سينما أكتوبر ظلال الحرب والرومانسية في حكايات ملحمية

كمال القاضي
حجم الخط
0

الإسهامات الفعلية للسينما المصرية عن حرب أكتوبر لم تكن أبداً في مستوى الحدث. فحصيلة ما تم إنتاجه من أفلام يُعد على أصابع اليدين ومعظمها أنتج وعُرض في عام 1974 أي بعد الحرب بعام واحد فقط. فزهوة الانتصار قد شجعت في حينها السينمائيين على توثيق المعركة وما إن بدأ الإحساس الشعبي يقل تدريجياً وتهدأ العاصفة، حتى تراجعت مُعدلات الإنتاج وعادت السينما المصرية لسيرتها الأولى تبحث عن الربح المضمون في قصص الحب والرومانسية بعيداً عن غُبار الحرب والتضحيات والدماء.
تلك كانت الخطيئة الكبرى التي وقعت فيها المؤسسات الإنتاجية وأدت إلى قلة عدد الأفلام الحربية ونسيان يوم العبور العظيم لأكثر من أربع سنوات مُتتالية. فما بين عامي 74 و78 لم يُنتج سوى فيلم واحد للمخرج محمد راضي بعنوان «العُمر لحظة» بطولة ماجدة وناهد شريف وأحمد مظهر والممثل الصاعد آنذاك أحمد زكي.
وهذا الفيلم يُعد النموذج الأفضل من بين الأفلام التي تناولت على استحياء جانباً من تفاصيل القتال الضاري في معركة المصير. برغم أن بعضها حاز شعبية كبيرة كفيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» للمخرج حسام الدين مصطفى وبطولة محمود يسن ونجوى إبراهي، علماً بأن أحداثه بدأت بنقد حاد للسُلطة في فترة النكسة التي سبقت انتصار أكتوبر، وكان ذلك مقصوداً في إطار تحليل الواقع السياسي المصري والإلماح إلى الاستفادة من الأخطاء العسكرية التي وقعت في عام 67. ولم يكن هذا الطرح غريباً، لكنه مثل ثيمة تكررت في أكثر من فيلم إرضاءً للقيادة السياسية التي أرادت أن يكون الخط الفاصل بين النكسة والانتصار واضحاً ليتعاظم شأنها ويعلو نجمها عملاً بالحكمة التي تقول «وبضدها تتميز الأشياء» فلا يُمكن إدراك قيمة النصر إلا بعرض صور الهزيمة، وهذه كانت وجهة النظر المُتداولة والرائجة بين صُناع السينما وكُتاب القصص بتأثير الخطاب السياسي والتوجهات العامة في فترة السبعينيات.
وربما تجربة فيلم «أبناء الصمت» للمخرج محمد راضي دللت على ذلك بترجمة صريحة للأحداث والوقائع المريرة التي تم تناولها تحت مبدأ النقد أيضاً وبيان الفروق الجوهرية بين النصر والهزيمة، فالفيلم الذي شارك فيه حشد من النجوم المهمين، حمدي أحمد ونور الشريف والسيد راضي وسعيد صالح لم يعتن بتوثيق حرب السادس من أكتوبر، قدر اعتنائه بعرض بانوراما الهزيمة كمقدمة للانتصار، أي أنه يصح أن يكون تصويراً للنكسة وأوجاعها وآلامها أكثر منه توثيقاً لحرب كُبرى تحقق فيها حُلم الجنود المصريين بتحطيم خط بارليف وعبور قناة السويس والثأر لمراحل الانكسار العصيبة.
وكذا فيلم «أغنية على الممر» يُمكن اعتباره ضمن النماذج التي قدمت دراما جلد الذات تأثراً بألم النكسة ونقداً للحالة العسكرية المُتأخرة إبان فترة الركود القتالي. وعلى قدر مرارة الطرح الواقعي للظرف القاسي كانت حلاوة الإبداع الفني الذي كشف عن قُدرات هائلة لدى صُناع الفيلم ونجومه في إمكانية التوظيف السينمائي لنقل الحالة التراجيدية بكل تفاعلاتها ومظاهرها وإنسانيتها.
وقد أبدع الممثل القدير محمود مرسي في تجسيد دور المُقاتل العنيد الذي يأبى الهزيمة ويرفض الاستسلام، وبالقطع شاركه التميز الأدائي صلاح السعدني وصلاح قابيل.
وبخلاف هذه النوعيات جاءت البقية الباقية من الأفلام الرومانسية بخلفياتها الحربية غير مُرضية بالمرة فهي لم تقدم شيئاً عن الحرب إلا ملامح باهتة وضعيفة، وكلها بالجُملة وقعت في عيوب التنميط كفيلم «بدور» الذي عرض لصراع بين البطلين محمود يسن ومجدي وهبة على الفوز بقلب الفتاة الجميلة بدور «نجلاء فتحي» وصار بينهما عداءً مُطلق بددته المعركة وهو ربط ساذج كان الهدف منه المماحكة في الحرب وملامسة جانب منها بعد الاستغراق الكامل في الصراع المحلي الدائر في الحارة الشعبية بين اثنين من الشبان من أجل عيون الفتاة الجميلة.
ويندرج تحت عنوان التهافت والضعف أيضاً أفلام أخرى مثل «يوم الوفاء» العظيم للمخرج حلمي رفلة وهو إنتاج عام 1974 ولم يزد في تكوينه ولا تضمينه شيئاً عن شبيهه بدور. فالاختلاف الوحيد هو غياب الغريم مجدي وهبة عن ساحة الصراع العاطفي الدامي والاكتفاء بنجلاء فتحي كعامل مُشترك بين الفيلمين مع مراعاة وجود نجوم آخرين كنوع من تجديد الدماء.
وكذلك غلبت الرؤية الرومانسية أيضاً في فيلم «حتى آخر العُمر» للمخرج أشرف فهمي على الموضوع المأسوي لحكاية البطل العائد من الحرب محمود عبد العزيز الذي أصيب بعجز حركي وجنسي فاضطربت حياته العائلية وعلاقته العاطفية مع زوجته نجوى إبراهيم كرد فعل للأهوال التي عاشها أيام الحرب، وهو معنى سلبي مضاد لفكرة الانتصار والرجولة وخارج من حيث الدلالة والإسقاط عن السياق المنطقي لتطور القصة والأحداث.
ويبقى الفيلم التلفزيوني «حكايات الغريب» للمخرجة إنعام محمد علي نموذجاً مهماً لبساطة التوظيف السينمائي للعمل الأدبي. فالفيلم مأخوذ عن قصة للكاتب الراحل جمال الغيطاني وهو يُشير بشكل رمزي لحدوتة إنسانية تخص البطل الذي لا يمثل نفسه وإنما يمثل عموم الشباب المصري، فالغريب المُختفي الذي تستغرق عملية البحث عنه الزمن الدرامي كله هو مجرد مثال لبطل قد يكون حياً أو ميتاً أو مفقوداً، المهم أنه بطل يعيش في وعي الناس وذاكرتهم ويُعرف لدى كل منهم بعلامة مميزة وهو يشبه كل المصريين في خصاله ونضاله ومصريته.
أما فيلم «يوم الكرامة» فهو روائي تسجيلي طويل للمخرج علي عبد الخالق وهو تجسيد لملحمة قتالية حقيقية جرت وقائعها بين القوات البحرية المصرية والقوات الإسرائيلية قبل حرب أكتوبر، وبالتحديد إبان فترة الاستنزاف التي تُعتبر مقدمة تمهيدية للانتصار التاريخي في العاشر من رمضان-السادس من أكتوبر، ويتميز يوم الكرامة بواقعيته الشديدة وتناوله التسجيلي الدقيق للمعركة الحربية البحرية العنيفة التي استمرت نحو 6 ساعات متواصلة.
آخر ما قدمته السينما المصرية في هذا الخصوص كان فيلم «الممر» للمخرج شريف عرفة إسقاطاً على الحالة البطولية وتوثيقاً لحرب الاستنزاف بوصفها باكورة الانتصار. أما نصيب السينما التسجيلية فكان يسيراً للغاية ومُختصراً في فيلمين مهمين هما «جيوش الشمس» للمخرج شادي عبد السلام وعبد العاطي و«صائد الدبابات» لخيري بشارة، والأخير يختص بشخصية الجندي المُقاتل محمد عبد العاطي الذي لُقب بصائد الدبابات لقدرته الفائقة في التسديد والقتال، حيث تمكن من اصطياد عدداً كبيراً من المُجنزرات الإسرائيلية ببطولة منقطعة النظير فاستحق أن يكون عنواناً لفيلم وثائقي شديد الأهمية في المشهد التاريخي الخالد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية