سينما انحاز لها الجمهور المصري بعيدا عن شعار “الوحدة الوطنية”

■ لم تكن الأفلام المصرية، التي نجحت شعبياً وجماهيرياً في حاجة للالتزام بشعار الوحدة الوطنية، كي تنافق الرأي العام أو تتاجر بالعلاقة الودودة بين المسلمين والأقباط، إرضاءً لأصحاب القرار أو المحافظة على التوازن المطلوب، لضمان الربح في شباك التذاكر، بل إن معظم الأفلام التي انطوت موضوعاتها على أفكار تمس الأقباط من قريب أو بعيد، جاءت متحررة من قيود المواءمة، واتسمت إلى حد كبير بالجرأة، ففي قائمة الأفلام المتميزة يبرز الفيلم الأهم «بحب السيما» للمخرج أسامة فوزي بطولة ليلى علوي ومحمود حميدة وزكي فطين عبد الوهاب وعايدة عبد العزيز ومنة شلبي وأدوارد، ويعد هذا الفيلم على وجه التحديد هو النموذج السينمائي الأمثل الذي ناقش الواقع المسيحي العائلي مُفصلاً، من غير أي محاولات للتعتيم أو تزيين الصورة الاجتماعية.
ويضاف إلى جرأة الطرح والمناقشة مفهوم آخر يتعلق بالمسألة الوطنية، وفكرة الانتماء بشكل حقيقي، وهي نقطة مفصلية تم التعبير عنها في المشهد التأثيري لحالة البطل محمود حميدة، الذي أصيب بنوبة اكتئاب حاد، جراء النكسة عام 1967 وإعلان عبد الناصر تنحيع في الخطاب الشهير، وهو مشهد دلالي كان غنياً في معناه بما يكفي عن كل الشعارات المرفوعة لنفي الفتنة، وتأكيد مبدأ الوحدة الوطنية، بغير ضجيج أو إسراف درامي فائض عن الحاجة.
ومن ظواهر نجاح الفيلم وقبوله لدى عموم الجماهير، بقاؤه في دور عرض الدرجة الأولى قرابة ستة شهور بتنام ملحوظ للغاية في الإيرادات، ثم انتقاله لسينما الدرجة الثانية في المدن الإقليمية وتحقيق المعدل الربحي نفسه، لتأتي بعد ذلك دورة الفيلم في المحطات الفضائية، كاستمرار لنجاحه واستثماره على نحو متقدم، وفي هذا السياق نكتفي فقط بإشارة سريعة لحصوله على العديد من الجوائز من مختلف المهرجانات، كون الأمر في مسألة التقييم يتصل بالتفاعل الجماهيري مع نوعية خاصة من الأفلام.

فيلم هندي

وباستمرار الموجة تتكرر التجربة بمعالجة مختلفة، حيث تتشكل ملامح الكوميديا الرامية إلى تأكيد خصوصية العلاقة بين المواطن المسلم ونظيرة المسيحي، في ضوء التفاعل الطبيعي والتجانس التلقائي بين أبناء منطقة شعبية واحدة، يجمعهم قاسم مشترك هو غواية الفن والنزوع إلى الرومانسية، كغلاف يسمح بوجود المسرة والمرح ، لذا فقد تم إسناد البطولة لنجمي الكوميديا أحمد آدم وصلاح عبد الله، ليتوافق الأداء التمثيلي مع الفكرة العامة للأحداث والمنظور الإنساني لها. ولتحقيق مبدأ المواطنة داخل النسيج الدرامي، كان لابد من خلق مساحات تدل على روح التآلف والاندماج الطبيعيين، وما ينتج عنهما من أمارات الإيثار والمحبة بين الصديقين الحميمين، حيث يسعى كل منهما للتنازل عن شقته السكنية للآخر، رغم صعوبة الحصول على شقة في العاصمة، وأزمة المقدم والإيجار التي تمثل عائقاً كبيراً أمام الشباب. لقد لمس الفيلم عصب المشكلة السكانية، وجعله محوراً رئيساً للأحداث، كي تتبلور العلاقة القويمة بين البطلين في صورتها الإنسانية، من غير تكلف أو تزيد أو مبالغة، كما يحدث في كثير من الأطروحات الفنية المفتعلة والمزيفة، لقاء تقديم حكاية ملفقة تشبه التقرير الذي لا يستند لأية معطيات أو براهين تدفع للاعتداد به كحقيقة لا تقبل الشك.

الخروج من القاهرة

وفي إطار الرصد الواقعي قدمت السينما المصرية أيضاً تجربة أخرى لم تأخذ حقها من الانتشار، تمثلت في فيلم «الخروج من القاهرة» وهو حالة مختلفة لعلاقة عاطفية تنشأ بين شاب مسلم وفتاة مسيحية، وكالعادة تنمو المشاعر الرومانسية وسط أجواء من الخوف والحذر، فلم يستطع الطرفان إعلان حبهما خوفاً من العواقب، إذ لا يسمح المجتمع بنشوء مثل هذه العلاقة، ومن ثم فلم يجد الحبيبان بُدا من التفكير في الهجرة للفرار من الجحيم المنتظر، ووفق الصراع الدائر تتعدد الأزمات والتعقيدات، وتتبدد العلاقة العاطفية المفتقدة لأي نوع من الحماية، وتنتهي الأحلام الرومانسية قبل أن تبدأ القصة ويذهب كل من البطلين في طريق مسدود. ورغم تشاؤمية المعالجة إلا أنها تتميز بالمنطقية في توالي صور الحصار المُحكم حول الحب المجرّم اجتماعياً، وتبقى الأزمة الفعلية قائمة، ولم تفلح السينما في تجميلها أو تجاهلها، بيد أن النهاية المفتوحة أضفت الكثير من الصدق على الفيلم، الذي أدى فيه دور البطولة الممثل محمد رمضان قبل عدة سنوات وكان لا يزال في طور التكوين الفني يتحسس الطريق نحو النجومية.
تمثل النماذج السينمائية التي قدمناها بشكل موجز، الملامح الأكثر واقعية في الصور التعبيرية المتضمنة ببعض الأفلام المعنية برصد وتتبع العلاقة بين مسلمي مصر ومسيحييها.

٭ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية