شرائع الجمال ونوعية الحياة

حجم الخط
3

احمُدُ الله أني لم أعش «هوس الانصياع لمعايير الجمال» حين التحقت بوظيفتي في التلفزيون، كانت من حسن حظي المعايير الثقافية وحسن الإلقاء أكثر أهمية من معايير الجسد. بعد عشر سنوات أصبح الأمر يتطلب مجاراة الماراثون العالمي الذي انطلق هادئا وراح يزداد سرعة يوما بعد يوم.
عكس الطلب الاجتماعي الغريب باشتراط السمنة معيارا للجمال عند أغلب المجتمعات العربية، خاصة بالنسبة للنساء، اكتشفت أن الكاميرا لا تحب السمنة لأنها تضيف خمس كيلوغرامات وربما أكثر لصورة الشخص، بدأت أنتبه لوزني إذن، خاصة أن كل زيادة فيه تصبح مع التقدم في العمر مشكلة صحية تتفرع عنها مشكلات أخرى. كان الأمر ممتعا في البداية، اكتسبت رشاقة جعلتني أسعد بتكثيف برنامجي الرياضي، والاعتناء بطعامي، لكن الأمر أصبح يأخذ منعرجا آخر لم يتقبله عقلي.
من السهولة أن نرفعَ شكل حواجبنا أو نجعلها ثخينة، أن نزيد قليلا في حجم شفاهنا، أن نغير لون شعرنا من الأسود إلى الأحمر النحاسي إلى الأشقر، أن نضيف إليه خصلات طويلة، وأن نكثفه بشكل يمنحه حيوية مفرطة، لكن هل يمكن الاستمرار في مجاراة تغيرات هذه المعايير، التي أصبحت مثل قائمة طعام متجددة يوميا تقريبا، وما يساعد على انتشارها مواقع التواصل الاجتماعي عبر مؤثرين أغلبهم في عمر الزهور، تحركهم هرموناتهم المتفجرة بقوة وعنف، وأمزجتهم غير الناضجة.
يجب أن تعرف المرأة دون الرجل أن هذا السباق قاتل وفتاك لأن لا نهاية له، وعليها أن تضع خطوطا حُمراً لنفسها حتى لا تنجرف إلى حيث موضع لا تُحمَد عقباه.
ألم يقل المثل «اسأل مجرب ولا تسأل طبيب»؟ أطباء التجميل يعدون بالكثير من الجمال، وكل ما يعرض من معايير جديدة يزيد من قطاف عملهم، وشخصيا اعتبر مثلا تصريح أليسا الجريء الذي قالت فيه إنها توقفت تماما عن تعريض وجهها لمزيد من الحقن والمواد الغريبة التي تبقيه ممتلئا، وإنها نظفت بشرتها بكل ما كانت محقونة به، نصيحة من ذهب ليس فقط لمتابعيها، بل لكل امرأة ترى بقاءها مرتبطا بمجاراة معطيات الجمال الاصطناعي المبتكر في مختبرات نجهلها.
في الرقعة العربية تعيش النساء في ظل التناقضات الكبرى، إذ لم يعد معروفا بالضبط ما المطلوب منهن! فذروة الجمال عندنا أن تكون المرأة ممتلئة ورشيقة في الوقت نفسه، فالسمنة علامة على ثراء عائلتها، وارتياحها ماديا، إضافة إلى علامات الصحة التي تشجع على اتخاذهن زوجات للإنجاب وإنشاء عائلات. وتقريبا هذه المعايير نفسها نجدها في أغلب دول افريقيا. وإن كانت السمرة هي اللون المحبب لدى الأوروبيات والأمريكيات، فإنها لدى العرب والأفارقة غير مرغوبة، تجارة مواد تبييض البشرة منتعشة لهذا السبب. في بعض الدول الآسيوية واحدة من كل خمس نساء بين 19 و49 سنة خضعت لعمليات جراحية لتغيير ملامحها لتلائم المعايير المطلوبة، مثل البشرة البيضاء الحليبية، وأنف معقوف مدبب، وعينين كبيرتين وخصر جد نحيف. أما في أمريكا فيزداد الطلب على عمليات تكبير الورك والردفين والنهدين.
في الحقيقة ما نعتبره جميلا يأتي بشكل خاص من ثقافتنا، ومما نراه من حولنا، وما نتعلمه بوعي أكثر أو أقل منذ عمر مبكر، بالمختصر الجمال فكرة نابعة من الشخصي والثقافي. وغالبا ما يعتبر الناس أن الجمال بطاقة رابحة في الحياة وهي صانعة النجاح لأي شخص جميل. ربما لهذه الفرضية جانب صحيح، لكنها ليست صحيحة بالكامل. ومع هذا فإن الشخص الحسن الشكل والمظهر يلاقي قبولا أكثر من غيره في أغلب مجالات العمل، وفي دراسة صادمة قليلا، فإن هذا الشخص ينال مكافآت أكثر من غيره! كما تعمد شركات غربية كثيرة إلى اختيار مديرين ذوي قامات طويلة وأجساد متناسقة، إذ اتضح أن لذلك تأثيرا جيدا على الموظفين، خاصة الموظفات.
غير ذلك علينا أن نحدد أن معيار الجمال يهم النساء أكثر من الرجال في الغالب، كون الثراء المادي هو المعيار الذي يقاس به الرجال عادة، لكن كلاهما معيار ظالم، فالغيرة قد تكون مدمرة للمرأة الجميلة، من أغلب من حولها، كما أنها قد لا تؤخذ على محمل الجد، وقد لمست ذلك بنفسي في مناسبات لا تعد ولا تحصى في الوسط الثقافي عموما، حتى إن بعض الشاعرات الجميلات كان يُستخف بهن حتى يسمعن الحضور ما لديهن من أشعار، ويا للهول حين يبالغ البعض باستبعاد أن يكنّ هنّ صاحبات النصوص المقروءة…

فجر السبعينيات ظهرت حركة «الهيبيز» التي جعلت الإناث يتخلصن من كل أنواع المشدات والألبسة والمواد المحسنة للمظهر، ولا أدري إلى أي مدى كانت التجربة جيدة بالنسبة للنساء والرجال معا، وقد هدموا كل معايير الجمال المصطنعة والمفروضة على الإنسان، وتقبلوا الطبيعة البشرية على فطرتها.

في الشعر العربي كانت المرأة موضوع وصف جسدي دقيق، وصفت العيون والشفاه والأسنان، ولون البشرة، والنهدان والخصر والأرداف، وقد شبهت بعض هذه الأعضاء بأعضاء الحيوانات مثل الخيل والغزلان، وبعضها للفاكهة، والأمر لا يقتصر على ما يزخر به الشعر العربي القديم من هذه الأوصاف، بل يتجاوزه إلى أوصاف لم أجد فيها أي جمالية في الشعر المعاصر، ومع هذا تعتبرها نساء كثيرات تعابير تليق بهنّ، مثل قول نزار قباني:
«أحملك كطعم الجُدري
وأتسكع معك
على كل أرصفة العالم»
ربما من شدة تكرار وصف المرأة وجمالها بالتعابير نفسها، وحصرها في مفاتن الجسد، ابتكر قباني نساء بلا ملامح خاطبهن معبرا عن وجدانه وما تحمله مشاعره لها. والصراحة تقال إن المرأة العربية في زمن نزار قباني شهدت تغيرات كبرى من النقيض إلى النقيض، وينعكس ذلك بوضوح في شعره، من مراحل مبكرة لإبراز المرأة لمفاتنها الجسدية والفكرية، إلى إخفاء هذه المفاتن جملة وتفصيلا والعودة الرجعية إلى التخفي والاستنجاد بالفضيلة الأخلاقية، عساها تكون معيارا مشتركا للنساء، في ردة غريبة فيها من الضياع والحيرة ما يكشف تحكم المجتمع الذكوري في جسد المرأة، التي لم تعش الفطام الحقيقي عنه والاستقلالية الكاملة بجسدها ومعرفته وفهمه. واستحضر هنا سيدة التصاميم الثائرة كوكو شانيل، التي ابتكرت ثيابا مريحة وعملية للمرأة دون فرض معايير جمالية قاسية عليها.
وعلى كل يجب أن يطيع الجسد شرائع محددة ويلتزم بها حتى يحافظ على انتمائه للجماعة، أما تلك الشرائع فهي وليدة الظروف الطبيعية والحروب، التي تتحول مع الوقت إلى عقائد يعاقب من يخالفها. ولأن الجمال ارتبط أيضا بالثروة والعفة والفضيلة والأصناف الأفضل، فقد عمدت السلطة الدينية إلى تحريم أي تدخل لمعالجة التشوهات الخلقية، بدءا برسم الحاجبين، وإزالة شعر الجسد، إلى عمليات التجميل المنتشرة اليوم بشكل جنوني. انتصرت سطوة الجمال أمام كل التحريمات. بعض طرائف الشخصيات التاريخية يُذكر أن عشيقة الملك تشارلز السابع آنياس سورال استعملت الشمع لإزالة شعر جبهتها، وكان ذلك من ضرورات الحفاظ على علاقتها به.
بعد الحرب العالمية الأولى تخلصت النساء من «الكورسيهات» التي كن يربطن بها خصورهن حتى انقطاع أنفاسهن، وكانت هذه «الكورسيهات» مصنوعة من عظام الحوت، وبمجرد تخلي النساء الأمريكيات عنها دخلت هذه المادة في خامات صناعة الحرب، فقد كن يستهلكن سنويا ما يكفي لصناعة سفينتين حربيتين.
فجر السبعينيات ظهرت حركة «الهيبيز» التي جعلت الإناث يتخلصن من كل أنواع المشدات والألبسة والمواد المحسنة للمظهر، ولا أدري إلى أي مدى كانت التجربة جيدة بالنسبة للنساء والرجال معا، وقد هدموا كل معايير الجمال المصطنعة والمفروضة على الإنسان، وتقبلوا الطبيعة البشرية على فطرتها.
أما الآن وبعد هذا العرض المقتضب عن وضع الجمال وتغيرات معاييره عبر الأزمنة والأمكنة، عليّ أن أشير إلى أن فلسفة الجمال اليوم أخذت أبعادا أكثر عمقا، وأصبح علم الجمال قائما بحد ذاته، حتى أن طرق تسويق الجمال لم تعد قائمة على مقاسات وشرائع، بل على الأبعاد الفلسفية لكل شيء نتعامل معه. أما أهم ما قد نخرج به فهو ما اختصره الفيلسوف إدغار موران في إحدى مقولاته: «كلما ضاقت مقاييس الجمال في مجتمع ما ضاقت الحياة أيضا بالنسبة لأفراده».

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية