سيناريوهات الحل السياسي للأزمة السودانية ما بعد حرب الجنرالات

عبدالهادي الحاج
حجم الخط
0

أربع سنوات مرت على الإطاحة بنظام الرئيس السوداني المعزول عمر البشير، والبلاد ما تزال تعيش مخاض فترة انتقالية شهدت العديد من المنعطفات الخطرة التي كانت أبرز سماتها الصراع المستفحل بين أطراف الانتقال الذين يمثلهم العسكريون من جانب والقوى السياسية الحزبية من الجانب الآخر. ومنذ إعلان الجنرال عوض ابنعوف الاستيلاء على السلطة في 11 نسيان/ابريل 2019 سعت القوى السياسية الحزبية لإيجاد صيغة تمكنها من وضع أساس دستوري لحكم انتقالي تصل بنهايته البلاد إلى انتخابات عامة تمنح شرعية الحكم لمن يختاره الشعب.
كان التوقيع على الوثيقة الدستورية في آب/اغسطس 2019 والتي أقرّت تقاسم السلطة بين العسكريين والقوى المدنية، أهم محاولات التأسيس لمرحلة انتقالية بتوافق الجميع، لكن سرعان ما انقلب العسكر على شركائهم المدنيين في 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021 بالتحالف مع الحركات المسلحة التي دخلت شريكاً ثالثاً في السلطة بموجب اتفاق سلام جوبا الذي تم توقيعه في تشرين الأول/اكتوبر الأول 2020.
وعلى مدى أكثر من عام دخلت البلاد في مرحلة جديدة كان أبرز ملامحها الاحتجاجات الشعبية المستمرة الرافضة لخطوة العسكر المتمثلة في الانفراد بالحكم مع حلفائهم من قادة الحركة المسلحة، كما شهدت تلك الفترة موجة استقطاب حادة تسببت في انقسام القوى الحزبية والمدنية إلى قوى تمثل خط التسوية السياسية الراغب في إيجاد صيغة لأساس دستوري ينهي الانقلاب العسكري بالتفاوض مع قادة الجيش والدعم السريع، وتمثل هذه القوى مجموعة المجلس المركزي بتحالف الحرية والتغيير، مقابل تحالف التغيير الجذري الرافض لتكرار تجربة الوثيقة الدستورية والذي يمثله الحزب الشيوعي السوداني وعدد مقدر من لجان المقاومة التي تقود الاحتجاجات في الشارع.
أسفرت الجهود الدولية والإقليمية في دفع العسكريين ومجموعة واسعة من القوى الحزبية للتوقيع على الاتفاق الإطاري مطلع كانون الأول/ديسمبر 2022 والذي كان من المقرر أن يؤسس لواقع سياسي جديد يقود لإكمال مسار الانتقال، رغم معارضته من قوى سياسية أخرى تمثلها مجموعة الكتلة الديمقراطية المنشقة من تحالف قوى الحرية والتغيير، بجانب المعارضة الشرسة من أنصار النظام السابق الذين رأوا فيه تهديداً للمكتسبات التي حققها لهم الانقلاب العسكري في 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021.
لكن الاتفاق الإطاري الذي كان من المؤمل أن يكتمل التوقيع عليه منتصف نيسان/ابريل الحالي، تسبب في تفجر خلاف حاد بين قادة الجيش المدعومين من أنصار النظام السابق وقوات الدعم السريع التي بدأت التقارب مع مجموعة المجلس المركزي بتحالف الحرية والتغيير، حيث أدى الخلاف على الجوانب الفنية الخاصة بدمج قوات السريع في الجيش لتفجر صراع مسلح وحرب شرسة مسرحها الأبرز العاصمة الخرطوم، دفعت تلك الحرب كلا من قائد الجيش الجنرال عبدالفتاح البرهان وقائد الدعم السريع الجنرال محمد حمدان دقلو الشهير بـ «حميدتي» بالسعي لتخلص كلاهما من الآخر بقوة السلاح، ووضعت مستقبل الاتفاق الإطاري والعملية السياسية برمتها أمام امتحان عسير.

الاتفاق الإطاري والحرب

يرى الصحافي والمحلل السياسي خالد التجاني، أن الاتفاق الإطاري كان هو السبب المباشر للحرب التي تدور رحاها الآن، والاتفاق- على حد قوله- جاء بوصفة خلقت تناقضاً بين العسكريين، وكان هذا التناقض سبباً إضافياً للأسباب الموجودة أصلاً منذ عهد الرئيس السابق عمر البشير.
ويوضح التجاني: «كانت هناك اعتراضات من قبل ضباط الجيش على وضعية قوات الدعم السريع، لكنها كانت معركة مؤجلة، ليأتي الاتفاق الإطاري ويجعل هذه المعركة حتمية».
وأشار إلى أن استخدام قوة السلاح من قبل قوات الدعم السريع جاء لتغيير المعادلة السياسية في البلاد، وإن هذا ما دلت عليه الحشود التي تم تجهيزها من قبل قادة هذه القوات.
وحسب ما ذكر التجاني لـ «القدس العربي» فإن الاتفاق الإطاري لم تعد لديه القدرة على الصمود، لأن تصميمه تم على أساس معادلة لم يعد أحد أطرافها موجوداً.
ويضيف: من المؤسف أن ثورة كانون الأول/ديسمبر 2018 ورغم الزخم الكبير الذي صنعته بدأ يتراجع تأثيرها بسبب أخطاء النخب السياسية ذات الأجندة الخارجية، لاسيما أنها جاءت بمشاركة كتلة اجتماعية ضخمة، لكنها فشلت في تحقيق النتائج المرجوة منها مقارنة بثورتي نيسان/ابريل 1985 وتشرين الأول/اكتوبر 1964 وهما اللتان حققتا انتقالا محدودا أعقبته انتخابات عامة شاركت فيها جميع القوى السياسية.
وحسب الصحافي والمحلل السياسي، كان من المؤمل أن تكون التجربة الثالثة وهي تجربة ثورة كانون الأول/ديسمبر 2018 أكثر نضجاً، لكنها للأسف عجزت عن تحقيق مطلوباتها.
كما يرى أن هناك مشكلة في تعريف مفهوم الانتقال، الذي قال إنه يمثل علماً قائماً بذاته وليس مجرد آراء، وأنه حدث خلط بين مفهوم الحراك الثوري والثورة، فالحراك الثوري حسب ما ذكر التجاني يعني إحداث تغيير متدرج داخل النظام القديم، أما الثورة فهي تعني الإطاحة بالنظام القديم برمته.
ويتابع: «ما حدث هو أن الناس قد ذهبت إلى المؤسسة العسكرية التي هي جزء من النظام القديم لإحداث هذا التغيير، وهذا الأمر يعكس تناقضاً في مفهوم الثورة التي تقتلع القديم وتؤسس للجديد».
ويشير التجاني، إلى أن عدم إكمال مسار الإطاحة بالنظام القديم، تم عوضاً عنه التوصل إلى تسوية سياسية مع جنرالات الجيش، وأنه إذا ما تم إكمال المسار على هذا الأساس كان يمكن أن يتم إنجاز تسوية تاريخية، لكن تناقضاً حصل لدى القوى المدنية بقبولها هذه التسوية فيما جاءت أفعالها بمفهوم الثورة.
ويضيف: «جاء الاتفاق الإطاري في وقت كانت تطالب فيه القوى السياسية بإنهاء انقلاب 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021 بينما هي تتحالف مع قوات الدعم السريع بجانب السعي للاحتفاظ بالعديد من الامتيازات التي سينتج عنها لعب العسكريين دوراً سياسياً، وتصادف ذلك مع رغبة القوى الدولية والإقليمية بوجود سلطة ما للعسكريين».
أما السيناريو المستقبلي للحل السياسي في السودان وفقاً لما يراه التجاني، فيتمثل في خلق تغيير تام لمفهوم الاتفاق الإطاري الذي كانت تعارضه قوى سياسية أخرى مثل مجموعة الكتلة الديمقراطية وجزء من العسكريين، وأن ذلك يتطلب إيجاد صيغة لمعادلة جديدة على نحو ما تم في نسيان/ابريل 1985 وتشرين الأول/اكتوبر 1964.

