باتت أسماء التفضيل مثل» أصغر وأقصر وأسرع وأكبر وأشد» من المعالم الرئيسة التي تهيمن على الواقع السياسي والاقتصادي في بريطانيا في عهد حزب المحافظين المتواصل منذ 12 عاما.
أولا: في المشهد السياسي
إن أصغر رئيس للوزراء في المملكة المتحدة منذ أكثر من مئتي عام هو رئيس الحكومة البريطانية الجديد ريشي سوناك البالغ من العمر 42 عاما وهو أيضا أول رئيس حكومة بريطاني من أصول آسيوية مهاجرة من الهند التي كانت يوما مستعمرة بريطانية.
وبات أقصرُ عهد لأحد رؤساء الحكومات السابقين هو عهد رئيسة الحكومة المستقيلة ليز تراس، إذ استمر حكمها 44 يوما فقط، وكانت عشرة أيام منها مخصصة للحداد العام في المملكة المتحدة بسبب وفاة الملكة إليزابيت الثانية .
أما أسرع معدل في تغيير رؤساء الحكومات منذ ما يقرب من مئة عام فكان من نصيب حزب المحافظين، حيث تعاقب على الحكم منهم ثلاثة رؤساء حكومات خلال أقل من شهرين هم بوريس جونسون وخليفته ليز تراس وصولا إلى ريشي سوناك، وإذا عدنا عدة سنوات إلى الوراء وأضفنا إسم تيريزا ماي وقبلها ديفيد كاميرون فهذا يعني أيضا أنه تعاقب على الحكم خمسة رؤساء حكومات خلال ست سنوات منذ العام 2016
وفي مقارنة بسيطة مع عهود سابقة، يظهرُ أنه تعاقبَ على حكم بريطانيا خلال فترة 28 عاما ثلاثة رؤساء وزراء هم مارغريت ثاتشر وجون ميجور وتوني بلير.
ثانيا: في المشهد الاقتصادي
تعيش بريطانيا أسوء أزمة اقتصادية بعد ازدياد نسبة التضخم إلى أكثر من 10 في المئة وبلوغ سعر الجنيه الاسترليني أدنى مستوياته منذ أربعين عاما، وهو واقع يشعر معه ريشي سوناك وقادة المحافظين بمدى المخاطر التي تواجهها البلاد والقرارات الصعبة الواجب اتخاذها وهو واقع يلخصه قول سوناك بعيد انتخابه «بأن بريطانيا تعاني أزمة اقتصادية عميقة».
ثالثا: تخبط حزب المحافظين من الداخل
يجمع كثير من خبراء السياسة في بريطانيا على أن أزمة حزب المحافظين بدأت فعليا عندما قادوا البلاد نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست» في الاستفتاء الذي جرى عام 2016 في ظل غياب خطة واضحة لتنظيم عملية الخروج بالاتفاق مع الاتحاد الأوروبي، وعدم جهوزية الأسواق البديلة القادرة على تعويض السوق الأوروبية من جهة، ثم اجتياح وباء كورونا للعالم عام 2020 وما تركه من تبعات اقتصادية مدمرة من جهة أخرى، وصولا إلى اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا وما تبعها من اشتعال لأسعار الطاقة إثر العقوبات الغربية والحظر على استيراد الغاز من روسيا.
السمة الأبرز التي طبعت سياسة حزب المحافظين في التعاطي مع تلك الأزمات كانت تغيير زعامة الحزب وبالتالي رئاسة الوزراء وكأنَّ الأمر متعلق بأزمة قيادة ومن يقود سفينة الخلاص إلى بر الأمان بين الأمواج المتلاطمة والمتعاقبة. فبينما عاشت حكومة ديفيد كاميرون ست سنوات، فإن حكومة تريزا ماي لم تصمد سوى ثلاث سنوات و11 يوما، ثم لم تستطع حكومة بوريس جونسون الصمود لأكثر من ثلاث سنوات و44 يوما عندما استقال في تموز/يوليو الماضي، لكن الصاعقة التي أذهلت الجميع هي أن حكومة ليز تراس لم تصمد سوى 44 يوما فقط، ومن غير المعلوم ما إذا كانت حكومة ريشي سوناك ستصمد حتى موعد الانتخابات العامة بعد سنتين أم لا، إذ أن المعارضة وعلى رأسها حزب العمال تدعو إلى إجراء انتخابات مبكرة لوقف ما تصفه حالة الفوضى التي تعم البلاد بسبب سياسة حزب المحافظين .
