الأسماء التي تستعملها العربية في الحبّ كثيرة، وهي جزء من الدّعة المعجمية والسخاء في العبارة، الذي يميز هذه اللغة. فقد جمعت ألفاظ اللهجات المختلفة تحت جبّة واحدة اسمها القاموس العربيّ. لذلك أنت تجد كثيرا من المترادفات التي يعتقد المرء أنّها استعملت دفعة واحدة لتسمية مرجع وحيد، والحقّ أنّها في الغالب تسميات لهجية، مثلها مثل تسمياتنا اللهجية اليوم التي تتنوع وتختلف اختلافا كبيرا. خذ اسم القلب اليوم فإنّك تجده في لهجة بالقاف العربية، وفي أخرى بالقاف المثلثة اللهجية، وتجده تحت اسم الجاش والصدر وغيرهما من الأسماء؛ ولو جمعنا هذه العبارات في معجم لهجي موحّد لصارت مترادفات.
ليس من حقّ أيّ متكلم أن يحتجّ على كيفية تسمية لهجة أخرى القلب بغير اسم لهجته، ففي المسألة مواضعة وفيها اختلاف، غير أنّه البتّ في أفضلية اسم على اسم، أو استحقاق المسمّى لاسم دون غيره، مسألة محفوفة بالمغالطات. أنا لا أستطيع أن أقارن بين القلب في لهجتي مثلا والفؤاد، أو المهجة في لهجة أخرى، ولا أستطيع أن أبحث في الخلاف اشتقاقيّا بأن أردّ كل تسمية إلى مشتقات قريبة منها، لأنّي لن أستطيع أن أجد اشتقاقا يتيح لي أن أفسر القلب، أو الفؤاد، أو المهجة بدلالات اشتقاقية، فعلى سبيل المثال لا يوجد أيّ رابط بين القلب والأفعال، أو الأسماء المشتقة من الجذر (ق. ل. ب). من الممكن أن أبتدع تأويلا بأن أقول، إنّ القلب ما سمّي كذلك، إلاّ لأنّه ينقلب من حبّ إلى كره، أو أنّه يبدّل الدماء القديمة بالجديدة، أو غير ذلك من التأويلات الاشتقاقية، التي قد يؤلفها المولعون بالبحث عن التقارب الدلالي بين المشتقات اعتمادا على مدخل الجذر.
سوف ننطلق من افتراض سائد في عقول الناس عامّتهم وخاصّتهم، بأنّ الاختلافات اللهجية بين الأسماء العربية التي تسمّي القلب، لم تنظر إلى وظيفته البيولوجية أو الطبية، باعتباره ضاخّ دماء، أي باعتباره الطبّيّ؛ فالأسماء التي أسندت إليه كانت مراعاة كونه وعاء للعاطفة. الوعي بالجسد يأتي من القدرة على تسمية تفاصيله بأن تسمّي كلّ عضو فيه على حدة. هناك مناطق في الجسد لا أسماء لها في لغات، ولها أسماء في لغات أخرى؛ اللغات التي ليس لها أسماء لتلك المواضع من الجسد لا تحتاجها، لأنّها لا تعتبرها مناطق في الجسد ذات بال. فاليد تسمية للعضو المعروف والأصابع لها أسماؤها، لكنّ الخطوط التي في راحة اليد لا تسند إليها في عامياتنا تسمية مخصوصة، على الرغم من أنّ قراء الأكفّ يستخدمونها. لقد خلقت الحاجة العلاجية والشعورية الأسماء وجعلتها تتداول. فعلى سبيل المثال فإنّ العرب اشتقوا اسم المفؤود من الفؤاد، في معنى من في قلبه مرض. اختاروا اسم المرض من فؤاد وليس من قلب، ولا مانع من أن يقولوا مقلوب في معنى مريض بالقلب. الاشتقاق متاح من الاسمين، غير أنّهم اشتقوا من أحدهما اسم المرض دون الثاني. مرة أخرى لا يستطيع اللساني أن يسأل لماذا فعلوا ذلك؟ فهذا سؤال غير مفيد في دراسة اللغة، نحن لا نسأل عن العلةّ الكامنة وراء عدم اشتقاق ممكن، بل يمكن أن نسأل عن علة اشتقاق موجود.
لقد خلقت العربية عادات استعمالية للفؤاد، وأخرى للقلب ما تزال سارية إلى اليوم فالفؤاد يكون خاليا، ولكنّ القلب يفرّغ. نحن إزاء استعارتين من المجال الإدراكي نفسه: إنّ القلب وعاء. في الحالة الأولى حالة الخلوّ، يكون الوعاء فارغا من كلّ ما يكون مثارا للقلق والحزن والخوف. لكنّنا في الحالة الثانية نكون إزاء وعاء يراد إفراغه بالحكي مثلا. قد يكون الفؤاد خاليا من الحبّ وسيرته حتى يملأه كيان فجأة أو غِرّة أو غِيلة فنتحّدث عن قلب عامر ممتلئ. لكن الفؤاد لا يعمّر بل يصاب ويعتلّ فيصير مفؤودا. في سورة القصص (10) استعمال مفيد للاسمين في قوله تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). أغلب المفسّرين شرحوا الجزء المتعلق بفراغ الفؤاد بنفس الطريقة التي شرحها بها الطبري إذ قال: «فرغ من كلّ شيء إلا من ذكر مُوسى. وهذا إخلاء له بغرض إعادة الإعمار؛ فهي قد أفرغت قلبها (عقلها) من كلّ ما يشغلها حتى تعمّر به التفكير في ابنها، الذي ألقته في اليمّ. بعض المفسّرين ذهب مذهبا آخر حين قرّر أنّ الأمر يتعلق بإخلاء الفؤاد من كلّ هاجس، إذ إنّ أمّ موسى وهي تلقيه في اليمّ كانت تنفّذ أمرا ربّانيا لا قلق من نتائجه. وفي (لولا ربطنا على قلبها) ذهب المفسرون إلى أنّها كادت تفضح نفسها بأن تصرّح بأمومتها وهي ترضعه وقد عاد إليها، لولا أنّ الحرص الإلهي قد صانها. القلب كاد أن يفرغ بأن تحكي اللغة ما أخفاه القلب من حقيقة نسبها المستور مع ابنها.
وجدنا الحلاّج يبدأ بدوره حديثه عن الفؤاد ثمّ يختمه بالقلب إذ يقول (وكان فؤادي خاليا قبل حبّكم // وكان بذكر الخلق يلهو ويمزح) إلى أن يقول في آخر القطعة: (فإن شئت واصِلُه وإن شئت بالجفا// فلست أرى قلبي لغيرك يصلح). يخلو الفؤاد وهو مليء بغير الهوى الحقّ: هوى الحق؛ ولكنّه حين يجده يصبح صالحا للامتلاء بما يكون أجدر، وهو المطلق الذي لأجله يملأ حتى يفرغ من جديد. الإخلاء ليس كالإفراغ: الإخلاء هو أن يكون موضع العقل أو العاطفة خاليا من كلّ هوى أو مكدّر، كأنّما للمرء قلب يملأ ويفرّغ، وله حالة من الخلوّ مثالية أو مكروهة هي، ألاّ يفكّر في ما يشغل، أو ألاّ يحمل في قلبه ما يستحقّ أن يحمل.
إذا فُئدَ المرء فذلك يعني أنّه أصيب في فؤاده فهو مفؤود يقول المتنبي في هجاء كافور: (إنّ امرءا أمة حبلى تدبّره // لمستضام سخين العين مفؤود). الفأد هو شعور بالحرارة الباطنة. في اللغة كلمات وأفعال مشتقة من الجذر (ف. ء. د) تفيد النار ومنها المفآد، هو أداة يشوى بها اللحم. ومنها قولهم تفأّدت النار تحرّقت وتوقّدت، وقد يدخلون همزة السلب على الفعل للدلالة على الإزالة فيقولون: أفاد الملّة عن الخبز أزالها. أنت ترى أنّ القلب والحرارة اجتمعا في العلّة والشعور الباطن بأنّ القلب مصاب. نحن نؤرّخ بهذا التقارب إلى نوعيّة وعي باطني باعتلال القلب يكون بالشعور بنار داخله ونيران القلب استعارة متداولة منذ القديم واللاوعي في بيت المتنبّي أعلاه بنى الصورة على تدريج من العين السخينة إلى القلب المفؤود.
الوعاء الخالي لا ينظر إليه وحين يسكب فيه ما يسكب من العاطفة والفكر؛ يمكن أن يكون قابلا للتفريغ والامتلاء. هل إنّ الفؤاد هو الوعاء الخامّ والقلب هو الوعاء المفرغ المليء؟ قد يكون هذا التفسير أكثر صدقا لو اعتمدنا سياقات أكثر يستعمل فيه هذا الاسم، أو ذاك في المدونات الشعرية، أو النثرية القديمة. لكنّا ندرس من خلال التجاور بين المعاني صدقية أن يكون الفؤاد ما ادّعينا له والقلب ما زعمنا له.
وفي انتظار ذلك تبقى سيرة الحبّ اللغوية تحتاج استقراء كاملا من المدوّنات اليومية المعاصرة، أو من السياقات القديمة لأنّها تؤّرخ لتلك السيرة التي يشعر فيها المرء وهو يحبّ شخصا أو فكرة أو روحا قدسيا أنّه في سياق من الامتلاء والإفراغ المتجددين. يضخ القلب دماء حارّة وأفكارا براكينها ثائرة وفي كلّ فورة من فوراته يتبخّر ذكر أو سحر أو شعر عرف القلب كيف بني وكيف انتهى حتى قبل أن يبدأ.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسيّة.