حين أسير معها فإنني أرفعها لتمشي فوق الغيوم وترفعني بدورها، ولا نعود أبناء الأرض البائسة، لقد تبدلت سحننا وتجملت أرواحنا وغاب عنا الله لأننا لم نعد بحاجة له. ربما لأننا تغلغلنا فيه حتى حسبنا أننا منه. معها على طول الطريق الذي يمتد عبر الصحارى، يظهر في خطى السير الضال أسربة المياه وأجنحة الطيور وهزيز الأوراق التي تشوش الصمت وتجمله وتجعله يغيب عن الوعي.
مشينا معا طوال الطريق مرورا بجامع خالد بن الوليد الذي يثيرني حين أمر بالقرب منه، ساحته المرمر والسلالم الغنية الباذخة ثم مررنا بشارع الخالدية منحدرين وبعد ساعات إلى باب تدمر الذي في ساحته مصانع النول والنسيج، تدق آلاتها بطرقات الخشب مؤلمة، ضجيج وازدحام لا يبعث على الراحة ثم حين نقطع تلك الساحة يظهر التاريخ والجفر العميق الطويل إلى يمين الطريق الذي يدفع الزمن نحو الخلف مائتي عام وعلى بعد كاف من طيف الحب نسمع غناء عليا.
الطريق الذي مر منه حافظ أسد في سيارة كشف بيضاء كان مشواره في حمص، وأن يمر من شارع باب السباع ثم باب الدريب ثم بباب تدمر ويصعد الى حي الزهرة كي يغيب عن أنظاري ولم أكن أتمشى معها حيثما الصمت الذي خيم علي لكنها أمل في خيالي أن أكون بالقرب منها لأن رياح بساتين ديك الجن وكانت خلابة.
ونهر العاصي.
الآن مرة أخرى الطائرة. تنظر نحو الأعلى قائلة: شو هاد…ثم تهبط من يدي وأفقد الهوى. مررنا بجانب دكان الجزار (اللحام) في ساحة باب تدمر، نسمع آلات النسيج تطرق وكانت امرأة بالقرب من الدكان جالسة عند مصطبته، معمرة كبيرة بحالة رثة تحك جلدة رأسها حتى أنها لفتت نظرها فتوقفت لحظة تراقبها وجاء ضجيج الطائرة الذي مايزال في السماء يهبط نحونا ونقدر أن الأرض والشارع الذي نمشي فيه قد أصبح هدير طائرة والذي كان يمشي معنا سيلاحظ العجوز التي جلست سافرة تحك شعرها المنثور قريبة من الجنون خرج صاحب الدكان يقول لها أبتعدي يا مالك دين. كأن القمل بكل مكان يقفز من شعرها وابتعدنا عنها- الآن أين تلك العجوز يا رامه؟ أقدر أنها ماتت بعد حوالي سنة واحدة لأنني لم أرها بعد ذلك. كانت تلبس بنطال نايلون وفوقه فستان فيه ورد حال لونه ثم لفحة رأس كانت أرسلتها على كتفها، أقدر أنها في الستين من عمرها. شعرها ليس داكنا بل قريب من الحمرة وحول شفتيها بقايا طعام ربما منذ يوم البارحة وبعض الذباب يحط عليه ثم يطير، وهي تهرش.
من غير المستحسن السير مع فتاة غريبة عني- هي ليست أختي ـ في باب الدريب ـ لكنك يا رامه أكثر من أخت وأنت في النبت الذي ينمو في أرضي وكنت قد لحظته يترعرع ويصعد أمامي كلما أتقدم خطوة أجد الحياة تنتظر إلا أنها تغيب كما تعلمين وترمين شال الذهول على كتفيك حين تنتهي ولا ألقاك مرة أخرى.
الذي أمامنا صخور سوداء وهي حمص صاعدة من البراكين.
لا تنتهي. تدمدمين شيئا عن المرأة العجوز العاطلة التي تحك جلدة رأسها بأسى أمام دكان اللحام ونحن نسير في منعطف باب تدمر. ونصعد ونصعد حتى نصل معا إلى . نرى الغيوم تحت قدمينا. ثم تمر الطائرة من الجانب المقابل. يقفز منها مظلي. يخطر في ذهني أن أتكلم عن اللا شيء حيث حضورك فيه هو الوجود الذي أبحث عنه من دون أن أجده. المرأة العجوز خلفت حزنا في النفس. ماذا لو أنك ستكونين مثلها حين تشيخين، تأتين إلى هذا المكان تبحثين عن حب قديم مجنون تجلسين على الرصيف في مثل هذا الوقت. سيمر الزمن كما لو أنه لحظة. أو خطوة أقطعها وحيدا من دون رفيقة درب.
عندما وصلت المنزل شعرت بالعناء ذلك أن حمص كانت في ساحة كرجية حداد تودع جمال عبد الناصر وبعد أيام قليلة ايضا ستودع الآتاسي. شعوري بالعناء كان بسبب عودتي وحيدا من الساحة يغمرني احساس العزلة، فبينما كنا في الساحة ألوفا مؤلفة تجتمع على فكرة واحدة ها أنا أعود وحيدا وأفكاري لا يحملها سواي، وجسدي الغض يتعذب وحده من دون شريك ولا مواساة.
هذا هو السبب الذي ينفرني من الحشود التي تتآلف لساعات من أجل فكرة ما، ثم حين ينفض الجميع تعود الغربة بمركبتها الهائلة كي تحملني وحيدا في عربة من دون حصان وما علي سوى أن أجر الحمل الكبير الذي يعذب الحياة ويعذبني. لماذا صنعت لنا هذه الأجساد التي لا تعرف كيف تتغلغل مع الآخر وتبقى معه لا تنفصل – على الأقل مع من نحب. الآن تطأ قداماي أرض قسطاكي حمصي.