شبح «بريكست الحاد» يخيم على بريطانيا وأوروبا

محمد المذحجي
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: حصر الصراع المحتدم بين النخب الحاكمة في المملكة المتحدة البريطانية الخيارات المتاحة للتعامل مع أزمة بريكست في خيارين رئيسين وهما إعادة التفاوض حول اتفاق جديد لفك الارتباط بين لندن وبروكسل و»بريكست الحاد» أي الانسحاب من دون توافق. وفي الأثناء تواصل الولايات المتحدة الأمريكية التحريض على تعزيز فرص حدوث انسحاب بريطانيا من التكتل الأوروبي دون توافق ما سيضر بالاقتصادين الأوروبي والبريطاني على حد سواء. ووعدت واشنطن لندن بأنها ستملأ الفراغ الذي سيخلفه انسحاب الشركات والاستثمارات الأوروبية في اقتصاد البلاد، واقترحت عليها صفقة للتجارة الحرة دون سقف محدد.
ويواصل حزب العمال معارضته لأي اقتراح تقدمه رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي، بهدف تصوير حكومتها بأنها عاجزة عن الإدارة وأغرقت البلاد في أزمة بريكست. ويخطط حزب العمال لتوفير الأرضية لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة من خلال إيصال عملية مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي إلى طريق مسدود. وفي الوقت ذاته، يعمل معارضو تريزا ماي في حزب المحافظين (الذين يتزعمهم بوريس جونسون وزير الخارجية السابق والذين يقدر عددهم في مجلس العموم ما يقارب 100 نائب) على عرقلة محاولات رئيسة الوزراء لتمرير توافقها مع الاتحاد الأوروبي ومنع تمرير أي اقتراح وحل آخر بهدف تمهيد الأرضية لـ «بريكست الحاد».
وصعدت الإدارة الأمريكية من محاولاتها لتعزيز تحقيق خيار انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي من دون توافق بشكل كبير خلال الآونة الأخيرة وكان آخرها تصريحات مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي، جون بولتون، حيث قال «نحن في الولايات المتحدة الأمريكية نتطلع إلى توقيع صفقات تجارية كبيرة مع بريطانيا حرة ومستقلة عن الاتحاد الأوروبي». وأوضح معلقاً على رفض مجلس العموم البريطاني للمرة الثالثة اتفاق ماي مع الاتحاد الأوروبي، «نقول لأولئك الذين يتخوفون من الانسحاب من دون توافق إنه: لا تقلقوا نحن معكم، وأنكم تلتحقون بحضن الولايات المتحدة». وأشار إلى رغبة دونالد ترامب الشديدة وتطلعاته لانسحاب المملكة المتحدة من التكتل الأوروبي، وقال إن الرئيس يحرص بشكل كبير على تحقيق إرادة الشعب البريطاني فيما يتعلق ببريكست، وإنه يرغب بفارغ الصبر في توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع بريطانيا في أسرع وقت ممكن.
وجدد الرئيس الأمريكي دعمه لوزير الخارجية البريطاني السابق، بوريس جونسون، وعلق على سؤال حول إمكانية أن يحل جونسون محل ماي وأن يصبح رئيساً للوزراء، قائلاً «أنا أحب بوريس جونسون، وهو صديق لي». وأشاد بمساعي تريزا ماي لتنفيذ بريكست وأضاف «ماي هي امرأة جيدة جداً، آمل أن تسير الأمور بشكل جيد، وأن يتحقق بريكست. ماي امرأة جادة وحازمة وتكافح بشكل جيد». وأكد أن الاتحاد الأوروبي منذ سنوات طويلة أصبح أحادي الجانب وأنه يريد الآخرين لخدمته فقط، معرباً عن أمله بأن تخرج مفاوضات بريكست بنتائج طيبة، مشيراً إلى أن واشنطن على استعداد لإبرام اتفاق تجارى كبير للغاية مع المملكة المتحدة في أعقاب خروجها من الاتحاد الأوروبي، مضيفاً أن هذه الاتفاقية ستكون مفتوحة ودون سقف محدد.
ورغم رفض البرلمان للمرة الثالثة اتفاق ماي، على أن ترسل طلبا إلى الاتحاد الأوروبي لإرجاء عملية الخروج من الاتحاد مرة أخرى حتى 30 حزيران/يونيو المقبل، بينما من المقرر أن تنسحب بريطانيا من الاتحاد يوم 12 نيسان/أبريل الحالي. وأكدت ماي أنه في حال توصل أعضاء مجلس العموم إلى اتفاق فسيكون على لندن فك ارتباطها ببروكسل قبل انتخابات البرلمان الأوروبي في 23 أيار/مايو المقبل، وأضحت أن بريطانيا قد تستعد لتقديم مرشحين في تلك الانتخابات، في حال عدم التوصّل لاتفاق حول بريكست. وشككت في إمكانية استمرار حال الجمود الراهنة، وقالت إنه «لا يمكن السماح باستمرارها لأنها أسهمت في مدّ حالة من عدم اليقين وأضرت بالثقة في سياسات المملكة المتحدة». وبينت أنه إذا لم تتمخض المحادثات مع حزب العمال عن مسلك موحد في برلمان بريطانيا، فسيُطلب من النواب التصويت بدلا من ذلك على سلسلة من الخيارات التي ستلتزم الحكومة بها. وكتبت ماي أن لندن اقترحت تمديدا للعملية حتى 30 حزيران/يونيو، وأنها «تقبل وجهة نظر المجلس الأوروبي بأنه إذا ما ظلت المملكة المتحدة عضوا في الاتحاد الأوروبي حتى 23 أيار/مايو 2019 فستكون ملزمة قانونيا بإجراء الانتخابات» وأضافت أنه إذا ما وافق البرلمان على اتفاق للانسحاب قبل ذلك، فإن الحكومة تقترح إنهاء المدة مبكرا حتى يتسنى للمملكة المتحدة أن تغادر الاتحاد قبل ذلك، وأن تلغي الاستعدادات لانتخابات البرلمان الأوروبي.
ومن الزاوية الأوروبية، قال مصدر رفيع المستوى في الاتحاد أن رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، سيقترح تمديدا «مرنا» لعملية بريكست مدته 12 شهرا، مع وجود خيار لاختزال المدة، إذا توصل برلمان المملكة المتحدة إلى اتفاق. لكن مقترح توسك يتطلب موافقة بالإجماع من قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل.
وعلى صعيد الصراع الدائر داخل حزب المحافظين، أكدت صحيفة «تليغراف» البريطانية، أن هناك سباقا للقادة على مستقبل حزب المحافظين الآن بعد ضعف موقف رئيسة الوزراء، وكتبت أن بوريس جونسون وتريزا ماي وضعا حزب المحافظين في خطر. وأشارت إلى أن جونسون خسر؛ لأنه لم يؤسس حملة وقادها لإنقاذ الحزب في حال فشلت ماي، حيث فشل في أن يصبح قائدا بسبب عدم وجود تنظيم في الحزب، مؤكدة على أن المعركة داخل حزب المحافظين على منصب رئيس الوزراء قد بدأت.
فيما توقع رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير، فوزا انتخابيا في حزب المحافظين لصالح بوريس جونسون إذا فشل حزب العمال في الفصل بين السياسة وثورية زعيمه جيرمي كوربين، وعلق بلير على أزمة بريكست والانسداد السياسي في البرلمان قائلا إن حزب العمال سيضطر إلى مواجهة الشعبوية اليمينية لجونسون إذا فاز في السباق ليخلف ماي. وأضاف «إذا كان لديك حزب محافظ بقيادة بوريس جونسون، فهو ناشط، وشخصية مثيرة للاهتمام، ولا أشك مطلقًا في أنه إذا كان لديك شعبوية يمينية ضد شعبوية يسارية (جيرمي كوربين) في هذا البلد، فإن الجناح اليميني سيفوز».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية