شجن الأغاني الدرامية… ميزة غائبة في المُسلسلات الجديدة!

منذ بداية إنشاء التلفزيون المصري في عام 1960 وظهور الدراما التمثيلية كمنتج إبداعي درامي خاص، كان التقليد المُتبع الذي استمر فترات طويلة هو أن تُصاحب تترات البداية والنهاية في كل مسلسل، أغنية درامية كمقدمة للأحداث من باب التشويق والإثارة، وتهيئة المُشاهد للاستقبال كي يظل مشدوداً للحكاية من البداية للنهاية.
ولم يكن يخلو مسلسل من ذلك الإبداع الإضافي، الذي يُمثل ميزة مهمة على المستوى الشعوري والوجداني، ويعد تفعيلاً حقيقياً لدور الموسيقى والأغنية داخل نسيج العمل التراجيدي أو الكوميدي، وهناك أصوات بعينها برزت قدراتها في هذا اللون على وجه التحديد من الغناء التعبيري، ربما يكون أميزها صوت علي الحجار فقد كان الأكثر ارتباطاً بالأداء الدرامي المؤثر للغاية، وله في هذا الخصوص علامات مهمة ساهمت في رواج الأعمال ونجاحها بشكل كبير.
ولعل الفارق من بين ما غنى الحجار في مقدمات المُسلسلات ونهاياتها، أغنيات يُشار إليه بها، كأغانيه الشهيرة في مسلسل «الأيام» للمخرج الراحل يحيى العلمي، الذي يعرض فصولاً مطولة من قصة حياة عميد الأدب العربي طه حسين، ففي هذا العمل الضخم قدم المطرب الكبير مجموعة من الأغنيات القصيرة، تم توظيفها داخل المشاهد لتُضاعف تأثيرها التراجيدي في مسيرة البطل المكفوف ذي البصيرة الاستثنائية والقدرات الفطرية والعلمية الفذة. وبالفعل نجحت التوليفة الغنائية واللحنية نجاحاً لافتاً، فصارت من علامات السيرة الذاتية للعميد بشكلها الدرامي القريب من الواقع بنسبة مُرتفعة، وبامتداد الرحلة الغنائية لعلي الحجار زادت إبداعاته الفنية المُرتبطة بالشكل والأداء نفسيهما، فكانت أغاني مسلسل «أولاد آدم» بطولة عبد المنعم إبراهيم التي اتسمت بالنبرة الموغلة في الحزن باعتبارها جزءا من الحالة العامة للأحداث.
وفي مسلسل «رحلة السيد أبو العلا البشري» للكاتب أسامة أنور عكاشة كانت الأغنية أيضاً دليل المُشاهد وعنواناً صادقاً للحلقات التي تدور حول مثالية البطل محمود مرسي ونقائه الإنساني في مواجهة الأطماع والأحقاد والنوازع الانتهازية المُختلفة، وبالطبع لا يمكن إغفال مقدمة ونهاية مسلسل «الشهد والدموع» بأحداثه وتفاصيله المحفورة في ذاكرة الجمهور المصري والعربي، فقد كان الصوت الصادح هو صوت علي الحجار مع ألحان الموسيقار الكبير عمار الشريعي وكلمات الشاعر سيد حجاب.
ومع الرغبة في التنوع واختبار الأصوات الأخرى المؤثرة، وقع اختيار المخرجين على محمد الحلو ليدخل مجال المنافسة في تعميق الإحساس بالنص الدرامي، وبالفعل غنى الحلو عدة أغنيات لعدد من المُسلسلات من بينها، «ليالي الحلمية» وهو الإضافة الحقيقية لرصيد الدراما المصرية، كما أنه إضافة أخرى للمطرب صاحب الصوت الشجي والمميز، الذي أسهم إسهامات وفيرة ومُعتبرة بأغانيه المهمة في مسلسلات مثل «الوسية» و«زيزينيا» و«حُلم الجنوبي» و«درب الطيب» وغيرها الكثير، حيث تميز الفنان منذ تخرجه في معهد الموسيقى العربية بأداء الأغنية الدرامية التي كان من أبرز كُتابها عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب، ومن أهم ملحنيها عمار الشريعي وميشيل المصري.
وبجانب علي الحجار ومحمد الحلو، تمت الاستعانة بمجموعة من المطربين والمطربات للغناء في بعض الأعمال، للاستفادة من إمكانياتهم الصوتية واستقطاب جمهورهم، ومن هؤلاء كان محمد منير الذي اقتصرت مشاركته على نماذج قليلة جداً، ربما أشهرها مسلسل الكارتون « بكار» للمخرجة منى أبو النصر، الذي دارت أحداثة حول شخصية الطفل النوبي بكار والبيئة المصرية بخصوصيتها وتقاليدها وأهم ما يُميزها. غير أن هناك مطربين آخرين قدموا أغنيات درامية، لكنها لم تكن أفضل ما قدموه، إذ تباينت مستوياتها، ولم يكن لها تأثير كبير، من بين هذه الأغنيات أغنية محمد ثروت في مسلسل «مين ما يحبش فاطمة» والتي كتبها سيد حجاب ولحنها ميشيل المصري، ورغم توافر عناصر للأغنية إلا أنها حققت نجاحاً محدوداً، بينما بقيت أغاني مسلسل «مارد الجبل» لنور الشريف هي الأكثر تميزاً في إنتاج ثروت الغنائي الدرامي، التي كتبها الشاعر الكبير الراحل عبد الرحيم منصور. وكذلك غنى مدحت صالح عدداً من الأغنيات برز من بينها عينات قليلة كأغاني مسلسل «أبو العروسة» ومسلسل «ابن أبويا» ورغم كثرة التترات وزحام الأغنيات، لا يزال الجمهور مُتعلقاً بالقديم من تلك النوعيات المُحببة إليه كأغاني مسلسل «أديب» ومسلسل «الطاحونة» ومسلسل «محمد رسول الله» والأخير بصوت ياسمين الخيام فهو الأكثر ذيوعاً وانتشاراً ونجاحاً، ويُعتبر نجاح المُطربة المُعتزلة من الحالات الخاصة بين الأصوات النسائية التي غنت التترات، فهناك أصوات كان لها دور مهم كإيمان الطوخي وعفاف راضي وسوزان عطية وأنغام، بينما أخفقت مطربات أخريات ولم يُحالفهن الحظ في تأكيد مواهبهن التأثيرية في مجال الغناء الدرامي.
أما الآن فمعظم المُسلسلات لا تتضمن مقدماتها ونهاياتها أي أغنيات فالاعتماد الأساسي بات على الموسيقى فقط، التي حلت محل المؤثر الصوتي فقللت من متعة الجمهور بأغانيه المُفضلة وأفقدت الدراما التلفزيونية أهم ما يُميزها.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية