سيفار المدينة الجزائرية المتحجرة التي نسجت حولها أغرب الأساطير

رضا شنوف
حجم الخط
0

 الجزائر ـ «القدس العربي»:  مدينة سيفار في أقصى جنوب الجزائر، مدينة تلفها الكثير من الألغاز ورويت عنها الكثير من الأساطير التي نسجت حول الرسومات والنقوش الغربية التي تحويها كهوفها، لكن الأمر الذي لا يختلف حوله اثنان أنها مدينة لم تبح بكل أسرارها إلى اليوم ولم يستطع لا المستكشفون ولا العلماء من فك شفراتها والتي تعود إلى آلاف من السنين.

 تقع مدينة سيفار، أو المدينة المتحجرة بحظيرة الطاسيلى ناجر، على بعد حوالي 200 كيلومتر عن منطقة جانت الساحرة جنوب غرب الجزائر، وتبعد عن العاصمة الجزائر بحوالي 2400 كيلومتر، وهي مصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو منذ سنة 1982.
وتجاور منطقة تادرارت والتي تعني باللغة الأمازيغية الجبل الصغير، وحظيرة الطاسيلي هي من المناطق الساحرة التي تضم أحد أجمل السلاسل الجبلية في العالم لألوانها والأشكال التي تشكلها تضاريسها.
شهرة مدينة بوابة الجن كما يطلق عليها أو مدينة الأحجار، أو أعجوبة العالم الثامنة غير المصنفة، استمدتها من كونها أكبر مدينة متحجرة في العالم والتي تضم أكبر عدد من الكهوف والمخابئ على وجه الأرض، وتحتوي على آلاف الرسومات والنقوش التي تعود إلى حقبة ما قبل التاريخ.

اكتشافات غير مسبوقة

وبالرغم من شهرة المدينة والأساطير التي نسجت حولها المستمدة من الاكتشافات غير المسبوقة، إلا أنها تبقى من المناطق التي لا تعرف إقبالا كبيرا من طرف السياح لصعوبة تضاريسها والمسالك المؤدية إليها، والطريقة الوحيدة للوصول إلى الممر المؤدي إلى الهضبة هي السير على الأقدام في طرق ضيقة شديدة الانحدار أو على ظهر الحمير وتبقى مغامرة في حد ذاتها وليست في متناول الجميع.
لكن بمجرد قطع هذه المسافة والتي تتطلب عدة ساعات من الزمن، وعبور مسالك عبارة عن متاهات غير سالكة، تترآى مدينة سيفار الطبيعية غير العادية الممتدة على مد البصر.
ويُعرف هذا الموقع بأنه أكبر متحف مفتوح لفن ما قبل التاريخ في العالم، وهو موطن لآلاف من الرسومات والنقوش ولوحات الكهوف التي تم اكتشافها في الخمسينيات من القرن الماضي من قبل المستكشف الفرنسي الشهير وعالم ما قبل التاريخ هنري لوت.

نحتتها الطبيعة
وزينتها يد الإنسان

تظهر مدينة سيفار من عل كمدينة متكاملة بشوارعا وساحاتها الكبيرة التي تمتد على مد البصر، مشكلة أكبر مدينة حجرية في العالم، متميزة بلونيها الأصفر والأسود الذي يميز الألوان الصخرية المشكلة للمدينة الأعجوبة.
وتختلف الروايات حول أصل المدينة وتشكلها الأول، حيث يقدر عمرها بحوالي 20 ألف سنة، وبان الظروف الطبيعية من رياح وسيول هي من نحتتها وجعلتها في الشكل المعروف حاليا. وتذهب الروايات إلى ان هذه المدينة من صنع الإنسان وعرفت حضارات متقدمة وزارها فضائيون ضمن نظرية الفضائيون القدامى، وعززت هذه الأساطير الرسومات والنقوش التي عثر عليها في المنطقة، والتي تبرز أشكال مخلوقات غريبة، هذه الرسومات التي أخرجها إلى العلن بعد ما بقيت مستترة لآلاف السنين المستكشف وعالم الآثار الفرنسي هنري لوت سنة 1956 بعد ان كشف له عن أسرارها ابن منطقة الطاسيلي جبريبن مشاراق محمد.
لكن أول شخص تحدث عن هذه الرسومات الرحالة برينان الذي اكتشفها سنة 1938 خلال رحلته في الصحراء الجزائرية متوجها نحو ليبيا، عندما لفتت انتباهه كهوف في داخلها نقوشا ورسومات لتكشف عن حياة أناس عاشوا في هذه المنطقة ومعالم ومظاهر الحياة المتعاقبة ما قبل التاريخ، واعتبرت آنذاك أحد أهم اكتشافات هذا العصر.
نشر برينان مقالا حول الكهوف في أحد أشهر المجالات العلمية آنذاك، لكن ما كتبه المستكشف برينان لم يكن له أي صدى يعكس حجم وقيمة ما اكتشفه، لأنه لم تكن هناك صور تبرز حقيقة وقيمة الانجاز. غير أن العالم الفرنسي هنري لوت المختص في تاريخ الشعوب، خلال زيارته إلى منطقة الطاسيلي، قام بتصوير وتوثيق ما وقف عليه من رسومات ونقلها إلى العالم، وكتب كتابا حولها يحمل عنوان «رسومات الطاسيلي» وتقدر عدد الرسومات المتكشفة إلى حد الآن حوالي 30 ألف رسم و 4 آلاف شكل صخري.
الرسومات المكتشفة التي اختلفت المصادر العلمية حول تاريخها فهناك من يؤكد أن بعضها يزيد عمرها عن 12 ألف عام وآخرون يقدمون عمرا أطول يناهز 30 ألف سنة، لكنها كلها ترصد نمط حياة أهل المنطقة ومن سكنوا سيفار ومنطقة الطاسيلي، حيث تمثل في الغالب حيوانات ومشاهد الصيد أو الحياة اليومية، وأهم ما تبرزه هذه المشاهد ان المنطقة لم تكن صحراء خالية تنعدم فيها الحياة، بل أقرب إلى المناطق الاستوائية في القارة حيث تظهر الحيوانات المختلفة مثل الأبقار والزرافات، والفيلة ووحيد القرن، والماشية، والنعام، والظباء، وهو ما يؤكد ان المنطقة كانت رطبة وعاش فيها عدد كبير من السكان قبل ان تدفعهم التغييرات الطبيعية إلى هجرة المنطقة التي تحولت مع مرور الأزمنة إلى صحراء قاحلة.

أساطير المدينة المفقودة

وبقدر ما كشفت هذه الرسومات والنقوش عن مناحي الحياة للإنسان ما قبل التاريخ الذي استوطن المنطقة، إلا أنها أدخلت الباحثين والمختصين في متاهة فك شيفرات الكثير من هذه الرسومات التي لم تكن عادية بالنسبة لهم ولكل من يشاهدها، فهي تظهر لوحات استثنائية لاحتفالات وطقوس غريبة، بالإضافة إلى كائنات غامضة ذات أشكال غريبة ومظاهر لم يعرفها كوكب الأرض، ولرجال ونساء يرتدون ثيابا كالتي نرتديها وفي وقتنا الحالي، ورسوماً لرجال يرتدون معدات قريبة لزي رجال الفضاء، وآخرين يجرون أجساماً أسطوانية غامضة. وأشهر هذه الرسومات «الإله العظيم» و «الرامي الأسود» و «المريخيون» و «الرؤوس المستديرة» وهي رسومات نسجت حولها الكثير من القصص وبنيت عليها الكثير من النظريات.
ومن بين الرسومات الأشهر يوجد رسم غريب يبلغ ارتفاعه 1.55 متر ويشكل مركز مسرح واسع يمتد على مساحة 20 متر مربع يُعد هذا العملاق الملقب بـ «الإله العظيم» من أشهر اللوحات الصخرية في مدينة سيفار والطاسيلي، بسبب غرابة شكل رأسه وأيضا الزوائد التي تظهر بشكل كبير على مستوى الذراعين، وأطلق عليه المستكشف الفرنسي هنري لوت لقب «رجل الرمال البغيض».
ومن بين الشخصيات الغربية المجسدة في الرسومات، توجد تلك التي تصور كائنات بدون وجه أو شعر، وتظل هذه «الرؤوس المستديرة» وأخرى في شكل رواد فضاء ما شكل لغزا بالنسبة لعلماء الآثار، بحكم ان أصحاب الرسومات كانوا يستوحون رسوماتهم من ما يرصدونه من مظاهر الحياة التي كانت محيطة بهم آنذاك وحياتهم اليومية وما كانت تقع عليها أعينهم، ما جعلت الكثير من الأسئلة تتناسل حول حقيقة وجود هذه المخلوقات بينهم أم ربما حظوا بزيارتهم. هذه الصور ألهمت خيال العلماء والكتاب على غرار الكاتب السويسري إيريك فان دانكن، وفتحت الباب لأصحاب نظرية «الفضائيين القدامى» والتي تزعم بقيام كائنات ذكية من خارج كوكب الأرض بزيارة الأرض في العصور القديمة ما قبل التاريخ وتواصلهم مع البشر آنذاك، وكان لهذا الأمر حسبهم الأثر في إثراء الثقافات البشرية وتطور التقنيات المستعملة مستشهدة بصور بعض المخلوقات الغريبة التي ترتدي حللا فضائية، وكذلك الآثار المشابهة التي عثر عليها في حضارات وأماكن مختلفة على مر العصور مثل حضارة المايا في البيرو والبابليين في العراق والفراعنة في مصر. وهي النظرية التي لم تلق قبولا من طرف العديد من العلماء على خلفية عدم تكرارها في أزمنة لاحقة. فيما ذهب آخرون إلى أن سكان تلك الكهوف كانوا من قارة أطلنطس المفقودة التي تحدث عنها أفلاطون، حيث عرف سكان تلك القارة بعلومهم المتقدمة، وذهب الفريق الثالث إلى أن حضارة عريقة وفي غاية الرقي والازدهار نشأت في تلك المنطقة قبل أن تندثر لأسباب غير معروفة.
ويذهب باحثون إلى كون ما نسج حول مدينة سيفار أقرب من الأسطورة منه إلى الواقع، ويؤكد الباحث والمعماري الجزائري الدكتور عاطف أحريز على أن ما «تحتويه المنطقة من كنوز فنية وتاريخية فهذا شيء لا يعتبر ضربا من الخيال إنما هي حقيقة مرئية وملموسة» أما جانب الإشاعات والتي تصنف ضمن الخرافات، فتبقى حسبه الخرافة اعتقادا بشريا بالأمور الخارقة والتي يعجز العقل عن تفسيرها. أما عن التأويلات والتفاسير المختلفة التي وضعها علماء الآثار، والتاريخ والأنثروبولوجيا فهي علميا تسمى فرضيات قد تحتمل الصحة مثلما تحتمل الخطأ، لأنها مبنية على أسس علمية متعارف عليها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية