سينما إيرانية تتحدى الطغاة… «سانا» تتحدث عن ديمقراطية أمريكية مزعومة… ورقابة قبائل سعودية على التلفزيون

حجم الخط
0

في واحدة من قصص الفيلم الإيراني «لا وجود للشيطان» يصوّر المخرج محمد رسولوف يوميات رجل أمن إيراني في حياته العادية، أي بعيداً عن لباسه الميداني، وبعيداً في البداية عن وظيفته الرسمية. تراه كمواطن هادئ البال، مستمعاً جيداً لثرثرة زوجته، ملبياً لمتطلبات العائلة، رضيّاً يزور بيت والدته كل يوم، تقوم زوجته بتحميمها، فيما يقوم بكنس بيتها، رقيق القلب حين يساعد الجيران في تخليص قطة عالقة بين أنابيب المبنى، وفي الختام سينهض فجراً إلى عمله، نراه يعبر ممراً طويلاً ليصل إلى غرفة العمل، في واجهتها بعض الأزرار واللمبات الصغيرة، وبينما يقوم بغسل بعض حبات البندورة والخيار، ستتحول اللبمات إلى الضوء الأخضر، ما يعني أن عليه الآن القيام بكبس الزر. وما تلك سوى لحظة إعدام؛ تنفتح الشاشة على مشهد إعدام جماعي قاس ومرعب. نفذّه ذلك الرجل ذو الملامح السمحة، من دون أي ألم أو تغيّر في تعبيرات الوجه، وهو على الأرجح سيحظى في اليوم التالي بإجازة لثلاثة أيام، ولعله سيحمل معه شوال الرز المخصص له، وبعد الظهر سيأخذ زوجته وطفلته إلى الـ«سوبر ماركت» ويهيل في عربته ما شاء من المنتجات الملونة.

يقول الفيلم: لا وجود للشيطان كما نعرفه في الأساطير وفي المرويات الدينية، هنالك فقط إرادة حرّة، أو مسلوبة.

إنها يوميات عادية، ليست مترفة، لكن تبدو تلك «العادية» مكافأة كبسة زرّ الإعدام، فنحن نرى في قصص الفيلم التالية من يرفض أثناء خدمته العسكرية الإجبارية القيام بتلك المهمة، إلى حدّ يبدو جنديٌ مساقٌ لتنفيذ الحكم بآخرين كما لو أنه هو نفسه المحكوم بالإعدام. لكن للرفض ثمنا كبيرا ستدفعه إحدى الشخصيات حين يضطر طبيب للتخلي عن مهنته، وعن مختلف الحقوق المدنية، بل وكذلك التخلي عن طفلته التي ستعيش عشرين عاماً من دونه خارج البلاد، فيما يعيش مع زوجته الطبيبة في بيت ريفي ناءٍ كمعارض منبوذين.
لا وجود للشيطان إذاً، لا وجود للشيطان كما نعرفه في الأساطير وفي المرويات الدينية، هنالك فقط إرادة حرّة، أو مسلوبة. كبسة الزر ليست قدراً، ولا يمكن تبريرها بالقول «إنها الأوامر» و«إننا عبيد مأمورون». ولكي لا نذهب بعيداً فإن المخرج رسولوف نفسه نموذج لتلك الإرادة الحرة. فقد كان محكوماً بالسجن (مع وقف التنفيذ) بسبب «ارتكابه» مع زميله المخرج جعفر بناهي التصوير من دون إذن، وقد أدى نيله جائزة «الدب الذهبي» في مهرجان برلين في دورته السبعين إلى تفعيل الحكم السابق بالسجن.

عبارة «لا وجود للشيطان» الشجاعة وحدها كافية لإثارة حنق النظام الإيراني، هو الذي لا يكفّ في أدبياته عن شيطنة خصومه وتصنيفهم إلى شيطان أكبر وأصغر أو شيطان وسط.

ربما كانت عبارة «لا وجود للشيطان» الشجاعة وحدها كافية لإثارة حنق النظام الإيراني، هو الذي لا يكفّ في أدبياته عن شيطنة خصومه وتصنيفهم إلى شيطان أكبر وأصغر أو شيطان وسط.
السينما الإيرانية غير الموجهة، وكما أثبت عدد من السينمائيين الإيرانيين، هي رفض لكبسة زر الإعدام. والأجمل أنها ترفض مع الاحتفاظ بسويّة فنية عالية لا تطفئها الأيام.

ديمقراطية مزعومة!

فيديو على موقع «سانا» وكالة أنباء النظام السوري، لا يتجاوز الأربعين ثانية بعنوان «الديمقراطية الأمريكية المزعومة في أبهى صورها» معدّ في معظمه من صور اقتحام مؤيدي ترامب لمبنى الكابيتال، حيث مقرّ الكونغرس الأمريكي، فيه خلطة صور يبدو أنها مشوشة عن قصد لتعطي انطباعاً بالفوضى مبالغاً به. لكن تطغى صورتان، واحدة لمدنيين مبطوحين (ليس أكثر من خمسة أشخاص) على الأرض ووسطهم رجال أمن مسلحون، والثانية يستعيدون فيها صورة الشرطي الأمريكي داعساً بركبته على رقبة المواطن الأمريكي من أصل أفريقي جورج فلويد.
يا لله! انظروا من يتحدث عن الديمقراطية! أولئك ملأوا شاشات العالم، وعلى نحو متواصل منذ حوالي عشر سنوات، بأفظع الصور وأكثرها إذلالاً لكرامة البشر في كل مكان. لو أردنا أن نعدّ عليكم الصور التي تعتبر علامات للتاريخ لما وسعتنا الجريدة كلها. لكن دعونا نتذكر صورةً واحدة، قبالة الخمسة المبطوحين، فيديو من ساحة البيضا في مدينة بانياس الساحلية، حيث راح رجال أمن النظام يدوسون رؤوس الناس ويضربونهم، ثم ينكرون ما حدث، ليأتي تالياً من يوثق الحدث بشكل دامغ.
صنّاع صور قيصر يتحدثون عن ديمقراطية مزعومة!

رشاش العتيبي

لا تحسد الدراما التلفزيونية السعودية على العقبات التي تواجهها إثر الإعلان عن أي عمل جديد، فإلى جانب الرقابة الحكومية المعتادة هناك رقابات قبلية بعدد القبائل وبطونها، هذه معركة جديدة دائرة بخصوص مسلسل كشف عن إعلانه الترويجي أخيراً، هو «رشاش» الذي سيبدأ عرضه خلال أيام على منصة «شاهد في أي بي». المسلسل يتناول شخصية واحد من أخطر المجرمين في فترة الثمانينيات وقد ألقي القبض عليه وحوكم. لكن الإعلان عن المسلسل لم يرض القبيلة التي ينتمي إليها رشاش، وقد صدر بيان من قبيلة العتيبة اعتبر أن تناول هذه الشخصية تلفزيونياً، كما تناول شخصية جهيمان العتيبي (من قبل من الممثل نفسه يعقوب الفرحان) هو مشروع فتنة.
هنالك أيضاً مشكلة أخرى في أعمال من هذا النوع، وهي اعتمادها الكليّ على أرشيف الجهات الأمنية السعودية، ما يعني أنها لا تعتمد وجهة نظر وحيدة وحسب، بل غالباً ما تكون بإشراف من تلك الجهات، وربما من اقتراحها، كما حدث من قبل حينما كان يُستأجر مخرجون وفنانون من خارج البلاد لتنفيذ أجندات تلفزيونية سعودية، ومن أبرزهم المخرج السوري نجدت أنزور، قبل أن ينقلب على البلاد عندما ساءت العلاقات مع النظام السوري.

٭ كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية