علي شعيب. اسم ظهر في شوارع بيروت أخيراً، خصوصاً مع الهجوم على بعض مصارفها وتكسير واجهاتها. كان الاسم وحده، من دون أي إضافة، بياناً سياسياً. وجد الإعلام اللبناني نفسه عالقاً في العام 73، وبالتحديد في يوم الهجوم على “بنك أوف أميركا” من قبل “الحركة الثورية الاشتراكية”، حين ظهر اسم شعيب مع رفاق له مدوياً في نشرات الأخبار.
المجموعة احتلت البنك، بطوابقه الثلاثة، احتمت بعشرات الرهائن، مع مطالب غامضة، فمرةً قيل إنه “احتجاج على النظام المالي العالمي”، ومرة إنهم طالبوا بتحويل أموال للجيش المصري، الذي كان يخوض أيامها “حرب تشرين”، إلى جانب المطالبة بإطلاق معتقلين لدى السلطات اللبنانية. انتهت العملية على نحو مأساوي، لكن، كما هو واضح، بقي الحدث حاضراً في ذاكرة اللبنانيين، شأنه شأن أشياء كثيرة تستعاد على الفور، كلما دعت الحاجة.
البعض جادل على طريقته، فاستعاد أغنية مارسيل خليفة “يا علي”، والتي كتبها حينذاك الشاعر عباس بيضون في رثاء مواطنه علي شعيب، وكان ذلك كافياً أيضاً لاستشراف ما ترمي إليه طموحاتهم، ولا يمكن أن يكون هؤلاء قد استخدموا الأغنية على نحو ما تغنيها أجيال من اللبنانيين والعرب مجردةً إياها من الحدث الأصلي، وحتى من الشخصية المقصودة.
النقاش حول علي شعيب اليوم، لم يعد مجرد قراءة نقدية في قصيدة أو أغنية، بل هو جدل حول العنف وضروراته على جانب من ثورة أعلنت سلميتها، ولا يبدو أن عنف السلطات سيتركها على هذا الحال.
لا يهتم هؤلاء بأن بيضون نفسه قال عن القصيدة لاحقاً (لمجلة الوسط المحتجبة) “هي رثاء لمناضل اسمه علي شعيب، قتل أثناء الهجوم على البنك الأمريكي ولم أكن أعرفه. لكنني كتبت في رثائه قصيدة هي مديح للإرهاب عملياً”. وحينما يسأله محاوره (الشاعر حسين بن حمزة) “هذا الكلام يفاجئ قرّاءك، وأنا منهم! هؤلاء يسمعون “يا علي” بوصفها شكلاً من أشكال إعادة اعتبار تاريخي إلى الجنوب اللبناني”، يجيب “هي إعادة اعتبار تاريخية للجنوب، من محلّ إرهابي. هي دعوة إلى الجنوب الإرهابي، دعوة للجنوب الغاضب والمتمرد، جنوب قطاع الطرق والإرهابيين، هؤلاء هم الممجدون في القصيدة أصلاً. إرهابيون وقطاع الطرق كانوا كرامة الجنوب. الجنوب الذي كان في حالة طوارئ دائمة في لبنان، وكان محل مهانة مستمرة. القصيدة كانت قصيدة كرامة، وتاريخ الكرامة كان تاريخ الارهاب في بسيط العبارة”.
لكن النقاش حول علي شعيب اليوم، لم يعد مجرد قراءة نقدية في قصيدة أو أغنية، بل هو جدل حول العنف وضروراته على جانب من ثورة أعلنت سلميتها، ولا يبدو أن عنف السلطات سيتركها على هذا الحال. لكن، وكما أكد الكاتب حازم صاغية في منشور له، هنالك فرق بين العنف “كاضطرار قد لا يكون منه بدّ كعمل دفاعيّ محدود وعابر وبين العنف كعمل مجيد”.
الشعار النافر في لونه الأحمر على جدران المصارف، كما الاستعادة القصدية للأغنية، الآن وهنا، ما هو إلا بيان في تمجيد العنف. فمن يريد لموجة احتجاز الرهائن وتعريض أرواح الناس للقتل أن تعود، مهما كان المقصد نبيلاً!
درس في الحرية من موسكو
“عبر العظام. كيف تمّ تجنّب حظر الموسيقى في الاتحاد السوفييتي؟”، عنوان تقرير مصور جميل لـ “سي أن أن” يعود إلى خمسينيات الاتحاد السوفياتي الراحل باحثاً “عن الطرق العديدة والمبتكرة التي تجنب فيها الناس قوانين الرقابة الصارمة، التي فرضتها الحكومة السوفياتية”، هذه التي اعتبرت “الموسيقى معاديةً للفكر وتشجع على السلوك غير المرحب به، ونتيجة لذلك حظرت هذه الموسيقى الهدامة”.
يقول التقرير إن شخصاً عبقرياً اكتشف أن بإمكانه تسجيل الموسيقى على سطح ورقة فيلم الأشعة السينيّة، وبالفعل، بدأ عديد من الأشخاص ابتكار آلات التسجيل الخاصة بهم، وأصبح ذلك ثقافة سرية. وحسب التقرير فـ “في الأزقة المظلمة باع المهربون أصوات الفيس بريسلي وتشارلي باركر على مطبوعات الأشعة السينية للأحواض المكسورة والأكتاف الملتوية”.
هكذا نصل إلى فقرة رائعة من التقرير تقول “حتى بعد انقضاء زمنها كان هناك شيء مؤثر ورومانسي وشاعري حول هذا التصادم بين الجوانب المادية لكونها (الأسطوانة المسجلة) شعاعاً سينياً للجسم ومحتوى الموسيقى. والتي عادة ما نربطها بالروح والقلب”.
لقد تحايل أبناء ذلك البلد على أعتى الرقابات في العالم فأبدعوا أجمل أشكال التحايل. لكن لا يبدو أن ورثة ذلك النظام الرهيب قد تعلموا الدرس.
بحسب الخبراء الروس!
على موقع “سانا”، وكالة أنباء النظام السوري، سنجد في باب الفيديو عناوين جديدة متلاحقة ومتقاربة لفيديوهات في عناوين تقول: “خبيران روسيان: وجود قوات أجنبية في سورية دون موافقة حكومتها احتلال”.
و”خبير روسي يشدد على ضرورة العمل لإخراج قوات الاحتلال الأمريكي من كل الأراضي السورية”، ثم “خبراء روس: الوجود التركي والأمريكي في سورية والمنطقة غير شرعي”.
عناوين تدفع للسؤال لماذا يريد إعلام النظام أن يحمّل رغباته ويسوقها على ألسنة المسؤولين والخبراء الروس. ثم لماذا يجد أن من حقه وحده أن يشرّع هذه العدد من الاحتلالات، من الروس إلى الإيرانيين، إلى اللبنانيين (حزب الله)، والأفغان. ألا يخجل النظام، في عجقة الاحتلالات أن يسمي جهة واحدة فقط، أو اثنتين!
كوكب الشرق
“كوكب الشرق”، أم كلثوم، تتعرض لهجمات متلاحقة من السياسي الكويتي والأكاديمي الكويتي عبدالله النفيسي، فبعد أن قال منذ شهور إنها “حوّلت العالم العربي إلى غرزة حشيش”. ظهر في مقابلة جديدة ليؤكد أنها “مجرد مغنية”، وأنّ فنّها “للإيجار”، وأنها “متناقضة لأنّها غنّت قبل الثورة للملك فاروق وبعدها لعبد الناصر ووصفت عهده بأنه عهد الحريات”.
من حق السياسي الكويتي أن يكون له رأيه في سيدة الغناء العربي، أن ينتقد غناءها في بلاط الملوك والرؤساء مثلاً، فلا شك أن لا تقديس لأحد، لكن ما قيل هو خارج أي منطق أو انتقاد عاقل
الأخطر من الاتهامات هو جوابه للمذيع حين قاطعه معترضاً على وصفه لأم كلثوم بـ “السيدة”: “ليست سيدة، بل هي سفيرة الفساد”.
من حق السياسي الكويتي أن يكون له رأيه في سيدة الغناء العربي، أن ينتقد غناءها في بلاط الملوك والرؤساء مثلاً، فلا شك أن لا تقديس لأحد، لكن ما قيل هو خارج أي منطق أو انتقاد عاقل، إنه شتم وتحقير وتنكيل بفنانة عظيمة كانت مالئة دنيا العرب بتحف ولا أجمل. وعلى أي حال، هي ظاهرة خالدة لن يضيرها سطران إضافيان من كلام رديء، قيل في حياتها، وبعد موتها.
كاتب فلسطيني سوري