القاهرة ـ «القدس العربي»: مع نهايات عام 2022 وفي ظل أزمة اقتصادية لم تمر بمثلها البلاد من قبل في عصورها القريبة على الأقل، يبدو الحديث عن الثقافة وإنجازاتها أشبه بحالة من حالات الترف، لكنها نشاط إنساني يحاول بدوره أن يعبّر عما تمر به مصر والمنطقة والعالم من تغيرات حادة، هذا النشاط الذي يعكس حالة راهنة بشكل أو بآخر، سواء بوعي أم دون وعي.
الظاهرة اللافتة دوماً، والأكثر وضوحاً الآن هي السياق الذي تتبلور من خلاله وجهة نظر النشاط الثقافي هذا، فهناك وجهة نظر المؤسسات الثقافية التابعة للدولة، والمتمثلة في (وزارة الثقافة المصرية) ووجهة نظر الدور والأنشطة الثقافية الخاصة المختلفة، التي تحاول جاهدة أن تقدم تجارب مختلفة خارجة عن السياق المرسوم. الفارق شاسع، فبين سياسات موجهة وخادمة للنظام، وأصوات تختلف، يمكن رؤية الصورة من خلال هذا التضاد. فكرة تسييس الثقافة هذه بدأت منذ نشأة وزارة الثقافة أو الإرشاد القومي بعد يوليو/تموز 1952، وحتى الآن لا تستطيع هذه المؤسسة التفكير خارج المهمة التي يجب عليها إتمامها، هنا تجد موظفي الثقافة، سواء المرتبطين بالسلك الوظيفي بالفعل، أو الكُتّاب والأدباء الذين يجاهدون بدورهم في الانتساب لهذا النظام وقواعده حتى ينالوا الرضا السامي.
ثقافة الكم التي لم تعد تُجدي
الكثير من جعجعة الاحتفالات والسرادقات التي أقامتها وزارة الثقافة المصرية طوال العام- ظناً منها أن هذا النشاط أو ذاك سيكون مؤثراً، أو سيحمل فكر الدولة المصرية – ما هي إلا محاولات بث الروح في جسد ميت، فلا الأضواء ستغني عن الوضع المتردي لما وصلت إليه الحالة الثقافية في مصر. ناهيك من فكرة التوجيه التي أصبحت في صورتها الأقصى، كالاحتفالات بـ30 يونيو/حزيران، وما شابه من الحالات الموجهة، من مطبوعات واحتفاليات تسبّح بحمد النظام فقط دون سواه.
الدوريات والتسول الثقافي
وبدورها الدوريات الثقافية أصبحت وكأنها دوريات (الحزب الحاكم) كما كان في السابق، فلا تستطيع التفرقة بين دورية أدبية وجورنال حكومي، الفارق أن هناك أسماء لنقاد وأدباء يريدون الانتساب لفرقة التسبيح وركوب الموجة. هذه الدوريات أيضاً أصبحت في أحيان كثيرة مغتربة عن الوسط المصري، بأن تفرد صفحاتها للكتابة عن أسماء البعض في دول الخليج العربي، وكأنها أصبحت بدورها صحيفة خليجية، تكتب عن أشياء وأسماء لا نعرفها في مصر، دون أن يكون لها من الثقل الثقافي والإبداعي ما يدعو إلى ذلك، ناهيك من العلاقات الشخصية وفكرة (التلميع) لهذا الاسم أو ذاك.
الأنشطة والمؤسسات الخاصة
وتحت ضغط شديد وفي مناخ آسن، تحاول بعض المؤسسات الخاصة، سواء من خلال الأنشطة الثقافية أو الإصدارات أن تخرج قليلاً عن السياق الرسمي لهذا العفن، فنجد عروضاً مسرحية خاصة، أو مؤلفات من رواية وشعر ونقد تمثل أصحابها فقط، الذين بدورهم يحاولون أن يقدموا صوتا مختلفاً وسط كل هذا الصخب الفارغ. لكن من جهة أخرى سنجد بعضا من هذه المؤسسات أيضاً لها مآرب أخرى، وهي التي تعتمد على تمويل بعض الجهات الخارجية لتأتي بدورها مغتربة عن المناخ الثقافي المصري، لنشهد فعاليات واحتفاليات غريبة، وكأنها نسخ مُترجمة ترجمة غوغل الركيكة عن أهداف ومعنى هذه الفعالية أو تلك، حاجة كده من قبيل .. الشغف والاشتباك مع الواقع، ومحنة الإنسان المعاصر في لحظته الوجودية الفارقة!

الفنان حسن الشرق
إصدارات
صدر هذا العام العديد من المؤلفات اللافتة، سواء في مجال الأدب أو الفكر بشكل عام، ونذكر بعضا منها.. «اكتمال الدائرة.. دراسة في ثلاثية (صنع الله إبراهيم) الأخيرة 1967، برلين 1969، 1970» للناقد المغربي صدوق نور الدين، الذي يرى أن دراسة أمين العالم كانت بهدف تشكيل تصور شبه عام عن جزء من التجربة، وليس ككل. لكن الدراسة الأخيرة ـ حسب صاحب الكتاب ـ تهدف إلى توسعة هذه الرؤية، وملامسة اكتمالها في روايات صنع الله الأخيرة. صدر الكتاب عن دار الثقافة الجديدة في القاهرة.
رواية «الحفيدة الأولى» للأكاديمية فاطمة الصعيدي، الصادرة عن دار (هن) للنشر. «أبو العلاء وبراندان.. دراسة مقارنة لأدب الرحلة إلى العالم الآخر» للناقدة والأكاديمية منى طلبة، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة. رواية «قبل النكسة بيوم» للكاتب إيمان يحيى، الصادرة عن دار الشروق، التي يحاول من خلالها المؤلف الربط بين أحداث هزيمة يونيو 1967 وثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011. وعن الدار نفسها صدر كتاب «السعي للعدالة.. الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة» للمؤرخ خالد فهمي، الذي يمثل مدخلاً جديداً لدراسة التاريخ المصري الحديث، عن طريق تتبع التطورات التي شهدها الطب والقانون في القرن التاسع عشر.
كتاب فنسنت ب. ليتش «النقد الثقافي.. النظرية الأدبية وما بعد البينوية» ترجمة هشام زغلول، الصادر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، الذي يعد من المؤلفات المهمة التي تمثل إضافة إلى المكتبة العربية، وتشكّل بدورها إطاراً مرجعياً في النقد الثقافي تنظيراً وتطبيقاً. «على عينك يا تاجر .. سوق الأدب العربي في الخارج» للشاعر عماد فؤاد، وفيه يكشف فؤاد عن عدة قضايا مهمة تمس جوهر الثقافة والمثقف ودوره، من خلال ما يقوم به، أو من خلال المؤسسات التي تتبناه أو يسعى هو بكل طاقته التسويقية أن ينتسب إليها، ويرى المؤلف أن السوق العربي مرتبط بأحداث سياسية.. فوز نجيب محفوظ بنوبل، هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، الهجمات الانتحارية والإرهابية في أوروبا، الربيع العربي وموجات اللجوء، مجزرة هنا، سبيٌ هناك. صدر الكتاب عن دار (ميتافورا) للنشر والترجمة.
معارض
أقيم هذا العام العديد من المعارض المهمة، ربما يأتي على رأسها المعرض الاستعادي ـ أقيم في غاليري بيكاسو ـ للفنان إيهاب شاكر الذي بدأ رساماً في عدة صحف مصرية منذ عام 1953، وصولاً إلى تصميم وإخراج أفلام الرسوم المتحركة، وتصميم أفيشات الأفلام السينمائية، ومن أشهرها فيلم «الكيت كات» وكذلك تصميم شخصيتي (شمسة ودانة) الشهيرتين من خلال صفحات مجلة «ماجد» الإماراتية منذ عام 1979. معرض آخر بعنوان «60 عاماً بين المقاومة والبعث» أقيم في غاليري ضي، وهو معرض احتفائي بتجربة الفنان عز الدين نجيب، يستعرض تجربته الفنية الممتدة لأكثر من ستة عقود، إضافة إلى اسكتشات للوحات لم تكتمل، أو لبعض اللوحات في أطوارها الأولى، كذلك كتاب توثيقي نقدي لنجيب نفسه بعنوان «الفنان المصري وسؤال الهوية بين الحداثة والتبعية». ثم يأتي معرض الفنان السوري يوسف عبدلكي في غاليري مشربية في القاهرة، الذي استوحى أعماله من (رباعيات صلاح جاهين).
جائزة نجيب محفوظ
ونأتي لجائزة نجيب محفوظ للآداب لعام 2022، التي تقدمها الجامعة الأمريكية كل عام في يوم ميلاد محفوظ 11 ديسمبر/كانون الأول. وفازت بها الأكاديمية والكاتبة فاطمة قنديل عن روايتها «أقفاص فارغة» الصادرة عن دار الكتب خان في القاهرة. وجاء في حيثيات الجائزة أن الرواية «تمحي الحدود بين التخييلي والسِّيَرذاتي المجتمعي، بين الخطابي والتمثيلي، بين الحياة والتدوين والفن، ما يفضي إلى التشكّك في الحدود المفترضة بين السيرة والرواية، ويعيد النظر مجدداً في تعريف كلّ منهما، وخلال سردها الغني المكثف، تتراءى أمامنا وقائع حافلة، تتجاور فيها الخيبات والأمل، والضعف الإنساني ومقاومته، وآلام الاكتشاف ومتعته أيضا.. تشبك قنديل القارئ بلا تردد في النسيج النفسي لعلاقات حميمة ومشحونة، كي تحكي قصة الأنوثة والأسرة والخسارة التي تلازم القارئ فترة طويلة بعد الصفحة الأخيرة».
يُذكر أن فاطمة قنديل من مواليد السويس 1958، وتعمل أستاذة مساعدة للنقد الأدبي الحديث في قسم اللغة العربية، كلية الآداب في جامعة حلوان. صدر لها شعر: «عشان نقدر نعيش» بالعامية المصرية 1984، «حظر تجول» بالعامية المصرية 1987، «صمت قطنة مبتلة» 1995، «أسئلة معلقة كالذبائح» 2008، «بيتي له بابان» 2017.
جوائز الدولة
وجاءت جوائز الدولة هذا العام على النحو التالي..
جائزة الدولة للتفوق في الفنون.. لجمال ياقوت وأحمد عبد الكريم، وفي الآداب لريم بسيوني وعمرو دوارة.
جائزة الدولة التقديرية.. لشوان توفيق، سهير زكي حواس، أحمد نبيل، محمد أبو الفضل بدران، يوسف نوفل وكمال رحيم.
جائزة النيل للمبدعين..لداود عبد السيد، إبراهيم عبد المجيد، رجائي عطية، والعراقي قيس العزاوي.
جائزة الدولة التشجيعية.. لحسام العادلي عن رواية «نجع بريطانيا العظمى» محمد إبراهيم عن مجموعة «حرة عليوة سابقاً» حسن عامر عن ديوان «الذي جرّب الطريق» مينا ناجي عن ترجمة كتاب بعنوان «ضد الابتزاز المزدوج» وعلي عبد اللطيف عن ترجمة كتاب «مختارات من مقالات ماريانو خوسيه دي لارا» نهلة صلاح منصور عن كتاب «الرهان الصهيوني وتحطيم الأساطير» وشريف حتيته عن كتاب «الرواية العربية الرائجة».

الروائي بهاء طاهر
الراحلون
ورحل هذا العام عدة أصوات أثرت بشكل أو بآخر على مسيرة الثقافة المصرية والعربية، نذكر منهم مثالاً.. الروائي بهاء طاهر، الناقد صلاح فضل، الفنان حسن الشرق، سيد القمني، والروائي وكاتب السيناريو مجيد طوبيا. ومن الفنانين نذكر.. عايدة عبد العزيز، جلال الشرقاوي، سمير صبري، زكي فطين عبد الوهاب، هشام سليم، رجاء حسين، عهدي صادق، سامي فهمي، المخرج علي عبد الخالق، والملحن محمد سلطان.