بيروت – «القدس العربي» : بيت في منطقة سكنية شعبية تشبه بيروت في بداية الستينيات، نجت حتى الآن من مشاريع الإسكان الضخمة اختاره شادي الهبر، ليكون مكاناً لمسرح «شغل بيت».
في «فرن الشباك» يستقر هذا البيت اللطيف، وفيه ورشات تدريب مسرحي على مدار الأسبوع باستثناء الخميس.
الورشة الجديدة تنطلق في 4 شباط/فبراير ورقمها 11، فيما لا تزال الورشة العاشرة قيد الإنجاز.
مع المخرج شادي الهبر كان هذا الحوار عن مسرح «شغل بيت»:
• لماذا مسرح «شغل بيت»؟ وهل حميمية المكان حتمت الاسم؟
□ بدأت المشروع منفرداً، وجعلت من المكان مساحة حميمة جاهزة للعمل. دعيت الزميلة مايا السبعلي لتشاركني المهمة لأني أؤمن بثنائية العمل. فنحن معاً تخرجنا من مدرسة الراحل «منير أبو دبس» المسرحية في الفريكة.
عملت مع أبو دبس لسبع سنوات، فيما تواصل عمل مايا معه لعشرين سنة، ونحن معاً نسير وفق نهجه المسرحي. وهكذا انطلقنا في ورش عمل طويلة المدى، وبدءاً من 2016 وإلى تاريخه أنجزنا تدريب عشر مجموعات مسرحية.
لاحقاً وجدنا أن من يتلقون التدريب لا يرغبون بترك المكان، ولهذا كان القرار بفتح مستوى ثان من التدريب المسرحي.
وهذا ما يسمح بوجود مجموعة أكثر تدريباً جاهزة عندما نقرر تقديم عمل مسرحي محترف. لماذا «شغل بيت» لأننا نرغب بالقرب من الناس، وأن يكون العمل برمته حميماً وخاصاً. أمنيتنا أن يشعر كل من يدخل هذا البيت أنه يشبهه، وقد شهد المكان منذ 2016 كماً من العواطف بين ضحك وبكاء. وجدرانه باتت تحتضن حجماً لا يقدر من المشاعر. وكل من يدخله يشعر أنه في مساحة من الأمان وهذا مهم. فالمسرح بحد ذاته يمنح الأمان، فكيف الحال إن وجد في منزل؟ عندها يصبح البوح أكثر سهولة، والتصالح مع الذات أسرع وبالتالي العودة إلى الحياة بنظرة جديدة.
• من يقرر الخضوع لورشة تدريب مسرحي؟ وهل من أهداف مشتركة بينهم؟
□ حب التمثيل والمسرح هو الهدف المشترك الأكبر لدى مجموعة منهم. لم يُتح لهؤلاء فرصة اكتشاف الذات خلال مراحل حياتهم. ومنهم من يرغب بجديد في حياته فيختار ورشة العمل المسرحي، فهي تؤمن لهم التسلية واكتشاف الجديد. ومنهم يطمح لتحقيق مزيد من الثقة بالذات، والراحة مع الجسد ومع الذات، وتكسير الحواجز. ومنهم يأتي بهدف الحشرية فيكتشف في هذا المكان أنه يحب التمثيل. وهكذا نجد تنوعاً واختلافاً في الأهداف، ويبقى المشترك تحقيق مساحة للذات، لأن مشاغل الحياة تستهلك كل الوقت. الجميل في المسرح أنه يعطي النتيجة سريعاً وتباعاً. ويستحيل أن تمر الساعات الثلاث وهو زمن التدريب ليوم في الأسبوع دون حصد نتيجة.
بعضهم يعبر بشغفه لهذا اليوم، لأنه يمدهم بالطاقة التي يحتاجونها. ومع مرور الوقت يكتشف المتدربون قدرتهم المستجدة على مواجهة قضايا كانت مستعصية فيما مضى عليهم. كما أن نظرتهم للعديد من الأمور تختلف. ونتلقى تعبيراً منوعاً من الذين ينتقلون للمستوى الثاني، ومعهم نباشر العمل بإحتراف مسرحي أكبر، كالمدارس المسرحية وأنواع المسرح. وندخل في أعماق هؤلاء المتدربين بحيث يصلون لتكسير كافة الحواجز، فالممثل يُبدع عندما يكون حراً.
• ما هو نوع الحرية، التي ينشدها أو يحتاجها الممثل ليكون مبدعاً؟
□ هو التحرر من كل قيد يمنعه من تجسيد أي دور. عندما يعجز الممثل عن القيام بدور ما يطرح السؤال على نفسه؟ وما الذي يجب تكسيره في شخصه؟ على سبيل المثال قد يكون بصدد محاكاة الله، ولا يتمكن بشكل صحيح. أو هو بصدد تجسيد سلطة الأب أو الأم. وقد يكون هذا الممثل في حالة عدم تصالح مع ذاته أو غيرها من الأمور. وهذا يتم اكتشافه بالتدريج. لهذا عندما يعرف الممثل ما هي الحواجز التي تعيق تطوره كممثل يعمل لتكسيرها وينطلق.
• وهل اكتشاف تلك القيود مهمة الممثل أو من يدربه؟
ـ لا شك أن المسؤول عن ورشة التدريب سيرى تلك القيود ولن يتحدث عنها، إنما يبقى على المُتدرب أن يكتشفها بنفسه. دورنا تحفيزه لكسر تلك القيود من خلال تمارين متخصصة.
• ماذا عن عمر المتدربين؟
□ شارك في الدورات العشر نساء ورجال من عمر 21 إلى 60 سنة، كما نستقبل من هم فوق هذا العمر. من المهم أن يكون الراغب بالخضوع لهذه الدورات مسؤولاً عن نفسه. ومن الأفضل أن يكون الشخص مستقلاً مادياً وأن يدفع البدل من تعبه، فعندها سيصبح أكثر مسؤولية عن ذاته. ومن الأفضل كذلك أن يكون الفريق الخاضع للتدريب غير متعارف أحده مع الآخر مسبقاً. المهم أنه وفي خلال عمر الدورة وهو تسعة أشهر تختفي الأعمار، وكذلك الإنتماءات.
• إلى جانب دورات التدريب ماذا عن فرقة مسرح «شغل بيت»؟
ـ فرقة تشكلت من أفراد مروا في الدورات العشر. ويمكن لهذه الفرقة أن تتغذى دائماً بعناصر جديدة، لأن التدريب يتقدم لمن يرغب من مستوى أول إلى ثاني، وفي نهايته يقدم المتدربون عرضاً مسرحياً. ومع نهاية المستوى الثاني يدخل من يرغب في فرقة مسرح «شغل بيت». وهكذا دواليك يتطور حضور المتدربين في العمل المسرحي ككل. وهؤلاء جميعهم لديهم التزاماتهم المهنية والعائلية لكنهم يعطون ذاتهم هذه الفرصة الخاصة في المسرح. من جهتنا قد نخلق فرص عمل للبعض أمام الكاميرا أو الجمهور أو خلفه. يمكننا القول إننا أسسنا مجموعة لنا ثقة عالية بإلتزام أفرادها، وبالوقت عينه هي مجموعة تنتمي لهذا المكان، ونحن عائلة بامتياز.
• نعرف أن المسرح يشكل علاجاً فهل تشكل دورات التدريب جزءاً من علاج لمن يطلبها؟
□ لبعضهم نعم، مع الإشارة بأننا لا نقوم بالعلاج بل بالتدريب المسرحي والعلاج يأتي من تلقاء نفسه من تطهير النفس، وإكتساب خصال ايجابية، والتحرر من القيود وكل منها يحلُّ في وقته. ونشير أن بعضهم تصعب عليه متابعة الدورة ويترك لأسباب متنوعة. المسرح برأيي قمة في الأخلاق مع الكثير من الحرية. في لبنان محرمات ثلاثة أساسية هي الجنس والدين والسياسة. بكل بساطة المحرمات الثلاثة تلك يجب أن تُحطم ليتمكن الشخص من التمثيل.
كادر بين 2017 و2019 قدم مسرح «شغل بيت» 11 مسرحية مع الطلاب المتدربين. وهو بصدد تقديم مسرحية احترافية في أذار/مارس المقبل بعنوان «درج» إخراج شادي الهبر، تمثيل مايا سبعلي، كتابة ديمتري ملكي. وسبق وقدم احترافياً مسرحية «أفيون» إخراج شادي الهبر تمثيل مايا سبعلي وفرح البزري، كتابة جعفر العطار، في شباط/فبراير 2018. ومسرحية «نارسيس» إخراج شادي الهبر تمثيل مايا سبعلي ووليد جابر، كتابة ديمتري ملكي، في شباط/فبراير 2017.