في «السيرة في المنفى» لبهاء طاهر إعادة معالجة لمادة حياته التي أغفلها في أعماله الفنية، أو في رواياته وقصصه. فهذه السيرة لا تتكلم عن الغربة وقلق الوجدان والروح بسبب البعاد فقط، ولكن عن الانفصال والسقوط في الداخل بسبب الفساد والضغط وظروف التخلف. إنه عمل بمقدار ما ينظر للخارج يهتم بالداخل. وبمقدار ما يغرق في الابتعاد بالذاكرة نحو البدايات لا ينسى أن يرسم صورة لتوقعاته عما نسميه ما يستجد من أمور. وفي هذا المنطق نستطيع النظر إلى هذه السيرة، كما لو أنها رواية، وهذا في الواقع هو رأي أدهم العبودي، كما قال في تصدير الكتاب. وقد أشار له في عدة أمكنة باسم المتن السردي وليس المذكرات.
تتكون السيرة من 17 فصلا. ولا يوجد تخصص في هذه الفصول، فجدار الأزمنة متحرك مثلما هي المساحات متداخلة. وكأن عالم بهاء طاهر ينعطف على نفسه وينطوي على تجاربه، وعما هو مخزون في الخبيئة من أسرار. فقد غض الطرف عن الزوجة الأولى وبناته منها. واكتفى بالإشارة لزواجه الثاني من «ستيفكا» التي يعتبر أنها المكافأة الوحيدة التي كسب ثمارها من الغرب. وفي رأي بهاء طاهر إن الغرب جاحد وخبيث وشرير، إلا في ما يتعلق بستيفكا. فقد كان معها رحيما ومعطاء. ومن حكاية زواجه تتفرع عدة خطوط تتوازى ثم تتقاطع.
الخط الأول له علاقة بالهوية. كان بهاء طاهر جازما منذ أول سطر ومنذ الكلمة الأولى بهذا الخصوص. فقد اختار أن يمتلئ بالمعنى اللاهوتي لحضارته الجريحة، وأن يعلن أنه إنسان متعبد، يستيقظ باكرا ليؤدي فريضة الصلاة، فهي تساعده على تحرير الجزء الأسير من روحه. وتذكره أن اسمه المركب هو «محمد بهاء الدين طاهر»، وليس بهاء طاهر فقط. فالفن يميل للاختصار والتصعيد أو التعالي لكن الهوية تميل للتفاصيل والتحديد، أو لرسم حدود وعلامات فاصلة وواضحة. ويغتنم بهاء طاهر هذه الفرصة لينفي تبعات اسمه. فإذا كان هو من اختيار والده، ويدل على نفسية الوالد، فهو أيضا يعتز به، ويعتقد أنه كل ما سيتبقى له بعد الممات. بمعنى آخر إنه يتماهى في الهوية مع والده، وفي المصير والخلفيات أيضا.
كان بهاء طاهر جازما منذ أول سطر ومنذ الكلمة الأولى بهذا الخصوص. فقد اختار أن يمتلئ بالمعنى اللاهوتي لحضارته الجريحة، وأن يعلن أنه إنسان متعبد، يستيقظ باكرا ليؤدي فريضة الصلاة، فهي تساعده على تحرير الجزء الأسير من روحه.
وهنا يبدأ الخط الثاني، وهو عن مبدأ الذكورة والأنوثة. لقد كان بهاء طاهر على شاكلة أبيه، لا يهادن ولكن لا يتهور. ويتحرى ضبط الأعصاب والحكمة والتروي. وإذا دعت الحاجة أن يبرز للآخرين معدنه وأنه بقلب من فولاذ. ويضرب لنا مثالا على ذلك بمعركته مع يوسف السباعي وسياسته في تطهير الإذاعة من الشيوعيين. لقد تسبب له ذلك بالخروج من الوظيفة لينضم لطابور طويل من المغتربين. ويبدو أن هذه النقطة كانت منعطفا فاصلا في حياته. فقد كرر الإشارة لها أكثر من مرة. لقد جاءت وهو في بدايات المخاض الفني. ومنها عبر نحو أعماله التي أعاد بها تركيب المخاض السياسي والحضاري لبلاده. وهو ما تجد آثاره واضحة في عمله المبكر «قالت ضحى» الذي توجه بعمله الأخير «واحة الغروب»، فالرواية الأولى إدراك سياسي لتنامي المعرفة بالوعي، بينما الثانية هي تأويل حضاري لتطور الإدراك بالذات الروحية ووعيها الباطن. وبين العملين يقف في الوسط أحد أهم أعمال تلك المرحلة، روايته المتألقة «الحب في المنفى» التي يروي فيها سيرورة وصيرورة الاستخدام الحي في السياق بتعبير باختين. فهي عن حدود الذات التي تنتبه للجزئيات وتبني عليها. ويتكلم بهاء طاهر في هذه الرواية عن جروح المنطقة من خلال فجوات تركتها في وجدانه جروح الغربة والتعلق النوستالجي بمعنى الذات، ولذلك هو يتجاوز الوصف الخامل للواقع بواسطة السبر الشخصي والمتورم بالرغبة والأعصبة.
وبهذه الطريقة ينتقل للخط الثالث من الذكريات.
لقد كان عالمه كابوسيا بامتياز، ولا يخلو من معارك دونكيشوتية ومحاكمات يغلب عليها العبث واللامنطق واللامعقول، لكن كانت الخبيئة تساعده على فتح نوافذ على الأحلام الممكنة. وهي نوافذ نسائية حصرا. فقد كانت أمه بالنسبة له كنزا من الحكايات العجيبة التي ترفعه فوق ظروف واقعه القهري، وتساعده على الاسترخاء والاستقرار والارتباط بالموضوع. وهكذا أول معشوقة له ويسميها «سندس». وهو اسم تورية بلا شك، وله علاقة بكشف الغطاء عن فهمه الوهمي لعلاقة القلب بالجسد، العلاقة الملتبسة التي لا ترى فرقا بين العاطفة والليبيدو ومثلها زوجته.
إنها تمثل لديه رمزا للسكينة والتآلف، وبالتالي للتصالح مع مصادر الاختلاف. إنها من الغرب المغلوط والمشوه الذي يعتمر على رأسه قبعة يخفي بها أنانياته.. وأكاد أقول إن مصالحته مع الغرب بهذه الطريقة الرحمانية تتحايل على فلسفة صدام الحضارات ولا تلغيها. إنها لا تتخلى عن مشكلة الليبيدو، لكن تهذبها. ففي حالة العجيلي مثلا تكون العلاقة سياحية ويغلب عليها العري المباشر أو لغة البيولوجيا.. المرئيات والفترة المحدودة والغاية. لكن في حالة طاهر يوجد مبرر قانوني وتغطية. فصدام الحضارات موجود، والاحتكاك محتم، إنما لغة الإشارة له تنحو للترميز والتذكير فقط تمهيدا للتصالح. ويمكن القول مع باختين إن هذه السيرة هي جزء من أسلوب الاعتراف – أو التقرير الذاتي الذي يميل لتجميل الأخطاء وتوسيع فضاء الممكن الفني وغسيل ما لدى الإنسان من إحساس بالندم. فقد أدخل بهاء طاهر على محطات حياته موقفا له قيمة مضافة لخارج الوجود، وهو ما يسعى نحوه كل كاتب مذكرات أو سيرة لتغليب صدق القيمة الإخبارية على الجانب الفني وأساليب الكتابة، بتعبير باختين أيضا.
٭ صدرت عن دار أجيال وبردية بطبعة أولى عام 2017.
٭ كاتب سوري