لكن المحافظين يرفضون الانتخابات المبكرة وخاصة أن استطلاعات الرأي تفيد أن حزب العمال يتقدم عليهم بأكثر من 30 نقطة في حال جرت الانتخابات الآن، وهذا يعني أنهم سيفقدون الغالبية البرلمانية التي يتمتعون بها في البرلمان البريطاني.
رابعا: سوناك خشبة خلاص المحافظين
لم يقبل المحافظون بسهولة الالتفاف حول ريشي سوناك، فهو خسر سابقا السباقَ نحو زعامة الحزب ورئاسة الوزراء عندما خاض المنافسة أمام ليز تراس قبل شهرين، فالأعضاء الناخبون في الحزب أعطوا ليز تراس الغلبة على سوناك خلال تصويتهم عبر الإنترنت في أيلول/سبتمبر الماضي. لكن بعد استقالة تراس بضغط من حزبها يوم الخميس 20 تشرين الأول/أكتوبر 2022 عمد حزب المحافظين إلى تغيير قواعد انتخاب خلفها إذ فرض على كل مرشح أن يحصل على العتبة المؤهِلة للترشح أو الفوز، وهي تبلغ 100 صوت من أصوات نواب حزب المحافظين في البرلمان، وسيتم اعتباره فائزا إذا لم يحصل أحد غيره على هذا العدد، أما إذا عبر أكثر من مرشح تلك العتبة، فيتم حينها انتخاب واحد منهم، وهكذا تم تهيئة الساحة أمام ريشي سوناك لحسم الأمر سريعا لصالحه وعدم الرجوع إلى القاعدة الناخبة المنتمية إلى الحزب، فتلقى سوناك دعم 194 نائبا بالتزامن مع انسحاب بوريس جونسون من السباق «لأن الوقت غير مناسب برأيه».
ثم انسحبت المرشحة بيني موردونت، زعيمة مجلس العموم من السباق أيضا بعدما عجزت عن الحصول على دعم 100 نائب من المحافظين لإكمال المنازلة أمام سوناك قبل الساعة الثانية بعد ظهر الإثنين الماضي .
أظهر ترتيب الأمر بهذه الطريقة أن حزب المحافظين يريد الظهور في موقف موحد بعدما ظهر منقسما من الداخل سواء في دعمه ليز تراس ثم إجبارها على الاستقالة سريعا، أو بالدفع نحو إعادة بوريس جونسون ثم التراجع عن ذلك بسبب ضعف جونسون أمام الرأي العام نظرا لإدانته بانتهاك قوانين التباعد الاجتماعي أثناء الإغلاق العام في فترة جائحة كورونا وتحديدا في القضية المعروفة بحفلة عيد ميلاده في مكتب رئاسة الوزراء عام 2020.
وما رفع من أسهم سوناك أيضا هو تخصصه في عالم المال والأعمال لكونه عمل سابقا مصرفيا قبل أن يتم توزيره على رأس الخزانة في حكومة بوريس جونسون عام 2020 لكنه استقال من تلك الحكومة في شباط/فبراير عام 2022 بعدما اختلف مع جونسون بسبب سياسته المالية .
ومن هنا تبدو مراهنة المحافظين على خطة ريشي سوناك المالية لانقاذ البلاد من التدهور الاقتصادي الذي تعانيه، ولكونه حظي بشعبية خلال فترة جائحة كورونا عندما طرح خطة لدعم الشركات وقطاع الأعمال بلغت كلفتها 350 مليار جنيه إسترليني منعا لانهيار الشركات وما يتبعه من زيادة العاطلين من العمل .
لكن المحافظين هم أنفسهم الذين انقلبوا على رؤساء حكوماتهم السابقين ليز ترس وبوريس جونسون وتيريزا ماي، ولا يبدو أن ريشي سوناك قد يكون استثناء إلا إذا استطاع أن يحقق للمحافظين ما يشبه المعجزة ليستعيدوا قوتهم ويوحدوا صفوفهم تمهيدا لكسب معركة الانتخابات العامة بعد سنتين .
خامسا: سهام حزب العمال ضد سوناك
يرى حزب العمال وعلى رأسه كير ستارمر «أن تغيير الأشخاص في قيادة حزب المحافظين لن يوقف الفوضى القائمة التي تسبب بها سياستهم، وأن الحل يكمن في اللجوء فورا إلى الشعب لانتخاب قيادات جديدة عبر انتخابات مبكرة».
وسارع سوناك إلى رفض تلك الدعوات، لكنه لم يسلم من سهام زعيم العمال عندما أخذ عليه قيامه بإعادة توزير سويلا برايفرمان في وزارة الداخلية علما أنها كانت استقالت قبل أسبوع فقط من ذات المنصب في حكومة ليز تراس، وكان رد سوناك أن برايفرمان اعترفت بخطئها وأنها ذات كفاءة للمحافظة على أمن بريطانيا وحدودها من الهجرة (غير الشرعية).
ومعلوم أن وزيرة الداخلية متحمسة جدا لتنفيذ خطة ترحيل المهاجرين غير الشرعيين إلى راوندا في أفريقيا، وهي الخطة التي تلقى معارضة من المدافعين عن حقوق الإنسان، وكانت استقالت من حكومة تراس بحجة أنها قامت باستخدام بريدها الشخصي في إرسال وثائق حكومية، لكنها وجهت في رسالة الاستقالة انتقادات إلى رئيسة الحكومة وأعربت عن خشيتها من السياسة التي تقود بها البلاد.
وسيكون ملف تنظيم الهجرة أحد الملفات البارزة نظرا لأهميته بعدما أظهرت الدراسات حاجة بريطانيا إلى أعداد كبيرة من المهاجرين من ذوي الكفاءات للعمل في قطاعات الاتصالات (وخاصة الإنترنت عالي السرعة) والزراعة والصناعة والخدمات .
وتطمح وزيرة الداخلية إلى الحصول على صلاحيات جديدة تخولها منع المهاجرين القادمين من شمال فرنسا عبر القنال الإنكليزي (بحر المانش) من التقدم بطلبات اللجوء.
وهناك تقديرات ببلوغ أعداد المهاجرين عبر القوارب إلى ستين ألفا حتى نهاية العام بعد ما تم تسجيل وصول 30 ألفا خلال الأشهر المنصرمة منه .
واللافت أن وزيرة الداخلية هي أيضا بريطانية من أصول مهاجرة من الهند، فهي مولودة في بريطانيا لأبوين هاجرا من كينيا وموريشيوس في ستينيات القرن الماضي. مع العلم أيضا أن رئيس الحكومة ريشي سوناك هو بريطاني – آسيوي -هندي، وكذلك فإن رئيس بلدية العاصمة لندن صادق خان هو بريطاني آسيوي- باكستاني، وهذا بحد ذاته دليل على حاجة البلد لأصحاب الكفاءات من المهاجرين .
وليست إعادة توزير برايفرمان على رأس وزارة الداخلية هو الملف الوحيد الذي سترفعه المعارضة في وجه ريشي سوناك، بل هناك ملفات أخرى من بينها أنه كان من بين الحاضرين في حفلات بوريس جونسون أثناء الإغلاق، وأن زوجته كانت متهمة أيضا بالتهرب الضريبي وإيداع أموال طائلة خارج بريطانيا.
كما أنه من غير المعلوم ما هي الإجراءات التي سيتخذها سوناك للجم التضخم وإعادة الثقة بالاقتصاد البريطاني بعدما فقده جراء سياسات ليز تراس التي أدت خطتها المالية إلى تدهور سريع في الاقتصاد بعد اعتمادها سياسة خفض الضرائب وهو ما أثار قلق الأسواق بشأن إمكانية حصول عجز حكومي عن الوفاء بالالتزامات المالية نتيجة نقص الإيرادات .
سادسا: سوناك وحرب روسيا في أوكرانيا
لا تنفضل العوامل الخارجية عن تفعيل أزمة بريطانيا الداخلية وخاصة الحرب في أوكرانيا لأن لندن منخرطة تماما كما واشنطن في دعم كييف ضد موسكو.
وهذه السياسة متفق عليها داخل حزب المحافظين وليس لسوناك إلا اتباعها والاستمرار فيها، لكن استمرار تلك الحرب وما يرافقها من اضطراب أسواق الطاقة العالمية وتأثيرها المباشر على ارتفاع الأسعار وزيادة نسبة التضخم، قد يؤدي إلى تقويض خطة سوناك الاقتصادية .
وهناك مثال على ذلك شهدته حكومة ليز تراس حيث أن ما أقرته من مساعدات مالية لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة، تبخرت عمليا في الزيادة المضطردة لارتفاع الأسعار.
سابعا: بريطانيا والعالم العربي
ستسعى بريطانيا في عهد سوناك إلى تعزيز علاقاتها مع الدول العربية وخاصة الخليجية منها في ظل المساعي لتعزيز التجارة الحرة واكتساب مصادر جديدة للطاقة ومنها الغاز تحديدا لسد حاجتها منه في ظل أزمة الطاقة العالمية، ويبدو أن من مصلحة حكومة سوناك أن لا تقع فيما وقعت فيه حكومة ليز تراس بشأن إعلان نيتها بمراجعة موقع السفارة الإسرائيلية في تل أبيب ونقلها إلى القدس المحتلة حيث تم اعتبار ذلك التوجه بأنه يضر بالمصالح البريطانية مع العالم العربي والإسلامي بما فيها اتفاقية التجارة الحرة مع الدول العربية في الخليج .
ولاقت ليز تراس حينها سيلا من الانتقادات من أحزاب المعارضة والصحافة البريطانية والجاليات العربية والإسلامية، وكلها أجمعت أن نقل السفارة البريطانية إلى القدس يتنافى مع دعم بريطانيا لقرارات الأمم المتحدة بشأن حل الدولتين .
وسيكون من المناسب أن تأخذ الحكومة البريطانية الجديدة بنظر الاعتبار ما أقدمت عليه أستراليا وهي إحدى دول الكومنولث التابعة للتاج البريطاني حيث أعلنت الحكومة العمالية بتاريخ 18 من شهر تشرين الأول/اكتوبر الحالي عن سحب اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، فابطلت بذلك قرارا كانت اتخذته الحكومة الاسترالية المحافظة السابقة قبل أربع سنوات .
ثامنا: حكومة سوناك
واتفاقية التجارة مع الهند
لا شك أن سوناك سيعطي أولوية لعلاقة بريطانيا مع موطنه الأصلي الهند، فهناك اتفاقية تجارية هامة يتم العمل عليها منذ عهد بوريس جونسون، وتم مواصلة بحثها خلال الفترة القصيرة لحكومة ليز تراس، لكن الإشكالية كانت تتمثل في وضع ضوابط لجهة سقف للعدد المسموح به من الهنود للهجرة إلى بريطانيا للإقامة والعمل فيها، وكانت حجة حكومة تراس في ذلك أنه لا يمكن فتح البلاد من دون ضوابط أمام الهجرة من بلد يفوق عدد سكانه مليار نسمة .
أخيرا: يمكن القول إن حل الأزمة الاقتصادية العميقة التي تحدث عنها سوناك سيكون رهنا بحل أزمة المحافظين الداخلية والسيطرة على التضخم، وطبيعة إدارة بريطانيا لعلاقاتها التجارية والاقتصادية الخارجية في ظل تحالفها المتين مع الولايات المتحدة الأمريكية.