في الوقت الذي كان ينتظر فيه النازحون في مناطق جنوب قطاع غزة العودة إلى ديارهم في مدينة غزة وشمالها، وتحقيق حلمهم بعد أكثر من عام من حرب الإبادة والتطهير والتهجير، لم يتصوروا أن مدينة غزة تحولت مناطق واسعة منها إلى كومة من الرماد، فيما غابت الخدمات الأساسية عن المناطق التي بقيت مأهولة بالسكان وحجم الضرر فيها طفيف، حتى أن المخيمات التي أقيمت لأيواء أصحاب البيوت المدمرة تواجه معاناة كارثية في ظل نقص الإمدادات والخدمات الإنسانية اللازمة.
ومن أبرز الخدمات الأساسية المفقودة، التيار الكهربائي وعدم وجود رؤية واضحة من قبل جهات الاختصاص لإعادة مد قطاع غزة بالكهرباء، كما أن شبكة الإنترنت مقطوعة عن مناطق واسعة من المدينة.
وعبر آلاف المواطنين عن بالغ غضبهم من حجم الدمار الذي ارتكبه جيش الاحتلال بتدمير منازلهم بشكل متعمد، لاسيما ما حصل في مخيم جباليا من تدمير للمدينة ومحيطها بالكامل، بالإضافة إلى معاناة غياب الكهرباء والمياه، وسط غياب دور الجهات الحكومية المختصة والمعنية بتوفير الخدمات للسكان.
على صعيد مناطق شمال قطاع غزة وبالتحديد سكان مخيم جباليا وبيت لاهيا، حيث كانتا تضمان أعدادا كبيرة جدا من السكان، لكن بعد الدمار الكبير الذي حل في شمال القطاع ضمن خطة الجنرالات، التي كانت تهدف إلى إفراغ سكان الشمال وهدم منازلهم، عاد السكان ولم يجدوا مأوى ولو جزئي، ولجأ البعض إلى المدارس والعيادات الصحية ليعيشوا فترة نزوح جديدة، بينما أقدم آخرون على نصب الخيام بجانب منازلهم المدمرة، في ظروف صعبة وسط انعدام للخدمات الأساسية، أما باقي المناطق السكنية التي لم تتعرض لضرر كبير وتشهد ازدحاما وتكدسا، فتشهد أيضا شحا كبيرا في إمدادات الخدمات الأساسية، حيث أن طريق تمديد كافة الخطوط سواء الكهرباء أو الماء والاتصالات تمر من المناطق الشرقية والشمالية للقطاع، وجميعها تعرضت للتخريب والتجريف.
وتعمد الاحتلال الإسرائيلي خلال العملية البرية على مختلف مناطق قطاع غزة، تدمير كامل البنية التحتية من كهرباء وخطوط مياه وخطوط الاتصالات، وما يزيد الطين بلة أن إمكانية تصليح تلك الأعطال بشكل سريع أمر صعب، في ظل الشح الحاد في المعدات بعد الدمار الكبير الذي لحق بالمستودعات، إلى جانب منع الاحتلال إدخال المعدات.
ويشهد مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تكدسا كبيرا، نتيجة توجه سكان مناطق شمال القطاع المدمرة إلى نصب خيامهم واستئجار منازل داخل هذا المخيم الملاصق لمناطقهم ولم يتعرض إلى دمار واسع، لكن كافة الخدمات مفقودة داخل المخيم، حيث بات الحصول على جالون مياه أمرا في غاية الصعوبة، بينما من يملك ألواحا من الطاقة الشمسية يحصل على كهرباء يقضي حاجته، أما الحصول على الإنترنت فأمر صعب، ويتوجه سكان هذا المخيم إلى مناطق بعيدة من أجل الحصول على الإنترنت وقضاء مصالحهم.
بين مؤيد ومعارض
في أحاديث منفصلة لمراسل «القدس العربي» تباينت آراء النازحين العائدين إلى شمال قطاع غزة، بعد أن قضوا على مدار عام ونصف فترة نزوح قاسية في مناطق مختلفة من جنوب القطاع، فمنهم من استغرب مشاهد الدمار وانعدام الخدمات بشكل شبه كامل ولا يرغب في العودة حاليا، والبعض الآخر يرى عودته بمثابة كنز رغم الدمار بدلا من المكوث في جنوب القطاع، وبالتالي إفشال مخطط التهجير بعد سياسة التطهير العرقي التي انتهجها الاحتلال في الشمال، ودفع السكان إلى النزوح تحت تهديد السلاح جنوبا.
ويقول المواطن وليد عبدالله الذي يسكن في مخيم الشاطئ، «صحيح كنا نعد الأيام والساعات بانتظار لحظة العودة إلى بيوتنا، لكن لم أتوقع أن يكون حجم الدمار في البنية التحتية بهذا الشكل، فعدنا إلى المخيم ولم نجد المياه ولا إنترنت، حتى أن كوابل الكهرباء لم تعد موجودة وإمكانية إصلاحها يحتاج إلى أشهر طويلة، وهذا يكرس معاناتنا كسكان بحاجة إلى توفير خدمات أساسية».
ويشير إلى أن الحياة بالنسبة للنازحين في جنوب القطاع كانت قاسية، لكن كانت هناك خدمات موفرة من مياه وإنترنت، والمواطنون يقضون مصالحهم بما هو متوفر من خدمات، لكن هنا في مناطق الشمال الدمار واسع وحياة السكان توقفت في ظل نقص الخدمات، والأصعب من ذلك هو غياب دور المؤسسات المختصة، التي لم تأت إلى المخيم وتساعد السكان في إصلاح الأعطال.
أما عزالدين علي فيعتبر عودته إلى بيته في المخيم أكبر إنجاز تم تحقيقه خلال حرب الإبادة، وبالرغم من غياب كافة الخدمات الأساسية، فكل شيء مع مرور الوقت يعود مع تدفق السلع عبر المعابر وإدخال كافة المعدات اللازمة.
ولفت المواطن إلى أن الاحتلال الإسرائيلي سمح بعودة السكان إلى شمال القطاع في الأثناء عمل على تدمير كل الخدمات الضرورية، وعمل جاهدا على جعل مناطق شمال القطاع ومدينة غزة غير صالحة للعيش، بعد تدمير آبار وخطوط المياه وتدمير شبكات الكهرباء والاتصالات والإنترنت.
أما المواطن أبو خالد فهو لا يزال يعيش داخل خيمته في منطقة مواصي دير البلح، وبالرغم من شوقه إلى العودة لبيته في غزة، إلا أنه لا يرغب في العودة حاليا حتى عودة الحياة إلى طبيعتها في مدينة غزة، وإصلاح ما هو مدمر على الأقل توفير الخدمات الأساسية للسكان.
ويقول «بالرغم من صعوبة حياتنا في جنوب القطاع وقساوة الخيام التي لا تحمي من حر الصيف ولا برد الشتاء، الا أنني تأقلمت هنا وباتت جميع الخدمات متوفرة بالنسبة لي من مياه وكهرباء وإنترنت، وهذه الخدمات مفقودة في غزة بفعل الدمار الكبير، لذلك لم أرغب في العودة لكي لا أخوض في مشقة عشتها وباقي النازحين خلال الأشهر الأولى من النزوح إلى جنوب القطاع، حيث عانينا كثيرا من صعوبة الحصول على الخدمات، لكن مع مرور الوقت كل شيء توفر».
يذكر أن الاحتلال الإسرائيلي سمح لسكان مدينة غزة وشمالها بالعودة إلى منازلهم، بعد أن هجرهم تحت وابل القصف في أعقاب حرب الإبادة مطلع أكتوبر 2023، لكن الاحتلال سرق الفرحة من السكان الذين عادوا ووجدوا منازلهم مدمرة.