سيد ضيف الله في «السرد والخصوصية الثقافية»: إشكالية المنهج والمقاربة

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في كتابه «السرد والخصوصية الثقافية» لا يعتمد سيد ضيف الله على نظرية واحدة، ولكن على مجموعة نظريات متداخلة ومتشابكة، منها النقد الثقافي والنسوية وأدب ما بعد الاستعمار. وفي الكتاب محاولة جادة للاشتغال على هذه النظريات في إطار تجليات نصية سردية من خلال تخصيب المفاهيم، للوصول إلى خصوصية سردية في هذه الأعمال، ومن ثم هناك تركيز على مفاهيم بعينها مثل المركز والهامش، والنسق الثقافي، ومفهوم السلطة أو القوة، والتمازج الثقافي، وكلها مصطلحات وثيقة الصلة بنظريات ما بعد الحداثة.
الكتاب يتجاذبه اهتمامان أساسيان: الأول منهما الوعي الخفي بالنظرية وحدودها واصطلاحاتها، والآخر الوعي اللافت بالأعمال السردية، في سياق محاولة دمجهما في الإطار الكتابي والبحثي. والكتاب مكوّن- فيما أظن – من دراسات مفردة، أوجد لها الباحث إطارا يجمعها لتوحيد اهتمامها ونزوعها نحو موضوع محدد، ولهذا قد يجد القارئ بعض القلق في الترتيب، وأن الفصل الأخير (النظام العالمي للرواية) له الحق والمشروعية أن يكون في البداية، لأنه-إذا صحت فرضيته البحثية – يمكن أن يكون فرشة جيدة للموضوع، وأن يكون نقطة انطلاق للمقاربة سواء داخل الثقافات المركزية والمحلية، أو داخل الثقافة الواحدة، أو داخل النمط الثقافي الشعبي.

