سيرة جان جينيه… قصة ترحال فرنسية في القضايا العربية

غيوم دو سارد
حجم الخط
0

ترجمة وتقديم/ عبد المنعم الشنتوف

تحمل سيرة الكاتب الفرنسي جان جينيه، الكثير من التجارب والمواقف الدالة، خاصة في ما تعلق بصلاته بالعالم العربي والمغرب وفلسطين بشكل خاص. ويسعى مؤلف هذه السيرة من خلال تنويع من الوثائق والسير الشفهية والمكتوبة إلى القبض على السمات التي ميزت هذه الصلات. كان التشديد واضحا في هذه السيرة الاستثنائية على ارتباط حضور الكاتب في السياق العربي والتزامه بالدفاع عن القضية الفلسطينية بفلسفته ورؤيته إلى العالم، اللتين تخلقتا من ماضيه وتجربته بوصفه لقيطا مجهول الأب ومثليا جنسيا وجنديا متطوعا في الجيش الفرنسي في سوريا ولبنان والمغرب، ولصا وسجينا سابقا في سجون بلده فرنسا. سوف نقترب في سياق هذين الفصلين من تفاصيل دخول الكاتب إلى مخيم صبرا وشاتيلا، مباشرة بعد تنفيذ ميلشيات الكتائب اللبنانية للمجزرة بدعم من الجيش الصهيوني وجيش جنوب لبنان العميل، علاوة على تفاصيل معاناته مع المرض الخبيث ووفاته ودفنه في مدينة العرائش المغربية.

حين لا تسعفنا العبارات في حق شخص ميت فإننا نكتفي بالقول إنه عثر أخيراً على الراحة والسكينة، ويبدو أن هذه العبارة صالحة في ما يهم حالة جان جينيه.

مريض العرائش

في شهر مايو/أيار 1979 أحاط جان جينيه علما بإصابته بسرطان الحنجرة. ولئن كان قد وافق على الخضوع للعلاج فقد رفض بشكل قاطع فكرة الإقلاع عن التدخين. أتاحت جلسات العلاج بالأشعة وقف نمو وتضخم الورم، لكنها أصابته في المقابل بضعف وهزال شديدين. لم يعد يتردد إلا لماما على طنجة مؤثرا عليها مدينة العرائش التي يقيم بها محمد القطراني، الذي تزوج كي يتخلص من العاهرات، كما قال جينيه، داخل المنزل الذي بناه الكاتب خصيصا له. لقد شارفت أشغال البناء على الانتهاء. رزق محمد بابن اختار له جان جينيه اسم عز الدين. وقد واظب الكاتب على زيارة الأسرة بانتظام، وكثيراً ما كان يقيم عندهم لأسابيع وأحيانا شهورا طويلة. كان يتجول في المدينة العتيقة ويجلس في مقهى ليكسوس، ويقصد السوق ويعرج على مخزن الخمور، ويثرثر مع الصيادين، ويقتني الصحف في مكتبة محمد الشرقي الذي كان يتجاذب معه أطراف الحديث. وغالبا ما يذهب قصد الجلوس فوق الصخرة والتملي برؤية البحر. ولأنه قارئ كبير ونهم فقد أوصى بجلب العشرات من الكتب من فرنسا: كلاسيكيات الأدب الفرنسي وكتب مخصصة لسير موزارت وهتلر ومورا ومؤلفات عن عالم السجون والفلسطينيين، حسبما أورده كاتب سيرته أدمون وايت. كانت هذه الكتب ما تفتأ موجودة حين زرت هذا المنزل الذي أصبح الآن معروضا للبيع. المنزل الآن فارغ تماما وقد نقل كل ما فيه باستثناء كتب جان جينيه المرتبة فوق رفوف. ثمة بعض المجلدات من سلسلة لابلياد مرتبة عشوائيا، وهناك مجلدان لمارسيل بروست ومجلد لشاتوبريان وآخر لسان سيمون. كان حضور وتواجد هذا الفرنسي في العرائش، الذي كان قليل العناية بنظافة جسده تثير حفيظة جيران محمد القطراني وزوجته. لم يكن لجان جينيه إلا سروال واحد وقميص يتيم ونعلان من جلد الماعز وقد امتنع بدوره تماما عن الاغتسال. وقد شرع هؤلاء في القذف بالأوساخ والفضلات في ساحة المنزل. وكي يثنيهم عن فعل ذلك فكر جان جينيه في ترهيب ساكنة الحي، باستضافة أحد رموز السلطة في البلاد في منزل القطراني بسيارته الليموزين وموكب من أفراد الشرطة. وقد أسر بهذه الفكرة للطاهر بن جلون، الذي كان يراه بانتظام، الا أن هذا الأخير رفض أن يتدخل من أجل تحقيق ذاك وهو ما وضع حدا لها.

أربع ساعات في شاتيلا

أمضى جان جينيه بداية سنة 1982 في المغرب، وتحديدا في الرباط، حيث التقى بليلى شهيد التي كانت تعمل لمجلة «دراسات فلسطينية». كان جان جينيه قد التزم منذ عشر سنوات بالدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني المضطهد، الذي ساعده على العيش. كان قد التقى ابتداء من سنة 1970 ياسر عرفات زعيم منظمة التحرير الفلسطينية، وتابع قمع واضطهاد الفدائيين الفلسطينيين من لدن قوات العاهل الأردني الملك حسين. وفي ربيع عام 1971 حرر نصا لمجلة «زوم» Zoom كان من المفروض أن يصاحب الصور الفوتوغرافية التي التقطها الفنان برونو باربي في المخيمات الفلسطينية في الأردن، التي سبق له أن قضى فيها ستة أشهر. وفي كل مرة كانت تطلب منه فيها ليلى شهيد أن يضع شهرته وموهبته في خدمة منظمة التحرير فإن جوابه كان: لم يعد لي ما يمكنني قوله. غير أنه قرر في الأخير مصاحبتها إلى بيروت. سافرا معا إلى دمشق قبل أن ينتقلا إلى العاصمة اللبنانية، وكانت الحرب الأهلية في أوجها. وفِي يوم وصولهما تم اغتيال الرئيس اللبناني وزعيم اليمين المسيحي بشير الجميل. وما أن حلّ صباح الغد حتى انتهكت إسرائيل الاتفاقيات المبرمة، واجتاحت مدينة بيروت بدعوى الحفاظ على النظام. ووفقا لاتفاق سري أبرم سابقا مع الكتائبيين الراغبين في الثأر لمصرع بشير الجميل، الذي اتهمت بها الأجهزة الأمنية السرية الفلسطينية، فإن أركان الجيش الإسرائيلي أوكلت إلى قوات الكتائب مهمة تنظيف المخيمات الفلسطينية في صبرا وشاتيلا. نفذت هذه المجزرة تحت الأضواء الكاشفة لقوات «التساحال» الإسرائيلي. كان جان جينيه الذي كان مصحوبا بليلى شهيد أول أوروبي يتمكن من دخول مخيم شاتيلا بعد يومين من ذلك، في ما جرافات الجيش اللبناني الذي استعاد سيطرته على الوضع تقوم بدفن جثث القتلى على عجل. تجول جان جينيه في جنبات وممرات المخيم طوال أربع ساعات. ثم عاد بعد ذلك مباشرة إلى باريس، حيث قضى شهر أكتوبر/تشرين الأول في كتابة نصه «أربع ساعات في شاتيلا». وبعد صمت امتد قرابة عشرين عاما، وقع جان جينيه هنا أكثر مقالاته السياسية أهمية. وقد حظي هذا النص الذي مزج فيه الكاتب بين ذكرياته السعيدة صحبة الفدائيين الفلسطينيين، وشهادته الحية عن المجزرة باستقبال وترحاب في مختلف أنحاء العالم.

لم يكن جان جينيه من النوع الذي ينساق خلف مديح نزع الصفة غير الشخصية، التي دافع عنها فيليكس غاتاري وجيل دولوز في كتابهما «ضد أوديب».

النهاية

حل ربيع عام 1986 وعاود السرطان ظهوره من جديد، قرر جان جينيه وقف العلاج الكيميائي وحصص التداوي بالأشعة. سافر صحبة جاكي ماغليا إلى طنجة. وغب هذا العبور الذي طالما حلم به في شبابه انتقل إلى العرائش لزيارة محمد القطراني وابنه عز الدين. سأل جان جينيه ليلى شهيد إن كان مسموحا دفن شخص غير مسلم في مقبرة إسلامية قبل أن يشرع في رحلته الأخيرة إلى المغرب. لم يكن على يقين من بقائه على قيد الحياة، غير أنه تمكن بفضلة قوة من العودة مجددا إلى باريس قصد مراجعة نسخة أولية من كتاب «الأسير العاشق». ولأن فندق روبن الواقع في الدائرة 13 في باريس، الذي ألف الإقامة فيه كان مكتظا عن آخره، فإنه استعاض عنه مرغما بفندق جاك، وكان نزلا صغيرا يقع على مسافة قريبة من فندق روبن. تدهورت حالته الصحية إلى درجة كان يضطر فيها إلى التوقف كل خمس دقائق أثناء السير، وحين تسعفه القدرة على ذلك. وفِي هذا الفندق عثر جاكي ماغليا في صباح يوم 5 أبريل/نيسان على جان جينيه ميتا وهو عار تماما في حمام غرفته.
حين لا تسعفنا العبارات في حق شخص ميت فإننا نكتفي بالقول إنه عثر أخيراً على الراحة والسكينة، ويبدو أن هذه العبارة صالحة في ما يهم حالة جان جينيه التي كانت حياته من بدايتها إلى نهايتها ترحالا مستمرا يفتقر إلى أي صلات أو مسرات مقننة ومضبوطة. غير أننا نتساءل والحالة هذه إن كانت هذه الحياة قد رامت إلى ما هو أبعد من هذه الصورة النمطية؟ ما الذي كان يبحث عنه الأسير العاشق؟ ربما هذه الراحة التي تعادلها في اللغة اللاتينية السكينة الجنائزية التي ألهمت موزارت وسيمفونيته الموسومة قداس الموتى، التي لم يتوقف جان جينيه عن سبر أغوارها. هل تم الاحتراس من هذا الاعتراف: كانت السجون بالنسبة لي أشد امتلاء بالحنان الأمومي من الأزقة الساخنة لأمستردام وباريس وبرلين وبرشلونة.
كان جينيه شديد الاهتمام بغموض أسلوبه، أي في سياق من الفصل بين حياته والكتابة. وهذا ما حمله على أن يتجنب بشكل واع دقيق أي تدخل من شأنه أن يخلخل هذا الفصل. لم يكن جان جينيه من النوع الذي ينساق خلف مديح نزع الصفة غير الشخصية، التي دافع عنها فيليكس غاتاري وجيل دولوز في كتابهما «ضد أوديب». لا يتعلق الأمر في الحب بأن تتحول إلى شخص واحد أو اثنين، وإنما أن تتحول إلى مئة ألف. أن تصنع شخصا واحدا وأن تضفي التناغم والانسجام على فوضى الأصوات الداخلية. هذا ما كان كافيا بالنسبة له، وقد تأكد ذلك مع توالي السنين. وفِي طنجة وفِي سياق حياة موسومة في الظاهر بالرتابة وتتاخم اللامبالاة واصل جينيه هذا السعي إلى السكينة والراحة التي وضع الموت نهاية لها.

الشاهد المسروق

بعد ذلك قام محاميه رولان دوما، الذي كان حينها وزيرا للخارجية في عهد فرانسوا ميتران باتخذ التدابير اللازمة كي ينقل جثمانه إلى العرائش. حطت الطائرة التي كانت تنقله في مطار الرباط سلا وكان الجثمان ملفوفا في كيس من الخيش كتب عليه: مهاجر مغربي.
لم يكن حاضرا في الطابق السفلي غير محمد القطراني وجاكي ماغليا وليلى شهيد وأحمد الحوسين الصديق الأفضل لعبد الله وأنس بلافريج أحد الوجوه البارزة للكفاح من أجل استقلال المغرب. كانوا جلوسا حول جثمان جان جينيه وهم يصغون إلى سيمفونية موزارت: قداس الموتى.
ووري جان جينيه الثرى في اليوم ذاته وبشكل خاطف تحت سماء أجهل إذن لونها في المقبرة النصرانية الإسبانية في العرائش قرب المنزل الذي بناه لمحمد القطراني. دفن قبالة المحيط الأطلسي بين الماخور القديم والسجن. غير أن راْسه كانت موجهة شأن أي مسلم تقي صوب مكة. ولم تلبث شاهدة القبر أن سرقت بعد انصرام وقت قليل على الدفن.

القديس

ثمة وفرة من الصور الجميلة لهذا القبر. وعديد هم الفنانون خصوصًا الفوتوغرافيين الذين يحجون إلى المكان. هل أصبح جينيه في طور التحول إلى ذلك القديس الذي تمثله فيه جان بول سارتر؟ التقط هاري غرويارت صورة فوتوغرافية للقبر عام 1987 وأنجز ديديي موران ذلك عام 1988 في ما التقط جورج روندو صورة عام 1996. كانت الصور الثلاث بالأبيض والأسود وتبقى صورة ديديي موران أفضلها في تصوري؛ لأن تركيبها يبقى الأكثر بساطة وصرامة. الصورة مأخوذة بشكل أفقي. ثمة الأرض الطينية والقبر الأبيض المأخوذ بشكل مزور والمحيط الأطلسي في خلفية الصورة والسماء الرمادية بشكل كلي ولا شيء غير ذلك. ويبدو لي هذا التقشف ملائما لجان جينيه. والشأن نفسه بالنسبة لغياب الوجوه البشرية. كان لزاما على جان جينيه الذي عاش وحيدا أن يستريح في قبره وحيدا.
حاق بعض التغيير بالمقبرة اليوم. شُيد سُور لفصل المقبرة عن المحيط الأطلسي كما أن كل قبورها تعلوها الصلبان ومصفوفة في اتجاه واحد باستثناء قبر جان جينيه المصبوغ بالجير الأبيض وفوق الشاهدة التي عوضت تلك التي سرقت تاريخ ميلاده ووفاته بخط يبدو شبيها بطريقة كتابته. قرأت أن هذه المقبرة تأوي خصوصا الجنود الإسبان. هل راق بعض من هؤلاء وقد ماتوا في فورة الشباب لجان جينيه؟ فكرت من جديد في تطوعه وهو في سن التاسعة عشرة في صفوف الجيش الفرنسي. وكان من المفروض أن تنصرم حياة بكاملها في غمرة من الترحال والتشرد كي يعود إلى نقطة البداية أقصد راحته الأبدية وحيدا وسط ذويه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية