بيروت-“القدس العربي”: “ميدام” هو عنوان معرض شذى شرف الدين الثالث، وفيه تبدلت الأدوار، وبات للعاملات المنزليات حرية اختيار الشخصية المتخيلة التي يتماهين معها، وتجسيدها. صار الخيال حقيقة، وغدت للفتيات الوافدات إلى بلادنا السعيدة صور كبيرة، تتشابه مع اللوحات التشكيلية. صور مشغولة بتقنية عالية، تتميز بجاذبية تستدرج للتمعن في تفاصيلها الظاهرة، والتبصر ملياً بما خلف الظاهر.
إلى غاليري “أجيال” حيث كان معرض “ميدام” توافد كثيرون يوم الافتتاح، وكذلك حضرت العاملات وكنّ نجمات. لقاء بين طبقتين “خدم ومخدومين” لكن هذه المرة كانت صورة الخيال سند ظل لصاحبتها، وربما قوة. ومن المؤكد أنها طرحت “لماذا” لدى الـ”ميدام”؟
هذا حوار مع شذى شرف الدين بحثاً في التفاصيل:
*لماذا معرض “ميدام”؟
** السير في مدن وقرى لبنان يظهر حضور العاملات الأجنبيات المهاجرات الكثيف. وليس لأحدنا غض الطرف عن المشاكل المحيطة بهن. بدأ مشروع “ميدام” فكرة في 2012، فحينها انتحرت عاملتان اثيوبيتان خلال أيام. موت بقي دون تحقيق جدي، وهذا مُستفز. ولهذا تعمل الجمعيات الأهلية دفاعاً عنهن، وتظهر ظروف عملهن السيئة. راقبت العاملات في المنازل المحيطة بي من أهل وأصدقاء، وتحديداً العلاقة بين العاملة والسيدة أو الـ”مدام”. وجدت أن العاملة التي تلقى معاملة جيدة، وتنال أجرها كل شهر، تتماثل مع الـ”مدام” خاصة عندما تكون صغيرة السن. تقلدها كلاماً وملبساً، وربما تستعمل صوتها. وجدت خصوصية العاملة ليست في الحسبان حتى مع المعاملة الجيدة. رغبت الإضاءة على تماهي العاملة مع الـ”مدام”. فكرت بنقطة اللقاء بينهما، ووجدتها غير متاحة طالما هما طرفان غير متساويين أمام القانون. فيستحيل على العاملة غير المحمية الشعور بالأمان، حتى وإن كانت الـ”مدام” من أفضل ما يكون. فلحظة مزاج منها ستدفع العاملة للشك بتلك العلاقة. يرغب البشر بالتماهي مع الأفضل منهم، لهذا بحثت عن فانتازم العاملات. تمثلت الخطوة الأولى بسؤال مجموعة من الـ”مدامات” في محيطي، من عمر السبعينيات ونزولاً عن المرأة الـ”فاشن” التي يرغبن التمثل بها. حسب العمر وحسب الطبقة الاجتماعية للنساء تراوح المثال بين جاكلين كندي، وهيفا وهبي، وشاكيرا، ومارلين مونرو والسيدة العذراء. أنجزت “كتالوغ” يجمع بحدود 80 صورة لشهيرات، ونجمات الموضة والغناء، وأفضت نتيجة البحث إلى مكان تلتقي فيه العاملة والـ”مدام”.
*هل لديك رغبة في التغيير من خلال معارضك. وكم أثارت موضوعاتك جدلاً؟
** أطرح قضية من خلال التصوير، وأختار عناوين تمسني، وهكذا أتابع مهمتي دون تصد للتغيير، رغم كون موضوعي يهتم بمشكلة اجتماعية.
*كم عبرت صور المعرض عن الشخصية التي تطمح الفتيات أن تمثلهنّ بعيداً عن نمطية المهنة؟
**طلبت من الفتيات اللواتي قررت التعاون معهن اختيار صورتين، مع احتفاظي بحق تغيير صورة إن وجدتها غير مناسبة لإحداهن. كنت شغوفة بلوحة الفنان الهولندي فيرمير، وخشيت أن لا تجذب إحداهنّ. أردتها لأنها لخادمة فيرمير ومساعدته في الوقت عينه وكانت تتولى مهمة مزج الألوان. أعجبتني تلك القصة وغرام الفنان بمساعدته ورسمه لها رغم عدم وجود إثبات تاريخي بذلك. صح حدثي، فالصورة ليست فاتنة ولم يتم اختيارها، فالفتيات رغبن في صور تظهر أنوثتهن. كذلك لم يقع اختيار جوديث، من الفليبين على أي من صور الكتالوغ. أرادت أن تكون ريهانا، وهذا ما أفرحني، رغم عدم معرفتي بها.
*هل كان التصوير سهلاً؟
**مع البعض نعم، ومع البعض الآخر صعب. الصعوبة أنهن فتيات لم يعتدن أن يكنّ محور اهتمام. ضمّ موقع التصوير 20 مختصاً، بشارة عطالله الأزياء، وليلى عطالله الميك أب، ورونالد أشايد المسؤول الفني، وغريك دو مارك مصور فرنسي وغيرهم. مع هذا الحشد شعرت الفتيات بالإرباك. والحد الأدنى للزمن الذي تستغرقه كل صورة ثلاث ساعات. تعاملن مع الفتيات على أنهن “موديلز”، وهذا جديد في حياتهن. وجميعنا شعر بأجواء جميلة طيلة زمن التصوير الذي استغرق أربعة أيام.
*هل فاجأتك الفتيات بمعرفة أو بثقافة ما؟
** نعم. هنّا التي اخترتها لصورة حبيبة فيرمير، كانت تقصد موقع التصوير وفي يدها كتاب تقرأه إلى أن يحين دورها. حدثتها مرة عن الكتاب وما ترغب أن تكونه لاحقاً. لكن المشكلة في لغة التواصل. فهمت منها رغبتها في الكتابة. ومع انتهاء المشروع أخبرتني أنها بدأت ترسم. تفاجأت هنّا بأنها تجيد غير العمل المنزلي. وفاجأتني فتاة أخرى من أثيوبيا بملاحظتها للوقت الذي يستغرقه العمل الفني. خلال التصوير انتبهت لقوة الفتيات الأثيوبيات، بخلاف السريلانكيات، اللواتي استصعبن التأقلم مع مظهرهن الجديد. صديق مصور لفته حال السريلانكيات وعلق بالقول “كأنهن خائفات من ملابسهن”. وفعلاً كان تصويرهن أصعب من الأثيوبيات. يبدو أن المرأة في أثيوبيا تتمتع بامتيازات أكبر، شخصياتهن حاضرة، ويعبرن عن آرائهن. كذلك حال فتيات الفليبين. وكان لفيرا من الكاميرون حضور قوي.
*هل أمدتك الصورة المرجع بالسينوغرافيا؟
** تميزت المراجع بالسينوغرافيا، وأدخلت بعض التغيير.
*وكيف تمّ تصنيع الصور بحرفية تنقلنا إلى زمنها كاملاً وبجودة عالية؟
** جمع الاحتراف كامل فريق العمل والذي فهم الهدف. عمل الفريق المتناغم أساسي جداً.
*كم من الوقت أخذت العاملات الأجنبيات للتخفف من عبودية ربات العمل الظاهرة والضمنية والشعور بالراحة؟
** بعضهن أحتجن لوقت مطول كي يشعرن بالراحة. وفي أحيان كنا نرقص ونغني بهدف الاسترخاء.
*هل لصور الكتالوغ التي اخترتها موقع خاص لديك؟
** بل لها موقع لدى المرأة اللبنانية. باستثناء لوحة فيرمير التي أردتها شخصياً بحثت عن مثال للمرأة اللبنانية. وبالمقابل ألبست الخادمة فانتازم سيدتها، والذي اختارته بنفسها. وهكذا كان اللقاء بين الخادمة وسيدتها في عالم الفانتازم.
*ماذا عن رد فعل السيدات بعد مشاهدة المعرض؟
**حضورهن كان لافتاً. إثنتان منهن هنأتاني على العمل الجميل، وأخبرتاني كم هما “مناح” (طيبات) مع خادمتيهما. وجدتهما في حال تبرير ذاتي. تعبيرهما جمع بين الإعجاب بالمعرض والتساؤل “شو مفكرتنا مش إنسانيين وعم بتحرقصنا بخادماتنا الجميلات”؟ بالتأكيد أهتممت بردة فعل السيدات.
*كم شكلت تلك الوضعيات علاجاً لتلك العاملات وكم انعكست سلباً عليهنّ؟
** لن أقول علاجاً. حاورتهن بعد المعرض، وكانت ردود الفعل مختلفة. مع الإشارة إلى أن عائق اللغة يفضي لحوار مبسط ومباشر. أجمعت الفتيات على فعل التسلية والفرح بالملابس التي ارتدينها ليوم واحد، وبتحصيلهن للمال. وحدها هنّا اكتشفت جديداً في حياتها وبقدراتها. وماديت اكتشفت جمالها في الصورة وقررت أن تكون عارضة أزياء. مشروع بثّ التسلية في الجميع رغم التعب، وفتح أفقاً آخر للفتيات.
*كيف كان حضورهن خلال افتتاح المعرض؟ هل تحدثن للزوار بحرية؟
** فاجأني اهتمام الحضور بالفتيات، وبعضهم التقط صوراً مع هنّا وأخريات. عاملهن الجمهور كنجمات، وهنّ كنّ خجلات بدرجات متفاوتة، وساعيات للتكتل معاً لدى توقف الجمهور عن التصوير والسؤال. بعضهن حضرن الافتتاح أنيقات ولافتات للنظر.
*نقل المعرض خارج لبنان سيحمل بطاقة التعريف نفسها؟
** طبعاً. في اعتقادي أن السؤال الذي سيتكرر خارج لبنان هو العنصرية أكثر منه سيدة وخادمة. سيكون المتلقي الغربي بمواجهة فتيات سمراوات حللن مكان نجمات بيضاوات. فتاة فيرمير بيضاء بعينين زرقاوين، وكذلك مارلين مونرو وجاكلين كندي.
*كم ترين في معرضك وثيقة؟
** بتصوري كل عمل فني أو كتاب أو أي إنتاج إبداعي هو وثيقة. من الوثائق ما يبقى ومنها ما يزول.
*هل سينتهي نظام العبودية المتستر بعنوان الكفالة في لبنان وبلاد العرب؟
**جهود تبذل بهذا الاتجاه في لبنان، لكن منذ عقود تطالب النساء بالجنسية لأطفالهن ولا يحققن تقدماً، فكيف الحال مع عاملات أجنبيات؟
*من اشترى الصور التي بيعت؟ هل هم من المقتنين؟
**هم أصحاب ذائقة فنية، وليسوا مقتنين. قبل المعرض قيل لي إنه لن يبيع، فمن سيعلق صورة خادمته في صالونه؟ إنه الصواب، فالبيع كان قليلاً. والوضع الاقتصادي يبعد الفن عن الأولويات.
*هل تنفذين مشاريعك في عالم الصور بجهود خاصة؟
** نعم. بخصوص هذا المشروع تقدمت بطلب دعم لمؤسسات تُعنى بحقوق الإنسان، المرأة والثقافة العربية، ولم ألق التجاوب. الدعم الفعلي كان من القطاع الخاص. أعارني سراي مكتبي 10 سجادات بقيمة 70 ألف دولار على مدى أربعة أيام مقابل الثقة. بدون هذا الدعم كانت نوعية الصور ستختلف. وقدم سكاف للأقمشة مساعدة رائعة للملابس التي خيطت بنسبة 80 في المئة، كما أعارني قماشاً للديكور. دار المصور الجمعية الأهلية الوحيدة التي قدمت دعماً ممتازاً ومهماً بمنحي استوديو مع معداته لأربعة أيام مجاناً.
*أنت كاتبة أيضاً، فهل من رابط بين أفكار التصوير والكتابة؟
** قد تكون قصص الناس هي المشترك بينهما. إنها الحكاية التي أنقلها كل مرّة بطريقة مختلفة.
*ماذا عن معرضيك السابقين؟
**الأول حمل عنوان “كوميديا إلاهية” والثاني” خفة المشاهد التي لا تُحتمل”. في الأول اشتغلت على فكرة الجمالية في الفن الإسلامي، مقارنة بالفن الشعبي. في الثاني كان التوجه مختلفا، وشكلت لوحات الرسام الإنكليزي الشهير فرانسيس بيكون مرجعاً للبحث عن أثر مشاهد العنف على الناس. وهذا الموضوع استوحيته من تداعيات الثورة السورية، وتحديداً عندما أعيد الطفل حمزة الخطيب إلى والديه وعلى جسده آثار التعذيب. كان مشهداً مؤثراً. الإحساس بالعجز حيال ما يحصل أتعبني، قررت ألا أغض النظر عن التعذيب والضحايا في السجون السورية، وأن أكون شاهدة.