منطلقات الاشتغال والفرضيات

قيمة المقاربة النقدية في هذا الكتاب – وخاصة في الجزئيات الخاصة بيحيى مختار وسعاد سليمان – تتمثل في كونها تعاملت مع النصوص على أنها بنيات مفتوحة متجاوبة، فالأنساق ليست كاملة التشكيل في كل قصة في تناقضها وتآزرها، لكنها تتشكل في الإطار الكلي لقصص المجموعة أو في مجمل الروايات. وقد كفل له ذلك الإشارة إلى الاستراتيجية السردية المرتبطة بالأنساق، وكأن هذه الاستراتيجية لها قدرة على السيطرة، وتوجيه الحركة، لأنها الجذر المغذي للخيارات، والأداة الأولى في تشكيل البناء السردي. وهذا التناول له قيمة في جرح الانعزال بين القصص، وإزالة الحواجز، بالإضافة إلى توليد نوع من التعاضد والتكامل بين هذه الأنساق.
الهوية السردية هي لبّ مشروع الكتاب، وهي فرضيته الأساسية استنادا إلى خصوصية ثقافية، ولكن هل اقترب هذا الكتاب بما يكفي لتجلية المصطلح، وجعله حاضرا واضحا، سواء في توزعه بين منحى فني ومنحى أيديولوجي سياسي قائم على فكرة السلطة أو القوة، أو في انحيازه لواحد منهما. ففي ظني أننا لا نستطيع مهما حاولنا الانطلاق من تجليات فنية في الحديث عن هوية سردية وتأسيسها لا نستطيع أن نغفل أثر السياسة والماضي السحيق والقوة والسلطة في تشكيل الهوية السردية الثقافية وارتباطها بأنساق جاهزة.
هل توصلت الدراسات إلى خصوصية فعلا؟ أعتقد أن هذا الإجابة عن هذا السؤال ليست يسيرة، لأننا نجد الدراسات تستند إلى الجزئي، ولا تقوم بتطوير هذا الجزئي للوصول إلى نسق فاعل. ففي دراسته عن يحيى مختار تأتي جزئية الولي أو التصوف للإشارة إلى التميز الديني وإن كانت غير دالة تمام الدلالة على الأمر، ويتجاوب معها في الجزء الخاص بسعاد سليمان (حكاية العابد الذي مشى على الماء) في قصة (صلاة القلوب)، بل في جزئيات أخرى يشتم القارئ مساحة لتأليه هذه المعرفة الغيبية، في مقابل تغييب العقلاني، وكان هذا مدخلا جيدا للبحث عن الخصوصية، حتى لو كان جاهزا، فإنه يظل مهما في تشكيل خصوصية ثقافية مرتبطة بخارج أعلى غير ملموس، وفي ذلك تغييب للفاعلية البشرية، وارتكان للثبات والانتظار.
في ظل انطلاق الكتاب في مقاربته النقدية من مفهوم الخطاب، والتمثلات السردية، ووجود أنساق متجاوبة أو متبابنة، سواء من خلال الأفراد، أو من خلال القوى المهيمنة بين الدول وسطوتها في تشكيل أفق يلهث وراءه الجميع على كل المستويات، يلتحم الداخل النصي بالخارج السياسي والاجتماعي، ويصبح الفن بشكل عام – والفن الروائي بشكل خاص- وثيق الصلة باستراتيجية سردية، ليست نتاج ثقافة محلية، أو نتاج سياق أو نسق محلي، لأنه مشدود إلى الأيديولوجيا الجمالية المهيمنة لمفهوم الفن، ولمفهوم الرواية، المشدود إلى نظم سياسية وثقافية، وإلى سياسات القوة والسلطة، وهي أيديولوجيا تسهم في صناعة الذوق المتغير للقبول أو الرفض.
وفي ذلك السياق يأتي الحديث عن فرضية (أممية الرواية)، أو (الأيديولوجيا الجمالية للرواية)، وهو حديث يستند إلى مفهومي (الأدب المقارن)، و(الأدب العالمي) في صيغته الألمانية وفكرة السمو العرقي، وتتلخص في ميلاد سقف فني في كل فترة زمنية يتمّ التوجه إليه، ويتغير حسب حركة النوع، وتغيّر الذوق والنظريات الأدبية والسوق العالمي. وأعتقد أن الأمر كان بحاجة إلى توجه يضاف إلى التوجه الموجود بالكتاب، فحركته في مقاربة الموضوع تأتي من الأعلى إلى الأسفل، في تجذير قيمة وأثر السقف الفني، والأمر كان يحتاج إلى نظرة أخرى من الأسفل إلى الأعلى، أي بالكيفية التي تقاوم أو تستقبل الأطراف سطوة النسق الفني.
المقاربة في هذه الجزئية كانت تحتاج إلى فكرة (التمثل) الخاص بالنوع الأدبي، واختلافه من مرحلة زمنية إلى أخرى، فالفارق الزمني مهم في تأسيس تمثل مغاير، بحكم التراكم، وبحكم البحث عن هوية فنية، خاصة أن الباحث أشار إلى فكرة قطع الصلة بين الأمم وتراثها السردي، ومحاولة تفتيت أية هوية قومية، في مواجهة الأشكال الغربية الحديثة للسرد، بوصفها نموذجا مفروضا على الأدباء في بقية البلدان، وارتباطهم بهذا النموذج، وسيرهم على منواله، في إطار فكرة التبعية.
ففكرة التمثل كانت تتطلب- فوق ترسيخه للفكرة التي عمل عليها باجتهاد لافت- مقاربة لبعض مشاريع الكتّاب العرب، حتى تتجلى قيمة منجزهم اقترابا أو بعدا عن هذا النظام العالمي أو التوجه الأممي للراوية، خاصة في ظل اعتبار الشكل جزءا من هذه الأيديولوجيا، واعتبار الموضوع أو السؤال: أين يسكن الفن في مرحلة ما؟ جزءا أساسيا لتطور هذه الأيديولوجيا من فترة إلى فترة، وهذا لن يتمّ إلا من خلال مقاربة أشكال التمثل أو الحوار أو التفاوض بين نسقين قربا أو بعدا أو إزاحة.

إشكالية المنهج والمقاربة

في أجزاء كثيرة من دراسات الكتاب هناك اعتماد على النموذج الجاهز والأكثر حضورا، وهو نموذج المركزية الغربية في مقاربة وصناعة المركزية النوبية المتخيلة، خاصة في عالم يحيى مختار، والوصول في النهاية إلى حكم يربط بهشاشة الموضوع وزيفه. فحين يطبق أسس تشكيل المركزية الغربية على تشكيل المركزية النوبية يعتمد على التمايز العرقي والتمايز الديني بوصفهما أساسين فاعلين في تجذير المركزية الغربية، ولكن تطبيق ذلك على المركزية النوبية يحتاج إلى إعادة نظر، لأن المركزية الغربية مركزية سلطة وقوة، ومركزية النوبيين من خلال شخصية (عثمان حجية) مركزية مقاومة، وهناك فارق شاسع بين الاثنتين، فالمهمش الضعيف يصنع مركزية متخيلة للاستقواء.
المشابهة بين المركزية الغربية والمركزية النوبية في التفوق العرقي والديني كانت تحتاج إلى شيء من التروي، لأنه تشابه ليس على إطلاقه، والصوفية – بوصفها بديلا أو أداة للتمايز الديني – أداة تسليم وثبات، ومن ثم هي مغايرة للمركزية الغربية، فالتصوف ينتج بشرا يتكلون على السماء، مما يجعلهم خارج الفاعلية الواقعية. لكن المركزية الغربية تبني تمايزها الديني من التطابق مع المسيحية بوصفها إطارا شاملا دون خصوصية فردية، لكنها في التصوف النوبي تتجلى في شكل أفراد يمارسون نوعا من السطوة الخفية على الأفراد العاديين، فالأفراد مع المركزية الأوروبية يطلون في حرية، لكنهم مع الأخيرة يتجلون مشدودين إلى نسق فردي، وإلى قوى غيبية، فنجدهم يتسمون بسمات خاصة.
وثمة جزئية أخرى تتعلق بالمنهج، فقد يبدو للقارئ أن آليات النقد الثقافي – وتوجهات نقدية أخرى بالضرورة – متجذرة في المعنى أو الدلالة، ومن ثم تتأثر المقاربة النقدية بذلك، فيشعر القارئ بالانصياع وراء المعنى ومحاولة صنع إطار يتساوق مع السرود الأدبية، والانشداد وراء حديث خارجي خاص بالسياقات السياسية والاجتماعية لتشكيل الفكرة وارتباطها بالأعمال الأدبية.
وفي بعض الأحيان قد يتجلى لقارئ الكتاب نوع من الرؤية التي قد تضيف إلى التأويل المقترح، ومن خلاله تتولّد إضافة تثري المقاربة النقدية. فشخصية (الغريب) في رواية يحيى مختار في تمددها الزمني الذي يدخلها إلى مساحة من الأسطرة كانت بحاجة إلى تأمل طويل، خاصة في ظل محاولات الانغلاق وبناء المركزية المتخيلة، فالغريب هنا يمثل الوجود خارج العرقية، ويطلّ بوصفه شاهدا على انغلاق المركزية أو انفتاحها من مرحلة زمنية إلى أخرى، من إبعاده والنفور منه، وعدم تزويجه في فترة من الفترات، والسماح له بالاقتراب في فترة أخرى. فالغريب جرح لنصاعة النمط أو التكتل من خلال السخرية والانتقاص منه، وجرح مشروعية الانعزال، وكأن في الانعزال في مفهوم النوبيين المنزوين على أنفسهم إعلانا عن قيمة عرقية تصنيفية، لأن الجماعة-أية جماعة- إذا نظرت بعين التقديس- حتى لو كان التقديس من أجل المقاومة- إلى نفسها سترى الآخرين في مرتبة أدني، فهم عبيد أو غرباء.
في تناوله لمجموعة سعاد سليمان (شهوة الملايكة) يظل التناول محتميا بجزئيات بسيطة وخافتة، بل مبذولة في كل السرديات النسوية بشكل لافت، دون أن يكون هناك محاولة للوصول من خلال هذه الجزئيات إلى إطار عام، يكفل وجودا لسردية ذات خصوصية. فمن خلال جزئيتي (استعارة العام هو الخاص) و(التماهي)، تؤسس المقاربة النقدية حضورها من خلال جعل الأم/ الشخصية رمزا لنسق الثبات، بكل يقينياته، وارتباطه غير المبرّر بالمؤسس المقيّد، وجعل الابنة/ الراوية نموذجا أو رمزا للتبرم، ولكن هذا التبرم في الجزئية الأخيرة (التماهي) لم يفض إلى مغايرة، فظلت فاعلية النسق القديم حاضرة وفاعلة.
في ظل محاولات التفاوض بين المركز والهامش، يظل لهذا السؤال مشروعية، هل لا زالت المركزية الغربية بجوائزها، وسلطة مؤسساتها النقدية في التسويق والتسويغ أو المنع والتعتيم لأعمال الهامش لها هذه السلطة؟ والسؤال يمكننا – بدلا من إجابة متسارعة- من إعادة طرح الأمر، ووضعه في حيز النقاش والمساءلة، خاصة أن هناك بلادا أوربية سوف تتأثر إبداعيا إذا حذفت من منجزها إسهام بعض الكتّاب الذين ينتمون إلى الهامش والأطراف.

سيد ضيف الله: «السرد والخصوصية الثقافية»
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2022
177 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية