بحثًا عن اكتشاف الأشياء
«ملكية العالم تعود إلى الله، أليس كذلك؟ كل ما هو موجود في العالم ملكٌ لله؟ إذن، الزهور أيضًا» بهذا المنطق برّر زيزا سرقته للورد كل يوم من أحد البيوت التي تزدحم حدائقها بالورد، وإهداءها لمعلمته التي تحسن التعامل معه، حتى لا يظل كأس الزهور فارغًا.
«شجرتي شجرة البرتقال الرائعة» للكاتب خوسيه ماورو فاسكونسيلوس الصادرة عن دار مسكيلياني للنشر، للمترجمة إيناس العباسي، هي رواية إنسانية بشكلٍ بحت، تحكي واقع الأحياء الفقيرة في البرازيل، على لسان طفل صغير تعلم القراءة في الرابعة من عمره بدون معلم. زيزا، الطفل الذي يحمل في قلبه عصفورًا، وفي رأسه شيطانًا، هذا الولد الشقي المسالم الذي يتحدث بلسان أطفال الأحياء الفقيرة، ويرسم أحلامهم ويخط مغامراتهم وكأنها انتصاراتٌ كبيرة.
سحر اللغة وشاعريتها
الترجمة فنٌ لا يخلو من الذوق، كسائر الفنون الأخرى مثل الرسم والنحت وتأليف الموسيقى، يُحتم على المترجم أن يتقن صياغة الكلمات وانسجامها، وأن تعبر عن الشخصية الموجودة في النص المكتوب باللغة الأصلية. في رواية «شجرتي شجرة البرتقال الرائعة»، ترجمت إيناس العباسي الرواية عن النص الفرنسي، وهذا يعني أن النص تعرض للتنقيح مرتين، فالمترجم يقدّر النص الأصلي ويترجمه بعيدًا عن الترجمة الحرفية لكل كلمة. تعاملت إيناس مع النص بكل لطفٍ ورقةٍ وعذوبة، فعندما نقرأ الرواية نلحظ اللغة الشعرية وجمال الوصف والدقة في اختيار الكلمات المناسبة.
أتت أحداث الرواية على لسان ساردٍ ضمني شاعر وهو الطفل زيزا، وكان استعمال الكلمات والمفردات الصحيحة خادماً للنص بشكلٍ جيد. التصرف الصحيح في الترجمة والأمانة في نقل الأحداث مع مراعاة بنية النص الأصلي والحفاظ عليها أثناء الترجمة، ينتج لنا نصًا أدبيًا مترجمًا ترجمة أدبية رصينة.
الطاعون الصغير، قط المزاريب اللعين، الشيطان، كلها مفردات وألقاب زيزا، هذه القدرة الرائعة في التصرف بشأن الألقاب والتنوع في المفردات، خدم النص وأبرزه، قد لا يلاحظ البعض فرقًا، ولكن هذه الدقة هي التي تميز المترجم وتعكس ثقافته وتنوع مفرداته.
الترجمة فنٌ لا يخلو من الذوق، كسائر الفنون الأخرى مثل الرسم والنحت وتأليف الموسيقى، يُحتم على المترجم أن يتقن صياغة الكلمات وانسجامها.
البراءة تسكن قلوب الأطفال
«بما أنه لا أحد يحبني، فسيستغلون هذا الأمر لضربي لأي سببٍ كان». في زمنٍ تكاد تكون فيه البراءة معدومة كنتيجة طبيعية للتطور السريع والتكنولوجيا الحديثة التي نعايشها، يصور لنا زيزا مثالاً حياً للطفل البريء الذي يطرب لسماع الأغاني، ويسرق وردةً لمعلمته التي تقاسمه الطعام، ويخفف التعب عن والدته التي تعمل ليلا ونهارا من أجل محاربة الفقر. براءة زيزا تكمن في قلبه الذي يخشى الأذية، فيزيّن مسامع من حوله بكلماته الشعرية ولطافته التي يحبها الجميع عدا أهل بيته، وتكمن أيضًا في خططه الشريرة المضحكة للنيل من الناس أو من نفسه، كأن يكذب على السينور ويوهمه أنه سيأخذ قطع الشموع القديمة حتى يقوم بطلاء خيط طائرته الورقية، ولكنّه في الحقيقة أخذها ودعك الرصيف بها واختبأ ليرى من سينزلق أولًا، وكأنه يريد أن يلحق الألم الذي يشعر به ويتلقاه من الضرب لغيره، فربما تكون هذه هي العدالة من وجهة نظر زيزا.
يعيش زيزا مع عائلته الفقيرة، لكن هذا الفقر لم يكن يقتصر على الجانب المادي فقط، بل تجاوزه إلى فقر العواطف التي لا تكلف شيئاً، والتي يمكنها ترك الأثر الطيب والراحة في نفس هذا الطفل المسكين. كان زيزا يعاني من الإهمال والقسوة والضرب من قبل أهله، لم يدافع عنه ويخفف عنه وجع الضربات سوى أخته جوديا التي ترعاه. لم يكن زيزا الطفل المدلل الذي يطلب ويتمنى ما يشاء فيصله، بل على العكس تمامًا، فعلى الرغم من صغر سنه إلا أنه لم يكن كبقية الأطفال ولم ينل ما نالوه، أقصى ما طلبه هو البدلة الأنيقة ذات ربطة عنقٍ على شكل فراشة، والتي ستجعله شاعرًا كما يقول، لم يكن يريد سوى الحب والاحتواء والدفء من أهله، ولكنّه في المقابل لم يتلقَ سوى الإهمال والشعور بعدم الأمان والنفور منه.
يعاني زيزا من فراغ العاطفة ولم يحظ بالاهتمام والحنان الذي يجب أن يحصل عليه كل طفل في هذا العالم حتى يتزن سلوكه وتتزن مشاعره وأفكاره، دائمًا ما كان يشعر بأنه غير محبوب وغير مرغوبٍ فيه لأنه مصدر للمتاعب والشقاء، ولم ينتبه أحد بأن المتاعب التي يسببها زيزا قد تكون بسبب الإهمال المفرط وعدم الالتفات والاستماع له، وهذا كله ينعكس على سلوكه المشاغب وخططه الشيطانية، ليقوده الأمر في النهاية إلى الشارع ليكون مربيًا له، فكان يجوب الشوارع حاملًا أدواته الخاصة في تلميع الأحذية.
من يصدق أن البرتغالي بورتغا الذي أقسم زيزا أن يقتله ذات يوم سيصبح هو شلال العاطفة الذي يفتقدها زيزا، والحنان الذي لم يشعر به يومًا هذا الطفل المسكين.
فاقد الشيء.. يبحث عنه ويجده ويعطيه
الطفل الذي عاش في عائلةٍ لا تعرف معنى الحب والحنان والمعاملة الحسنة، كان من البديهي له أن يعاملهم بالمثل، إلا أن زيزا كان يكن لعائلته كل الحب، فكان يعمل في الشوارع حتى يرسم السعادة على وجه والده العاطل عن العمل، إلا أن هذا الحب ينقلب إلى كره بسبب الضرب المبرح الذي يتلقاه من والده، وهذا يترك أثرًا عميقًا في نفسه ويولّد الكره والنفور في قلبه.
من يصدق أن البرتغالي بورتغا الذي أقسم زيزا أن يقتله ذات يوم سيصبح هو شلال العاطفة الذي يفتقدها زيزا، والحنان الذي لم يشعر به يومًا هذا الطفل المسكين. نشأت علاقة أبوية حانية بين زيزا والبرتغالي، فأصبح زيزا يتلقى كل ما يفقده من حنان وحب واحتواء وتربية من البرتغالي الذي كان يومًا ما لا يطيقه. الرجل البرتغالي كان يشفق على زيزا ويمطره بالحب والعناية التي يحتاجها الطفل. تعامل البرتغالي مع زيزا بكل إنسانيةٍ وأخلاق، وعامله معاملة الابن في الوقت الذي كان يظن زيزا أن عائلته ستبيعه للحصول على المال، وأتاح البرتغالي للطفل أن يعبر عن مشاعر الحب المكبوتة في داخله بكل حرية، الحرية نفسها التي تتيح له أن يقّبل البرتغالي على خده، في حين أنّه لا يتجرأ على فعل ذلك مع أفراد عائلته. يتوفى البرتغالي إثر حادث، ليفقد زيزا شجرته الحنونة المعطاءة، شجرة البرتقال الرائعة، وغرق زيزا في عالم الحزن والفقد الذي آلمه بشدة، فيقدم بعدها على تعريف الألم قائلًا: «الألم هو هذا الشيء الذي يحطم قلبك. الألم هو الموت دون القدرة على البوح. إنه ألمٌ يشلّ ذراعيك وفكرك ويجعلك غير قادر على إدارة رأسك على المخدة». الأثر الذي تركه البرتغالي في قلب زيزا لم يمت، كبر زيزا وأصبح يقدم للأطفال ما كان يقدمه البرتغالي له عندما كان صغيرًا، جاء دور زيزا في توزيع الكرات والصور وإكمال مسيرة العطف والحنان التي بدأها البرتغالي.
يريك زيزا الوجه البشع من الفقر، الوجه الذي يسلب منك ضحكتك ويبعدك عن الفرح ويتركك ضحيته الأبدية، وإن لم تتخلص من هذه العواصف الجافة التي يخلفها الفقر، ستصبح جافًا وقاسيًا كوالد زيزا تمامًا.
الحداثة وأثرها
«كان الفقر مستفحلًا حتى أنّنا تعلمنا في وقت مبكر الاقتصادَ في كل شيء. كل ما يكلف مالًا، كان غاليًا». تطورُ المجتمع والاقتصاد في البرازيل كان من الأمور النسبية التي قد تختلف من منطقةٍ إلى أخرى، أو من عائلةٍ إلى أخرى، نظراً لكون البرازيل بلداً متنوعَ الأعراق والطبقات الاجتماعية. وعلى هذا الأساس، أثرت الحداثة سلبًا على حياة أسرة زيزا بمجرد أن أصبح والده عاطلًا عن العمل لتقدمه في السن، ورفضت جميع الجهات توظيفه للسبب ذاته، وبذلك أصبح يرى بأنه عديم المنفعة بالنسبة لأهله، كما يظن، وللمجتمع لأنه إنسان غير منتج لا فائدة منه، ما انعكس سلبًا على أفراد بيته وزيزا بالتحديد، الذي كان له النصيب الأوفر من الضرب والقسوة، ربما لأن والده كان يرى مدى اجتهاده في كسب المال من خلال عمله في تلميع الأحذية.
في المجتمع المادي أو الحداثي، ومع التطور أصبح الإنسان مقترناً بالمادة، فعندما أراد زيزا إسعاد والده قام بجمع المال لشراء السجائر حتى يحبه والده ويشعر بالسعادة فيكف عن إلحاق الضرر به، عوضًا عن أي أسلوب فطري وطبيعي آخر. يظن زيزا أن المال يستطيع حل كل شيء، وبلغ به الأمر أن يعرض على البرتغالي أن يشتريه من والده مقابل المال وأن والده سيقبل هذ العرض، وهذا بالطبع أمر خطر وحساسٌ جداً. انتقل زيزا إلى التشيؤ، أي أصبح يشترى ويباع كأنه سلعة دونما الالتفات إلى الإنسانية أو حتى الأخلاق والمشاعر التي ستكبر إذا تم شراؤه. بسبب اليأس والقسوة التي تحيط بهذا الطفل المسكين، كان مستعداً ليكون أي شيء حتى ينسلخ من عائلته التي لا تأبه به، وكما يظن زيزا كان المال هو الذي سيحدد قيمته عند والده ويجلب المنفعة الحقيقة من خلال الفائدة التي ستحظى بها أسرته الفقيرة عن طريق المال.
اعتراف أخير
يريك زيزا الوجه البشع من الفقر، الوجه الذي يسلب منك ضحكتك ويبعدك عن الفرح ويتركك ضحيته الأبدية، وإن لم تتخلص من هذه العواصف الجافة التي يخلفها الفقر، ستصبح جافًا وقاسيًا كوالد زيزا تمامًا. وما إن يتسلل الفرح واللين إلى قلبك، وتتحلى بالأخلاق النبيلة والإنسانية لأنها فطرتك وطبيعتك، وبمجرد أن تحاول تغيير وجه نظرك حول الحياة والحب واللطف والرعاية، ستصبح شخصًا مثل زيزا، يحاول إعطاء الآخرين ما هو كان بحاجته يومًا ما، كأن يعطيهم البسمة والفرح ببضع كراتٍ ملونة.
الاهتمام والحب والعناية والتربية هو كل ما يحتاجه الطفل حتى تكون عاطفته مستقرة وسلوكياته مستقيمة قدر المستطاع، فالمال لا يشتري كل هذا، إنما هي أشياء ثمينة لا تشترى بل تعطى بدون أي مقابل مادي، وهذا العطاء يجب أن يكون نابعاً من القلب بشكلٍ خالص. الفقر لم يكن يومًا فقراً متعلقاً بالمادة، إنما فقر الاحترام والأخلاق. إن التعامل بإنسانية ولطف واحترام هو كل ما ينبغي علينا فعله تجاه الغير، حتى نعيش في عالمٍ أفضل وعالم إنساني قائم على العناية والأخلاق والاحترام المتبادل.
٭ كاتبة من الكويت