وقرأها عشرات الملايين، وقدر دخله بحوالي عشرة جنيهات في الدقيقة، كما قدرت ثروته بعشرات الملايين من الجنيهات، تلك التي صنعها بقلمه الساحر.
وفي عيد ميلاده التسعين، بقصره في الريفيرا الفرنسية، قرر أن يعتزل الكتابة، وكان ذلك في الرابع والعشرين من يناير سنة 1964، وقال يومها: «لقد جفَّ قلمي، وسأكتفي الآن بالقراءة». وقد أمضى سنوات حياته الأخيرة متنقلاً بين الفيلا التي يسكنها في جنوب فرنسا، والبيت الذي يملكه في ولاية كارولينا الجنوبية في أمريكا، والجناح الخاص الذي يستأجره في فندق دورشستر في لندن. فقد كانت بريطانيا ـ وطنه الأول ـ هي البلد الوحيد الذي لا يملك فيه بيتاً. كان يزورها كما يفعل أي سائح!
وإذا كان سومرست موم الكاتب الإنسان قد رحل في السادس عشر من ديسمبر/ كانون الأول 1965، فقد ترك وراءه ثروة من الأعمال الأدبية التي ستظل حديث العالم كله لأجيال طويلة قادمة. لقد خَمَدَ البركان، لكن أثره سيخلد على مرّ الأزمان.

صحافي سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية