شاعرية الصورة الفوتوغرافية في النيل وعيون الكاميرا

كمال القاضي
حجم الخط
0

نهر النيل هو شريان الحياة المُلهم بالقصيدة والموسيقى والأغنية، ونشيد الوجود والخلود، هو الرابط بين الإنسان وموطنه، هو تيار الشعور الرومانسي المسكون به المُبدع المصري، هو كل آيات الجمال والخيال في الشجر والخضار والعمار ونوازع الخير والتذوق والرقي والحضارة والسلام والوئام وصورة الناس الطيبين في أقصى الشمال وأقصى الجنوب، هو رباط الوحدة الإنسانية بين الديانات والثقافات، هو امتصاص العنف وغذاء الروح والنبع الرقراق الصافي بصفاء النفس السوية الأبية الخيرة.
المعاني والدلالات كثيرة وغنية ومتنوعة، وقد وردت ترجمتها في جُل الأعمال الإبداعية التي نسجت من حكاية النيل أشكالاً من الوصف والتعبير بين الخيالي والواقعي والتاريخي، لكن نوعا آخر تسجيلي أراده الفنان والمصور الفوتوغرافي أحمد راضي أن يكون توثيقاً تمتزج فيه صفحة النيل بظلال الأمكنة والبيوت والوجوه الباسمة البشوشة، العائشة على ضفاف الترع والقنوات وداخل الشريط الأخضر المُكتنز بالزرع والضرع والمُشبع بشمس الأصيل، والناصع ضوءه على أشرعة المراكب البيضاء وحُلل الصيادين النظيفة وقبعاتهم، والعرق المُتصبب على الجباه.
إنها القصائد المكتوبة على لوحات الصور الطبيعية بغير تزييف أو تزيين أو ألوان اصطناعية، هي فقط فطرة الطبيعة الربانية وتجلياتها البديعة يربطها المصور بنفوس البشر ونقائهم وواحة الأمان الممتدة بطول النيل وعرضه فهو يرصد وقائع الحياة بهدوئها وتفاعلها ويتخير في لقطاته الحية ما يلمس القلب ويُبهج الروح ليُقدم أدلة الارتباط القوي بين الإنسان المصري ومصدر حياته وشفائه وغنائه وسر نهضته، فالكاميرا تسجل بعيونها الذكية لحظة الشروق مع بداية اليوم الجديد وتتبع خيط الشعاع المُسلط على الفلاحين في المزارع والغيطان وسنابل القمح ومواسم الحصاد.
ومن الواحات الخضراء تنسحب خيوط الضوء وحرارة الشمس لتذهب إلى واد آخر، حيث الشواطئ وقوارب الصيد والمراكب والأشرعة وقوت الناس الطيبين من الأسماك بأشكالها ونوعياتها وثرواتها.

لم يشأ أحمد راضي أن يسجل للنيل مسراته وأغنياته فقط ولكنه قدم الصورة الواقعية للعائشين على ضفافه، يأكلون من خيراته ويضربون الأرض بفؤوسهم لتُنبت الحبات المنثورة فتصير أشجاراً ونخيلاً مُحملة بالثمار فيأتي المعنى المراد من باطن الأرض بدلاً من أن يظل مسجوناً في بطن الشاعر الذي دبج القصائد والأبيات، ولعله الاختلاف الذي يميز الصورة الفوتوغرافية عن القصيدة الشعرية المجردة.
وما من شك في أن المصور قد تعمد المغايرة ليقدم لنا الوجه الآخر لواقعية الحياة على ضفاف النهر العتيق، برغم أنه لم يُغيب تماماً الوجه الرومانسي، بل أشار إليه في العديد من لوحاته المُتمثلة في الظلال والأشجار ومناظر الشروق والغروب والبواخر النيلية المُتلألئة بالأضواء والضارب شعاعها في سماء القاهرة الليلي، كناية عن السهر والسمر واغتنام الفرص الثمينة للاحتفال والمرح.
ولم يكن الاهتمام بالنيل هو الهدف الرئيسي من فكرة التصوير أو المعرض الفوتوغرافي الذي يقيمه الفنان على مدار أيام داخل ساحة العالم الافتراضي من خلال منصته الخاصة «ألبوم الوطن» وإنما كانت الغاية الأولى هي تسليط الضوء على طبيعة المصريين البسيطة ودفئهم بالعلاقات الإنسانية وما يكفيهم به الونس من تبديد للوحشة والغربة ونوبات الضجر والملل التي تنتاب البعض أحياناً من كثرة الاعتياد والتكرار والرتابة.
وهنا تجدر الإشارة إلى المعارض السابقة التي عرض فيها راضي لوحاته بنفس الطريقة واتصلت بالصناعات والحرف اليدوية التقليدية التي أوشكت على الانقراض ليس في مصر فقط وإنما في مُعظم البلدان العربية، وهو خروج بالحالة الإبداعية من المحيط الإقليمي إلى المحيط الدولي ليرينا المُشتركات الثقافية بين الدول الشقيقة ويُبرز عناصر الجمال في البيئات المُتشابهة ليُثبت أن جذر الثقافة العربية واحد وأن هناك وحدة إنسانية تؤكدها العادات والتقاليد المُشتركة والمُتطابقة، سواء في المهارات اليدوية أو الصناعات البدائية الصغيرة.
فمن بين ما صوره أحمد راضي في هذا الخصوص وما عرضه على منصته الإلكترونية لمُبدعين عرب، الغزل القطني والصوفي وصناعة شباك الصيد وصناعة المنسوجات والأنوال والسجاد والمفارش والخزف والأواني الفخار والأواني النحاسية وفن الزخرفة وغيرها من أشكال الابتكار الإبداعي العربي بالوسائل البسيطة والخامات البيئية المحلية، في تعظيم واضح لمهارات الشخصية العربية المتمرسة على الفن والمُكتشفة تلقائياً لقدراتها الذاتية من واقع موهبتها الفطرية وما خصها به الله من ملكات استثنائية لم تتوافر للكثيرين من دونها، وهو التقاط ذكي من المصور الذي درب عينية على رؤية الجميل والمتميز والخاص جداً من التفاصيل الصغيرة في البيئة العربية الخلاقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية