«سيدة القاهرة»… فيلم يسرا الذي أفسده المخرج وتبرأ منه كل أبطاله!

في عام 1990 أنتج فيلم «سيدة القاهرة» الذي كتب له السيناريو السيناريست بشير الديك وأخرجه المخرج المغربي مؤمن السميحي، وقد دارت أحداث الفيلم حول محطات رئيسية ومهمة في عمر مصر، بداية من نكسة 67 وانتهاءً بنصر أكتوبر/تشرين الأول 1973 مروراً باغتيال الرئيس السادات في حادث المنصة الشهير عام 1981.
وحسب المُعطيات المكتوبة، والمراحل الزمنية الحساسة التي انطوت على الكثير من المُشكلات والعقبات والانتصارات، كان طبيعياً أن يتضمن الفيلم ما يشبه الوثائق التاريخية المصورة الدالة على دقة الأحداث والظروف التي مرّت بها مصر في تلك الأثناء، وربما ذلك ما شجع بشير الديك ككاتب للسيناريو على التجربة، فأفنى فيها وقتاً وجهداً كبيرين لتخرج إلى النور كعمل سينمائي مُعتبر، يُمثل شهادة عصرية حية على ما جرى من وقائع النكسة ومرارتها وحُلم النصر الذي تحقق بعد طول انتظار، كما يُدقق في ملابسات اغتيال الرئيس السادات، ويُلقي الضوء على بعض التفاصيل كي تكتمل الرؤية، فيُصبح الفيلم شاملاً وغنياً ودالاً على ما يُشير إليه، إذ لا مبرر لإنتاجه غير أن يكون وافي المعاني مُحيطاً بكل ما ورد داخل السياق الدرامي، سواء المُتصل منه بالرؤية السياسية، أو ذلك التدبيج التجاري لقصة صعود الفتاة الفلاحة الجميلة، التي تهوى الغناء وتطمح إلى الشهرة وتقف التقاليد الريفية حائلاً أمام تحقيق حُلمها.
لكن شيئاً ما حدث نتيجة تزاحم الأفكار واختلاطها قلب الطاولة على المخرج المغربي مؤمن السميحي فتبرأ كل أبطال الفيلم من أدوارهم، حيث لم يكن هناك اتساق في الفكرة ولا تجانس في الأحداث، فالربط بين النكسة والانتصار وحادث اغتيال الرئيس كان تعسفياً ولا يستند لأي متكآت موضوعية تجيز امتداد الخط الدرامي بالكيفية التي جاءت وأظهرت العيوب الفادحة في الإخراج والمونتاج، لاسيما وأن مسيرة البطلة التي جسدت دورها يسرا كانت مُرتبكة إلى حد كبير، فالشخصية مشوشة ومحاصرة بالرفض والكراهية من جانب الأهل والأقارب، حتى الأخ الوحيد عبد العزيز مخيون، الذي تتعلق به عاطفياً يمضي في مسار آخر، وينتهج المبدأ الاشتراكي، إيماناً بالعدالة الاجتماعية، لكنه في الوقت ذاته، يمر بظروف نفسية قاسية تؤدي به إلى الاضطراب، وبكثرة الضغوط تزداد حالته سوءاً ويموت مقتولاً، دون إبداء أسباب موضوعية لهذا المصير المفاجئ. كما أن الأدوار الرئيسية الأخرى لجميل راتب، ذلك «البيك» الإقطاعي الذي أحب الفتاة وآمن بموهبتها وتزوجها، ومثيله نبيل الحلفاوي الصحافي الشريف الداعم لها أيضاً بدوافع إنسانية وعاطفية، لم تكن أدوارهم عميقة بالقدر المطلوب، فهي رغم أهميتها بدت سطحية وهامشية ولا تُفضي لشيء ذي قيمة، لا على المستوى الدرامي ولا المستوى الإنساني ولا السياسي ولا التاريخي، باعتبار أن السيناريو يشمل كل هذه الأبعاد وكان ضرورياً أن يضع المخرج كل ذلك في الحسبان فيكون التضفير والتفعيل مُحكمين ومُقنعين.
لكن واقع الحال في الفيلم والطريقة التي تم تنفيذه بها جعلته أقرب إلى البانوراما الخفيفة لحكايات مُنفصلة غير مُتصلة، تفتقد إلى أدوات الربط المنطقية بخلاف شخصية البطلة التي جعلها مؤمن السميحي عاملاً مُشتركاً في كل المشاهد، مُعتبراً إياها رمزاً لمصر رغم انتفاء الحيثيات التي تُشير إلى ذلك، اللهم غير تلميحات ساذجة لحيرة الفتاة الريفية المُتطلعة المُحافظة المُثقلة بالهموم والأعباء، القريبة في طبعها للسخاء والعطاء والتضحية، لكن كل هذه الخصال والصفات لم تكن كافية للربط بين الشخصية المحورية ودلالتها الرمزية الافتراضية، لأن الإشارات كلها جاءت ضعيفة وواهية.
وما يؤكد سذاجة الفكرة من البداية للنهاية، أنها بُنيت على تناقضات لا على حقائق، فهناك رفض طبيعي للنكسة، وتلويح بصورة عبد الناصر كزعيم عروبي قومي، وفي السياق نفسه تجاهل مقصود، أو غير مقصود لحرب الاستنزاف وإعلاء من شأن الرئيس السادات، ثم ورود لحادث اغتياله قبيل نهاية الفيلم بدقائق معدودة كأنه نتيجة أو ثمن للأخطاء التي ارتكبها.
تشكيل درامي تراجيدي موجع، ونظم على قوافي النشاز السياسي أدى إلى توهان المعنى داخل التفاصيل، وبدد الفكرة الإبداعية برُمتها فذهبت جهود كل العاملين في الفيلم هباءً منثوراً، وزاد على ذلك وجود الوجه الجديد محمود حميدة آن ذاك في دور هامشي لا محل له من الإعراب، كبديل للحب المفقود لدى البطلة وتوظيفه كشخصية تملأ بها فراغها العاطفي، في حين أنها لا تُعيره اهتماماً حقيقياً ولا يمثل بالنسبة لها أكثر من مجرد إمعة يتبع خطاها ويرافقها أينما ذهبت لقاء سهرة أو تلويح كاذب بالحب.
لقد ظل فيلم«سيدة القاهرة» مُهملاً لمدة تزيد على ثلاثين عاماً نتيجة عدم الترحيب به واعتباره من وجهة نظر كاتبه وأبطاله غلطة العُمر التي يجب نسيانها أو تناسيها، وقد حدث بالفعل فبمرور الوقت بات الفيلم المذكور هو والعدم سواء!

‏كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية