يعاني أكثر من مليون نازح من مدينة رفح صعوبات كبيرة خلال رحلة البحث عن أماكن جديدة آمنة، بعد طلب الجيش الإسرائيلي من المواطنين في مخيمات النزوح في مدينة رفح الخروج إيذاناً ببدء عملية اجتياح بري للمدينة المكتظة بأكثر من مليون ونصف نازح، حيث يعيق شح المياه وعدم وجود مساحات واسعة كافية إعادة التموضع ونصب خيامهم من جديد.
وحدد الجيش الإسرائيلي منطقة ضيقة أسماها بالإنسانية، تمتد من مواصي خانيونس غرباً إلى شمال مدينة دير البلح، بمساحة محددة لا تكفي لإيواء النازحين الفارين من مدينة رفح، خاصة وأن منطقة خانيونس ذات المساحة الجغرافية الأكبر خالية من شبكات المياه والصرف والصحي، بعد أن دمر الاحتلال خلال العملية البرية للمدينة البنية التحتية بشكل كامل وجميع آبار المياه المغذية للمدينة ومحيطها، وهذا ما زاد من معاناة النازحين الذين يبحثون من مصادر المياه.
وعقد النازحون أمالاً كبيرة خلال الفترة السابقة بأن تمتنع إسرائيل عن اجتياح رفح، مع الضغوط العربية والدولية التي طالبتها بتجنب اجتياح المدينة، كونها تضم مئات الآلاف من النازحين وأي عملية برية فيها ستعمق أزمات النازحين الذين يواجهون ظروفا قاسية من جراء الاكتظاظ الكبير داخل مخيمات النزوح، وصعوبة حصولهم على الطعام والشراب، ورحلة النزوح الجديدة ستضاعف صعوبة أوضاعهم.
وطالبت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» في بيان لها المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ قرارات سريعة وصارمة لوقف المذبحة الجماعية والجرائم الإنسانية والانتهاكات بحق السكان المدنيين في رفح جنوب غزة، وملاحقتهم ودعوتهم للخروج من المدينة، في المقابل تم غلق جميع المعابر مع قطاع غزة ما يعرقل دخول المساعدات الإنسانية، وهذا يهدد بتكرار سياسة تجويع المدنيين كما فعل الاحتلال شمال غزة وينذر ذلك أيضاً بحمام دم وكارثة إنسانية، مؤكدةً أن العقيدة الإسرائيلية حولت المدنيين وممتلكاتهم لأهداف عسكرية مشروعة، وتحمل الهيئة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة المسؤولية الكاملة عن حياة النازحين، كما وتحذر أيضاً العالم أجمع من تقبل تخدير إسرائيل والولايات المتحدة الرأي العام كون العملية في رفح ستكون محدودة، ومن ثم ارتكاب المزيد من مجازر الإبادة بحق المدنيين.
وقالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» إن شوارع رفح باتت فارغة مع استمرار العائلات في الفرار بحثاً عن الأمان، حيث أن ما يقرب من 500 ألف مواطن فروا خلال الأيام القليلة الماضية نحو مخيمات وسط قطاع غزة، بعد طلب الجيش الإسرائيلي إجلاء المدينة فوراً، في وقت يواجه النازحون مجاعة محتملة وتفشيا للعديد من الأمراض، بسبب منع الاحتلال تدفق المساعدات إلى القطاع بعد احتلال معبر رفح البري، وعدم توفر مراكز رعاية صحية تقدم الخدمات للنازحين الذين يكتظون في مساحات جغرافية ضيقة جداً مقارنة بأعدادهم.
«الهدف هو تأزيم حياتنا»
في منطقة مواصي خانيونس جنوب غزة ومدينة الزوايدة وسط القطاع حيث توجه سكان رفح، يواجه النازحون أزمات صعبة، تتمثل في ضيق المساحات الجغرافية وعدم توفر أماكن لنصب خيامهم، إلى جانب شحة مصادر المياه، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة والحاجة الماسة للمياه، التي باتت مفقودة، يضاف إلى ذلك أن تكلفة التنقل بالمركبات باهظة جداً، وهذا يعيق التنقل في ظل غياب مصادر الدخل.
يقول ناجي حمودة «نواجه ظروفا إنسانية قاسية في ظل سياسة تلاعب الاحتلال الإسرائيلي بنا، ودعوتهم بين الفترة والأخرى إلى الخروج من منطقة لأخرى بحجة القضاء على المقاومة، ولكن الهدف هو تأزيم حياتنا لفرض مزيد من الضغط عليهم، وهذا زاد من معاناة آلاف النازحين الذين لا يجدون مأوى آمنا حتى أن أدنى مقومات الحياة باتت غير متوفرة».
وأوضح لـ«القدس العربي» أنه وجد مساحة أقام عليها خيمته في مدينة الزوايدة وسط قطاع غزة لكن هناك شحا في المياه، ويكافح كغيره من النازحين في البحث عن المياه التي تعتبر بالنسبة له أهم من خيمته، حيث ارتفاع درجات الحرارة يدفع المواطنين إلى استهلاك كميات كبيرة من المياه.
أما أبو جهاد نصير فبات في حيرة من أمره بعد أن تموضع فترة طويلة داخل مدينة رفح وكان يحصل على المياه بسهولة لوفرتها، كون المدينة لم تتعرض خلال الفترة الماضية لأي عمليات اجتياح، ولكن مع إجباره من قبل الاحتلال الإسرائيلي على النزوح، لا يزال يتنقل بين المناطق بحثاً عن مكان آمن وفيه خدمات إنسانية أساسية، ويقول لـ«القدس العربي»: «إن أي رحلة نزوح تمتد لأشهر، تتطلب توفر الخدمات الأساسية على الأقل وجود مياه نظيفة وصرف صحي، وهذا بات غير متوفر في المنطقة الإنسانية التي حددها الجيش نتيجة الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية» ولفت إلى أن المنطقة الإنسانية الآمنة التي يدعيها الاحتلال، ليست آمنة ولا إنسانية، فالجيش يواصل قصف أهداف بين خيام النازحين رغم الاكتظاظ الكبير فيها، إلى جانب وقف تدفق المساعدات، وهذا عمق من أزمات النازحين.
آلاف النازحين
يرفضون الانصياع لأوامر الإخلاء
ويرفض آلاف النازحين الانصياع لأوامر الجيش بالخروج من المدينة، بسبب ما سيتعرضون له من أزمات خانقة في حال خروجهم إلى المنطقة التي حددها الجيش والتي تفتقد لأدنى مقومات الحياة، فرغم التوغل البري لأطراف المدينة، إلا أن سكان بعض المناطق خاصة المنطقة الغربية من رفح وبالتحديد حي تل السلطان يرفضون الخروج أسوة بغيرهم، وهذا هو حال المواطن باسل أبو عمر الذي يرفض نقل خيمته إلى خانيونس والمناطق الأخرى البعيدة عن مدينة رفح، حيث يبرر رفضه خلال حديثه لـ«القدس العربي» في عدم توفر مقومات للحياة في المناطق التي يريد الجيش دفع النازحين نحوها، عدا عن الاكتظاظ الكبير وعدم توفر المياه الصالحة للاستخدام الآدمي.
بدوره أكد الباحث في الشأن الإسرائيلي شريف السيد أن الاحتلال يحاول الضغط على المقاومة من خلال فرض مزيد من الضغوط على المدنيين، عبر دعوتهم للنزوح المتكرر عدا عن ارتكاب جرائم الإبادة بحقهم بشكل متعمد، وهذا ما شاهدناه من الاستهداف المتعمد لخيام النازحين ومدارس الإيواء في المناطق المصنفة بالإنسانية.
وأشار في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن المواطنين بالرغم من محاولات التضييق المستمر عليهم، فهم أكثر وعياً بمحاولات الاحتلال دفعهم نحو التحريض على المقاومة، وهذا ما بات واضحاً من عدم تعاطيهم مع المنشورات والمكالمات الهاتفية التي يوجهها الاحتلال لهم، ويدعوهم من خلالها للإبلاغ عن المقاومة وأماكن وجود الأسرى.
ولفت إلى أن الاحتلال يحاول التسويق إعلامياً للرأي العام العالمي بوضع خطط آمنة لنقل المدنيين قبل دخول أي مدينة وبالتحديد رفح، وإطلاق مسميات وهمية على المناطق التي هي بالأساس معدومة الخدمات الإنسانية، وهذا ما وجده النازحون إلى المنطقة الإنسانية التي حددها الجيش، وروج للعالم أنها آمنة ومتوفرة على كافة الخدمات الإنسانية.
وكان النازحون قد عقدوا آمالاً خلال الأيام الماضية على توصل حركة حماس مع إسرائيل إلى هدنة إنسانية برعاية الوسطاء، حيث زاد هذا الأمل والتفاؤل مع موافقة حماس على ورقة التفاوض، لكن سرعان ما رد الاحتلال الإسرائيلي برفض شروط الهدنة والتلكؤ في إبرام الصفقة ودخول مدينة رفح، وهذا أدى إلى حال من الإحباط واليأس في نفوس النازحين الذين أزالوا خيامهم وهربوا بحثاً عن مكان جديد آمن.