قبل الاستماع إلى نشرة الأخبار، التي تحولت إلى «نشرة هلع يومي» يستيقظ اللبناني على صوت فيروز. أغلب الإذاعات المحلية تعطي جرعة أمل للبنانيين بأغانيها وصوتها الملائكي الذي لا يشبهه صوت، قبل بدء نهاراتهم وأشغالهم وفجائعهم.. إنها ملكة الصباح بامتياز! تنتشل فيروز بأغانيها اللبناني المتعب من مأساته المتواصلة من عشرات السنين. تغني مُصرّة على إبقاء وجه لبنان الجميل في قلوب مواطنيه ومحبيه.
أنا أيضا أذكر صوت فيروز، منبعثا من راديو سيارة أبي، وبلا شك كان أول صوت همس لي بحب بلد اسمه لبنان، أمّا تلك الصورة فلن تغادر ذاكرتي أبدا، أبي الجميل وصوت فيروز وطفولتي السعيدة في كنفه. تحرقني دمعة في هذه اللحظة، وأنا أعود فجأة لذلك الماضي، فأرى بوضوح الطفلة السمراء الصغيرة التي كنتها، وكيف مضت بي السنون سريعة إلى عمر آخر، هو بالضبط كعمر فيروز حين افتتنت بها، بوقفتها، وفساتينها الطويلة المحتشمة، وهيبتها، ونورها المنبعث منها لسر غير مفهوم. أتذكر تاريخها الطويل وهي تعمل في عزلتها، مثل بينيلوب مع مغزلها، في انتظار أن يهدأ لبنان، ويستعيد «وجه سويسرا الشرق» أتأمل صورتها الأخيرة مع ابنتها ريما، السيلفي الذي قلب الدنيا ولم يقعدها بعد، وأراني بعد ثلاثين سنة إن عشتها طبعا، متأسفة على كل التعليقات المتنمّرة التي هطلت كالسّيل على مواقع التّواصل الاجتماعي، منتقدة شكل فيروز، وقد نسي أصحابها أنهم أمام سيدة في السادسة والثمانين من عمرها، في ما البعض الآخر انتقد شكل ريما، وريما كما يعرف القاصي والدّاني من محبي الفن الرحباني والفيروزي «جبل ما يهزّه ريح» إنّها سيدة من حديد، ولولاها لكان مصير فيروز مثل مصير فنانات كبيرات طواهن أنصار «بوس الواوا» في خزائن العتمة، رغم أن بعضهن قادر على العطاء إلى يومنا هذا.
هذا التنّمُّر لم يكشف فقط عن انحدار المستوى الأخلاقي لأجيال عربية بأكملها، بل كشف سطحيتها، وفقرها على كل المستويات، وأنّها نتاج برامج مدرسية وُضعت سلفا لخلق هذا النوع من الشعوب. بالطبع لقد كان التّنمُّر ولا يزال موجودا في العالم كله، منتشرا في المدارس والجامعات، لكنه صنف كظاهرة لغير الناضجين، إلاّ أن مواقع التواصل الإجتماعي اليوم حوّلتها إلى ظاهرة انزلق في ممارستها الصغار والكبار بنسبة ضخمة.
روى بعض مشاهير العالم عن تعرّضهم للتنمُّر في مرحلة من مراحل أعمارهم، مثل المخرج ستيفن سبيلبيرغ، الذي اعترف بالتنمر عليه من قبل زملاء الدراسة، لأنه كان تلميذا متوسطا مشكوكا في قدراته، ومثله إيفا ميندز، كريستين ستيوارت، ليدي غاغا، جيسون سيغيل، توم كروز، ساندرا بيلوك، وآخرون رووا محنتهم مع المتنمرين في فترات طفولتهم ومراهقتهم، وهذا غير ما تعرّض له آخرون بسبب مواقع التواصل الإجتماعي، مثل المذيعة الكندية أناييس فافرون، التي كاد أحد المتنمرين أن يحول حياتها وحياة ابنها إلى جحيم عبر فيسبوك.
لقد كتبت في مقال سابق عن الأشرار، والشرّ المجاني الذي يوزعونه هنا وهناك، وقد تساءلت كثيرا بيني وبين نفسي، ماذا يستفيد الشرير من نشر سمومه؟
المتنمّر شرير بالفطرة، وما حدث من ردّات فعل سامة على السوشيال ميديا كان كمية شرٍّ لا تُحتمل، ليس لأن فيروز رمز من رموز ثقافتنا، يجب أن يظلّ على قداسته التي أرادها الرحابنة (عاصي ومنصور ومن بعدهما ريما) وانصاع لها الإعلام، بل لأنّ ما قيل ليس في موضعه، إذ لطالما سمعت من أصدقاء وصديقات من لبنان أنّ فيروز ليست جميلة، كما قيل إنها غريبة الأطوار، وقيل أيضا إن صباح أفضل منها شكلا ومضمونا، وكلها آراء تخص أصحابها، لكني أتذكّر صباح نفسها، في آخر سنوات عمرها، في مطعم تناولت فيه الغداء مع بعض الأصدقاء، وكيف كانت ردّة فعل أحدهم حين رآها، بحيث قال بصوت مرتفع قاصدا أن يُسمع: «ما الذي أخرج هذه المومياء إلى العلن؟». ما أشبه تلك اللحظة المقيتة بما حدث اليوم مع فيروز، إنّه دون شكّ طعن فاجر للمرأة التي مهما أبدعت وقدمت من منجزات، تظلُّ تقاس عندنا بمقاييس جسدية سخيفة. وهذه البشاعة ليست بعيدة عن عالم الإعلام أو الأدب والشعر، إذ أتذكّر ما سال من حبر حول الشاعرة العراقية نازك الملائكة، التي ظلّ أدباء وشعراء وأكاديميون وإعلاميون يهاجمونها حتى انطفأت، ولا يزال في ذاكرتي مقال لجهاد فاضل، يصف فيه نازك العجوز مُركِّزًا على انتهائها ورجفان يديها، وأفول جسدها.
في حالتنا اليوم، نفهم أن المُتنمِّر يريد إزعاج صاحبة الصورة، ومن يحبون فنّها، لكنّهم أيضا يستهدفون الأنثى بعد أن تم زرع الكراهية تجاهها على مدى مئات السنين. خرجت الكراهية اليوم لتأخذ شكل الوحش الذي يلتهم كل الأشياء الجميلة.
أمام صورة فيروز وريما، طفا على السطح وجهنا البشع، وعمقنا الأبشع، مع أنّ الصورة في حدّ ذاتها كانت طبيعية جدا وعادية لسيدة مُسِنّة وابنتها. كتب أحدهم معلّقا على صورة «السيلفي» التي جمعت ريما الرحباني ووالدتها السيدة فيروز:
«حامت عليك الرّوض واجتمعت *** على هواك قلوب الإنس والجنّ
لبنان لؤلؤة في الشرق ساطعة *** وأنتِ لؤلؤة في تاج لبنان»
وكان هذا من بين التعليقات الجميلة التي رافقت الصورة، كاسراً سيل التّنّمُّر اللاأخلاقي، الذي راح كالنّازلة يهوي على قامة مثل فيروز وابنتها. لكن هل يكفي اعتبار هذا التناقض الصّارخ بين الآراء المنطقية منها والمتطرِّفة مجرّد اختلاف في الرّأي؟
قبل أن أعطيكم إجابتي التي تتوقعونها، سأذكّر فقط أن مجتمعاتنا العربية تناقض نفسها حدّ الموت، فهي أكثر المجتمعات سحقا للشباب، وتحقيرا وتهميشا لهم، مع أنّهم يمثلون الطاقة الحقيقية لأي بلد يحترم نفسه، ويرغب في النهوض. ومع هذا أٌرَجِّحُ أيضا أن هذه الفئة المسحوقة هي نفسها صاحبة قيادة السوشيال ميديا والرّيادة في التنمّر الإلكتروني الذي تجاوز حدّه وأصبح ظاهرة مضرّة. أعتمد في إجابتي على تعريف الجمعية الأمريكية لعلم النّفس للتنّمُّر بأنه «شكل من أشكال السلوك العدواني الذي يتسبب فيه شخص عن قصد، وبشكل متكرر لإزعاج شخص آخر، ويمكن أن يكون المتنمّر أي شخص ممن تعرفهم أو لا تعرفهم».
في حالتنا اليوم، نفهم أن المُتنمِّر يريد إزعاج صاحبة الصورة، ومن يحبون فنّها، لكنّهم أيضا يستهدفون الأنثى بعد أن تم زرع الكراهية تجاهها على مدى مئات السنين. خرجت الكراهية اليوم لتأخذ شكل الوحش الذي يلتهم كل الأشياء الجميلة.
لقد مارس مجتمعنا كل أنواع الأحقاد والمظالم ضد بني جنسه، سمح لنفسه بالذهاب بعيدا في شروره، إلى أن فتحت أمامه أبواب حرية التعبير، فقرر ممارسة أمراضه عبرها.
لنفهم أكثر تقنيات التنمر ومراحله، إنه يبدأ بالأذى الجسدي، من تخويف وتهديد، ومضايقة، ويشمل التحرش، والاعتداء والاغتصاب. يتطوّر ليشمل التخويف من خلال اللقب أو المنصب أو السلطة أو الثروة، ثم يزداد شراسة حين يبلغ مرحلة التنمر اللفظي، والإهانات المستمرة واللغة العنصرية أو الجنسية، فالمتنمر يعرف جيدا أن الندوب المعنوية أعمق من الندوب الجسدية، وهي دائمة مقارنة مع الجروح الناجمة عن الضرب، وغالبا يلجأ إليها المتنمر لحماية نفسه من ردة فعل جسدية قد تلحق الضرر به، فيختار أشخاصا ذوي أخلاق عالية، ليست لديهم قدرة للرد عليه باللغة نفسها. لنبلغ في الأخير أعلى مستوى تنمر وهو التنمر الخفي، الذي وفّرته مواقع التواصل الاجتماعي، بحيث يجلس الشخص متخفيا خلف جهازه، ويرمي سمومه ليأخذ الشخص المقصود إلى القاع بسهولة، بالسخرية والتعليقات السلبية لهدف واحد، إفساد سعادته وسعادة من يحب، يفعل ذلك بكل ما أوتي من مكر وكراهية، وسادية مرعبة. يصنّف علم النّفس هؤلاء بالخطيرين، وأمام هذا التصنيف نقف عاجزين أمام حجم الخطورة، التي تسيج النساء وكبار السن والمستضعفين في مجتمعنا. علينا أن نفهم أن المتنمّر يكره لثلاثة أسباب: «يرى الآخر تهديداً له، يريد أن يكون هو، يكره نفسه لأنّه لم يحقق شيئا» غير ذلك يتراجع المتنمّر إذا شعر بقوة من يتنمر عليه، لأنه جبان بالفطرة.
نصل لأهم نقطة في الموضوع، لماذا كثر المتنمرون؟ ببساطة بسبب غياب القانون والعدالة.. ولماذا يغيب القانون؟ بسبب الفساد! المنزعجون مما حدث سيفهمون في الأخير أن كل هذا التنمّر كان ضد امرأة مسنة، يعتقدون أنّها في مرحلة ضعف عمرية، ضد امرأة استطاعت في مجتمع ذكوري أن تصبح أيقونة، ضد رمز من رموز النجاح، ولا أستبعد أن يكون ضد بلد بأكمله، يعيش أضعف مرحلة في تاريخه، وأحلك فترة في مئويته.. تعدّدت الأسباب والتنمّر واحد، يختبئ خلفه شخص جبان!
شاعرة وإعلامية من البحرين