المضي قدما

لكن من ناحية أخرى يرى أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية صلاح الدومة، أن الفرصة ما تزال موجودة للمضي في الاتفاق الإطاري، ويؤكد إن ذلك سيجد قوة دفع من مجموعة الآلية الثلاثية، وهي فريق الوساطة الذي يضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومجموعة دول الإيقاد، إضافة إلى الآلية الرباعية، وهي مجموعة وساطة غير رسمية تضم الولايات المتحدة وبريطانيا والمملكة العربية السعودية والإمارات، ويشير إلى أن الرغبة القوية لدى هذه الأطراف في العودة لمسار الانتقال ستدفع في اتجاه العودة للاتفاق الإطاري.
ويقول الدومة لـ «القدس العربي» إنه سينتج عن توقيع اتفاق نهائي تشكيل حكومة مدنية رغم معارضة أنصار النظام السابق والدولة العميقة الذين يرى أنهم كانوا سبباً في إشعال الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ويضيف: كان في اعتقاد أنصار النظام السابق أنهم بإشعال هذه «الفتنة» بين العسكريين سيخلقون تعاطفاً شعبياً مع الجيش، لكن حدث العكس، وأصبح الشارع يحملهم ما آلت إليه الأوضاع الأمنية والمعيشية من تدهور.
ويوضح أستاذ العلوم السياسية أن المجتمع الدولي بدوره يتطلع إلى خلق استقرار سياسي في السودان، لأن ذلك هو ما يحقق لهم مصالحهم التي يعلمون أنها سوف تتضرر بعودة أنصار النظام السابق، لذلك سيدفعون بقوة ليتم هذا الاستقرار من خلال الاتفاق الإطاري الذي بذلوا فيه جهداً كبيراً على حد قوله.
ويشير الدومة إلى أن العسكريين باتوا ينقسمون إلى معسكرين هما معسكر «الحمائم» والذي أشار إلى أنه يمثله قائد الجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان، ومعسكر «الصقور» والذي يمثله عضو مجلس السيادة الجنرال شمس الدين الكباشي، ويدعمه أنصار النظام السابق بقيادة علي كرتي وأسامة عبدلله، وهؤلاء – حسب ما ذكر- هم الذين تسببوا في إشعال الحرب بمهاجمة معسكر قوات الدعم السريع من دون علم الجنرال البرهان، حتى يضعوه أمام الأمر الواقع وقد كان ذلك.

سيناريوهات متوقعة

بدوره يشير أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة قطر، والعميد المشارك للعلوم الإنسانية والاجتماعية بكلية الآداب والعلوم أحمد إبراهيم أبوشوك، إلى عدة سيناريوهات توقع حدوثها عقب هذه الحرب التي أشار إلى أنها تحركها المصالح الحزبية والذاتية.
وحسب ما أوضح أبوشوك في مقال له بعنوان: «هل الاتفاق الإطاري هو القشة التي قصمت ظهر البعير؟» يتمثل السيناريو الأول في إضعاف قوات الدعم السريع والتخلص من قياداتها العليا، ثم دمجها ودمج قوات الحركات المسلحة الأخرى في جيش واحد، وتشكيل حكومة أمر واقع تحت إشراف القوات المسلحة، بمهام محدودة تتمثل في إصلاح ما دمرته الحرب وتجهيز الساحة السياسية والدعوة إلى إجراء انتخابات عامة لكسب المساندة الخارجية، دون اهتمام كبير بما تفرزه مثل هذه الانتخابات.
ويرى أن هذه الخطوة ربما تدفع قوى ثورة كانون الأول/ديسمبر إلى إعادة ترتيب تحالفاتها السابقة مرة أخرى ومواصلة النضال ضد الحكومة التي يفرزها هذا السيناريو.
ويتجسد السيناريو الثاني حسب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، في كسر شوكة قوات الدعم السريع وإعادة النظر في الاتفاق الإطاري وتوسيع دائرة المشاركة لصوغ الاتفاق السياسي الذي سينتج عنه، ثم تشكيل حكومة توافقية من المناصرين للقوات المسلحة والاتفاق الإطاري، تُحصر مهامها في إجراء الانتخابات العامة.
ويتوقع أبوشوك أن السيناريو الثاني سيواجه معارضة من دعاة التحول الديمقراطي والتغيير الجذري، وأن تحقيق أي من السيناريوين سيعتمد في الأساس على قوة دفع التفوق العسكري، الذي ستحرزه القوات المسلحة على قوات الدعم السريع.
أما السيناريو الأخير فيرى أنه يتمثل في إيقاف الحرب فوراً، والدخول في تفاوض بين طرفي الصراع، لأن استمرار العملية السياسية في ظل تفاوض مثل هذا ربما يقتضي أبعاد الفريقين المتشاكسين (البرهان وحميدتي) من المعادلة السياسية، وإفساح المجال لانقلاب عسكري مبطن لمصلحة أنصار النظام القديم، الذين أداروا هذه المعركة بالريموت كونترول على حد وصفه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية