شرطي مكلف بحراسة كنيسة يطلق النار على قبطي وابنه ويقتلهما والثقافة والتعليم يكرسان التمييز داخل المجتمع

حسنين كروم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»:استحوذ افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي عددا من المشروعات العملاقة ومناقشاته على اهتمامات الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 15 و16 ديسمبر/كانون الأول، خاصة الجزء الثاني من المرحلة الثانية لمشروع محطة معالجة الصرف الصحي، في منطقة الجبل الأصفر، وهي كما أكد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي واحدة من بين ثلاث أكبر محطات في العالم.
وكانت لافتة إشارته إلى أن هذا المشروع بدأه رئيسا الوزراء السابقان. كما افتتح الرئيس عددا كبيرا آخر من المشروعات في عدد من المحافظات بواسطة دائرة الكونفرنس. وأشار إلى التكلفة الباهظة لها وإلى تحمل الدولة آلاف المليارات من الجنيهات للقضاء على الأمراض المنتشرة، وعبّر عن انزعاجه من نتيجة الكشف الطبي على سبعة عشر مليون مواطن، اتضح إصابة أحد عشر مليونا وسبعمئة ألف بأمراض مستعصية مثل، البدانة وضغط الدم وفيروس الكبد الوبائي وأمراض الكلية، وانهم من الشباب لا من كبار السن. واهتمت الصحف أيضا بزيارته إلى النمسا، التي بدأت أمس لحضور منتدي أعمال أوروبا إفريقيا.

كرة الأسعار تتدحرج لتحوّل حياة المواطنين إلى جحيم ومطالبة الحكومة أن تشارك المواطن وتطمئنه

وكان الاهتمام الأكبر كالعادة موجها لمباريات كرة القدم ومحمد صلاح لاعب ليفربول، وبعدها توزعت الاهتمامات حسب مصالح كل فئة، فالأقباط اهتموا بحادثة إطلاق شرطي في المنيا مكلف بحراسة كنيسة على اثنين من الأقباط وقتلهما. وآخرون اهتموا بما نشر عن وفاة الفنانين محمود القلعاوي وحسن كامي. والمثقفون يتابعون الاستعدادات لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، واحتفالات الدولة في الخامس والعشرين من الشهر الحالي بمرور مئة عام على ميلاد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، وسوف يلقي الرئيس كلمة في هذه المناسبة، كما فعل في مئوية الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. والشرطة تواصل استعداداتها لحماية المنشآت والكنائس من الآن استعدادا لاحتفالات أعياد الميلاد. وشن الحملات المتواصلة ضد الخارجين على القانون والهاربين من تنفيذ أحكام قضائية. وكان الخبر اللافت في هذا الشأن، الإعلان عن بدء التدريبات المشتركة بين طلاب الكلية الحربية وطلاب كلية الشرطة.. وإلى ما عندنا من تفاصيل الأخبار وأخرى غيرها..

لا تضع البيض كله في سلة واحدة

ونبدأ بالحكومة التي حولت حياة المواطنين إلى جحيم لا يطاق بسبب الارتفاعات المتواصلة للأسعار، بحيث لم يعد في مقدور المواطن البسيط مواجهتها لدرجة أن الرسام تامر في «الأهرام»أخبرنا أنه شاهد المواطن المصري يرفع كرة ضخمة هي الأسعار يحاول دفعها للامام في مهمة مستحيلة.
ولم يعد أمامه إلا أن يبحث عن أفضل الطرق لاستغلال ما لديه من أموال في أي مشروع لزيادة دخله ومواجهة التضخم الهائل. وحدد الخبراء عددا من الوسائل جاءت في تحقيق لـ«مجلة الإذاعة والتلفزيون» لإيناس عبد المجيد: «الدكتورة بسنت فهمي عضو اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب ترى أن المدخرين يمكنهم الحفاظ على مدخراتهم وفقا للأجل الذي يحددونه، فالمدخرات طويلة الأجل من الممكن أن توضع على شكل سبائك ذهبية في صناديق بنكية، فالذهب لا يفقد قيمته، بل هي في ازدياد مستمر، وكذلك الاستثمار العقاري فهو من الأشكال المجزية جدا في الاستثمارات لكنها تحتاج إلى صبر طويل، فلا يمكن أن اشتري عقارا وأكون في حاجة إلى بيعه في المدى القريب في هذه الحالة لن يكون استثمارا، بل سيكون خسارة لأنه من المعروف أن الحاجة إلى السيولة النقدية ستدفع المستثمر إلى البيع بسعر قد يكون أقل من سعر الشراء، وبالتالي سيتسبب في خسارة وليس ربحا ماديا.
أما الدكتور فخري الفقي الأستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة فيقول، من يمتلك مدخرات نقدية من الطبقة الوسطى من الأفضل له أن يضعها في شكل محفظة مالية متنوعة، فلا أضع البيض كله في سلة واحدة، بل أنوّع أشكال الادخار والاستثمار، فإذا أردت أجلا قصيرا المدى فعليك بودائع وشهادات الاستثمار في البنوك على حسب الحاجة النقدية للمدخرات».

المشروعات الجديدة

وعن المشروعات الجديدة وطمأنة المواطن يكتب علاء عريبي في «الوفد» قائلا: «لا أحد ينكر أبدا حجم المشروعات المختلفة التي تنفذها الحكومة في محافظات مصر، طرق، محطات مياه، وكهرباء، وصرف صحي، مدارس، مدن جديدة، جامعات، مصانع، صحة، وهو للأمانة جهد محمود، ويقام خلال فترات زمنية قصيرة، وسوف يغير من خريطة ومكانة مصر.
الحكومة مشغولة بالعمل، وبتنفيذ مشروعات، وبترشيد نفقات، وبسد عجز الموازنة، وتوفير فرص عمل، الحكومة غارقة في التخطيط للمستقبل، وإقامة مشروعات تلبي احتياجات المواطنين خلال سنوات مقبلة، ووسط انشغالها لم تطمئن المواطن: إلى متى سيتحمل؟ ما هو حجم الفترة الزمنية التي سيتحمل فيها عبء الإصلاح؟ ومتى سيجني؟ كما أن الحكومة، وهو الأهم، لم تقدم مادة للإعلام خلال فترة البناء والتحديث والتطوير، أغلب الفضائيات أصبحت ملك الدولة، بالإضافة إلى قنوات تلفزيون الحكومة، لكن هذه القنوات للأسف لا تتابع ما يتم تنفيذه على الأرض، هل لتقصير في وسائل الإعلام أم لأن الحكومة لا ترغب في الكشف عن المشروعات خلال تنفيذها؟ المواطن بطبعه لا يشعر سوى بما يساعده أو يستخدمه أو يلبي حاجة له ولأولاده، فهو لا يشعر بقيمة ما أنجزته الحكومة من محطات كهرباء سوى عندما يشكو من انقطاع التيار الكهربائي، وكذلك المياه والغاز، والإنسان بطبعه «نساي» ويتطلع للأكثر، وينظر لغير المتوفر أمامه الحكومة تعمل؟ نعم. تنجز؟ نعم، لكن المواطن ينتظر ما سيدخل بيته وجيبه، يفكر في اليوم الذي يمكنه دخله الشهري من توفير ما تحتاجه أسرته من مأكل، ومسكن، وملابس وعلاج، ومواصلات وتعليم، أن تكون أسعار السلع في متناول يده.
الإنسان بشكل عام يمكن أن يتحمل بشرط أن يعرف الفترة التي سيتحملها، والنتائج التي تعود عليه بعد هذه فترة ، المواطن في مصر تحمل وسيتحمل لأنه يأمل في تغيير الوضع الاقتصادي للبلاد وله هو شخصيا، لكن يجب على الحكومة أن تطمئنه، يعرف ما الذي يتم وليس ما الذي تم بالفعل، المفترض أن نشاركه، يرى ما تقوم الحكومة بتنفيذه في المحافظات، وتكلفة هذه المشروعات، والفائدة التي تعود عليه بعد تنفيذها، الحكومة يجب أن تشارك المواطن في مراحل التنفيذ، بالصورة وبالمعلومة.
نكرر ما سبق وذكرناه، المفترض أن تقوم الفضائيات يوميا بنشر تقارير مصورة عن المشروعات التي يتم تنفيذها في توشكى، في محافظات الصعيد، في قناة السويس، في سيناء، في محافظات الدلتا، في المحافظات الساحلية، يجب أن يعرف المواطن: ما الذي فعلته الحكومة في مشروع المليون ونصف المليون فدان؟ ما الذي يتم تنفيذه في مشروع محور قناة السويس؟ ما عدد المصانع التي يجرى إنشاؤها؟ وما هي نوعية المنتجات المنتظرة منها؟ المواطن يحتاج أن يعرف، متى سيتم إصلاح المرتبات والمعاشات بما يتناسب وارتفاع الأسعار ورفع الدعم عن السلع والخدمات؟ الحكومة مطالبة بجانب الجهد الذي تبذله أن تشارك المواطن وتطمئنه».

نظرية فاشلة

«دائما ما يشير البعض لمظاهر كثيرة لمخالفة الشعب المصري للقانون، وكيف تخالف الشعوب العربية ومعظم دول العالم الثالث القوانين، وكيف أن كثيرا من الناس يعيثون في الأرض فسادا وفوضى وعشوائية ـ ليقدموا للبعض مادة خام لبناء نظرية فاشلة، تقول إننا شعوب جاهلة غير مؤهلة للديمقراطية، مستندين، كما يرى عمرو الشوبكي في «المصري اليوم»، على بعض السلوكيات التي تتسم بالتخلف والبذاءة والانحدار الأخلاقي والمهني.
والسؤال الذي يجب طرحه: لماذا يتجاهل البعض الإطار العشوائي الذي يعيش فيه معظم الناس، وعدم احترام الدولة نفسها للقانون والدستور، وأي قاعدة تضعها بمحض إرادتها وبدون مشاركة أو ضغوط من أحد، تكون هي نفسها أول من يهدرها، فكيف نطلب من الناس احترام القانون في ظل سياق سياسي غير قائم أصلا على دولة القانون؟ يقينا أن ممارسة السياسة في كثير من البلاد الديمقراطية، والتى تعيش في ظل سطوة القانون (وليس البلطجة والبذاءة)، يصبح أمر منظما ومنضبطا، ويمثل حاجز ردع قويا للشعوب والحكام والنخب، بشرط أن تكون بداية التطبيق من أعلى وليس فقط على الناس «الغلابة».
إهدار القانون أو تطبيقه حسب الهوى والمزاج، يعني إعطاء رسالة للشعوب أن تخالف القانون كلما استطاعت، كما أنه يكرس نمطا من الصراع السياسي لا يفيد المجتمع ولا يساعد على تطوره ويفتعل معارك لا علاقة لها بواقع الناس، ولا مشاكلهم، وتتحول القضايا الهامشية والتافهة والبذيئة إلى نمط «النقاش العام»، بدون أن تتحرك الدولة لردع المخالفين أو تصويب الحوار، طالما أن الضحايا من الشعب وليس من أهل الحظوة. حين يغيب القانون ويمنع من محاسبة المخالفين تتولد شريحة محصنة، ويبدأ الناس في فقدان ثقتهم في القانون فيخالفونه كل يوم في الشوارع، وفي البناء وفي كل حياتهم اليومية، لأن أجهزة الدولة انتقلت من دور المحايد والضامن لتطبيق القانون وحراسة العدالة إلى نموذج في إهدار القانون يحذو حذوها الشعب. صحيح أن هناك جوانب أخرى تتعلق بسلوك المجتمع وثقافته ودرجة تحضره التي حدثت عبر تراكم صنعته دولة القانون، وليس نتيجة أسباب «جينية» تعتبر أن التحضر واحترام القانون نابع من جنسية شعوب بعينها، لا من سياق سياسي واجتماعي تراكم فخلق هذه السلوكيات المكتسبة إيجابا أو سلبا. نظريات الشعوب الجاهلة غير المهيأة للديمقراطية لا تنظر للأمية على أنها تحدٍ يجب مواجهته، إنما تعتبرها فرصة لتقول إن هذا شعب جاهل لا تصلح معه الديمقراطية ودولة القانون، في حين أننا لو جربنا مرة أن نطبق العكس ونؤسس لدولة قانون عادلة تطبق على الجميع حكاما ومحكومين، ثم نحكم بعد ذلك على سلوكيات الشعب، فإذا بقي على حاله دون تغيير عندها يمكن أن نقول إن العيب في الشعب وليس في الواقع السياسي والاقتصادي».

المشاكل والانتقادات

وإلى المشاكل والانتقادات حيث أثار مريد صبحي في «الأهرام» مشكلة استمرار ظاهرة التمييز في المجتمع، وقال تحت عنوان «لا للتمييز مجرد كلام دساتير»: «لا بد أن نعترف بداية بوجود التمييز داخل المجتمع ضد فئات بعينها، ومن ينكر ذلك يتجاهل حقائق دامغة على الأرض، فالثقافة والتعليم كرسا وجود التمييز ضد هذه الفئات وهو ليس موجها ضد طائفة وحدها، فهناك تمييز ضد الأقباط والمرأة والطفل، وذوي الاحتياجات الخاصة، بل أحيانا ضد لون البشرة أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية وربما الانتماء السياسي؛ وواقعة الفتاة بسملة في دمياط ليست بعيدة، بل إن وجود استثناء في القبول في الجامعات والوظائف القيادية والسيادية هو أكبر تمييز.
وللأسف برعاية القانون الجريح واللوائح العرجاء؛ رغم تعارض هذا الواقع مع الدستور الذي تنص المادة «53» منه على «المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة والحريات ولا تمييز بينهم بسبب الدين أو الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة»؛ فضلا عن أن الدستور الحالي ألزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كل أشكال التمييز؛ ولذلك تقدم النائب إسماعيل نصر الدين بمشروع قانون إلى مجلس النواب بإلغاء خانة الديانة من بطاقة الرقم القومي لمواجهة التمييز بين المصريين، تنفيذا للدستور وحصل على توقيع أكثر من 200 نائب في البرلمان، مما يشير إلى حماس النواب لذلك؛ وكان النائب علاء عبد المنعم قد قدّم مشروعا مماثلا عام 2016ولكنه باء بالفشل؛ بل إن الفكرة طرحتها الحكومة بقوة قبل إصدار بطاقة الرقم القومي الحالية عام ــ 1994ــ ولكن خرج الإصدار الجديد متضمنا خانة الديانة؛ فهل يرى المشروع الأخير النور كخطوة حقيقية نحو ثقافة المواطنة؛ أم تظل مواجهة التمييز مجرد كلام دساتير، علما بأن هناك دولا عربية سبقتنا في ذلك ولم يحدث ما يعكر استقرارها الاجتماعي أو يهدد أمنها القومي».

فيروس التعصب والكراهية

«تمثل مشاهد قتل مواطنين مصريين قبطيين (الأب وابنه) على يد فرد من الشرطة المكلف بحراسة إحدى الكنائس في محافظة المنيا- اختصارا لواقع أليم وجريمة بشعة، تؤكد حسب رأي عماد جاد في «المصري اليوم» على أننا نمر بمرحلة في غاية القسوة؛ حيث تمكن فيروس التعصب والكراهية من نفوسِ وقلوبِ وعقولِ مجموعات كثيرة من المصريين. السؤال هنا: لماذا وصلنا إلى هذه الحالة المركبة التي تنذر بمخاطر شديدة على البلاد والعباد؟ إنه نظام الحكم ومؤسسات الدولة التي تستخدم في التمييز بين المواطنين.
إنها الدولة حينما تتخذ لنفسها دينا، وتراه الأعلى والأسمى على ما عداه. إنها مؤسسات الدولة التي تزرع بذور التطرف والتعصب والعنصرية في نفوس النشء. وبعد ذلك، لا بد أن يكون الحصار مرا على الجميع.
يولد الإنسان بريئا، ويخرج للعالم صفحة بيضاء، بل ناصعة البياض، ويبدأ محيطه الجغرافي في ملء ذاكرته،، تبدأ الأسرة أولا في غرس الأفكار الأساسية وتدريجيا تبدأ في تلقينه مبادئ الدين، ثم تقدم له صورة عن مجتمعه والعالم، وتقدم له شرحا مبسطا لكل ما حوله من بشر وحجر، ثم تتلقفه المدرسة، فيبدأ عالمه في النمو والتطور، وتقدم له تصورات مبسطة ومكثفة عن مناحي الحياة المختلفة. وفي المدرسة يتلقى التعاليم الدينية في حصة الدين، وهنا تبدأ مداركه في الاتساع، وتقدم له تصورات عن ذاته، وهويته وعن الآخر وطبيعته.
وحسبما يتلقى الطفل من تعاليم تتشكل رؤيته للذات والآخر، وفي تلك المرحلة أيضا يبدأ في تلقى الدروس والتعاليم الدينية، وهنا ما يقوله له رجال الدين يشغل حيزا مهما في الذاكرة، ويلعب دورا مهما في تحديد طبيعة القيم والمبادئ التي يحملها تجاه الآخر والعالم،. كما أن وسائل الإعلام المختلفة تمارس دورها في التأثير على تكوين الفرد الفكري. عادة ما تلعب هذه الأدوات المختلة (أدوات التنشئة) دورا متكاملا، إذ أن النظام الحاكم بيده خيوط عدة، فهو من يضع مناهج التعليم، والمفترض أنه يوجه الرسالتين الدينية والإعلامية، ومن ثم تأتي الأدوار الأخرى لتتكامل أو تتقاطع أو تتصادم مع الخطوط العامة لأدوات التنشئة المختلفة.
ومن المهم التوقف هنا عند طبيعة النظام التعليمي السائد في البلد: هل هو تعليم واحد أم أكثر من نظام تعليمي؟ هل هناك تعليم ديني مغلق على أصحاب ديانة أو طائفة واحدة، أم أن التعليم مدني بالكامل؟ هل هو تعليم عام فقط أم هناك تعليم خاص ودولي لا يخضع للإشراف العام للتعليم والتعليم العالي؟ وكلما كان التعليم مدنيا خالصا، ويخضع لمنظومة واحدة، ويقع تحت إشراف الدولة، أمكن ضبط العملية التعليمية وضمان توحيد ما يتلقفه النشء، بعكس الحال عندما يكون هناك أكثر من نظام تعليمي، وتحديدا عندما يكون هناك نظام تعليم ديني مغلق، يقوم بتشكيل الأتباع عبر رؤية ذاتية مغرقة في السمو والعلو، مقابل رؤية للآخر تتسم بالدونية والحط من القدر.
المؤكد أنه حسب ما تنقش في صفحة الطفل البيضاء، يأتي الحصاد، فنشر قيم المحبة والتسامح، وقبول التنوع والتعدد والاختلاف، وتقديم صورة متحضرة وراقية عن الإنسان كإنسان بغض النظر عن لونه ودينه وطائفته وعرقه وجنسه – يعني أننا نبني إنسانا متحضرا مقبلا على الحياة، محبا لها، يقوم بمهمة الإعمار في الأرض، يتفوق في العلم والبحث العلمي، يفصل بين العلم ونظرياته وطبيعته التجريبية، والميتافيزيقا وطبيعتها الإيمانية التسليمية، باعتبارها تمثل ما وقر في القلب من إيمان وتسليم، نبني إنسانا يستمتع بحياته وفق ضوابطه الأخلاقية والقيمية. أما حشو الأفكار الخاصة بالسمو والرقي والتفوق على ما عداه من بشر، لاعتبارات موروثة بسبب العرق أو الدين أو اللغة والطائفة، والإغراق في الميتافيزيقا ومحاولة تطويع العلم لخدمتها والبحث باستمرار عما يثبت سلامة الإيمان، والبحث عن دليل أو برهان عملي يثبت سلامة الاعتقاد، والدفع باتجاه تكليف الفرد بمهام تمثل اغتصابا لمهام الدولة ووصاية على البشر- كل ذلك ينتج مجتمعا مغرقا في التدين الشكلي، ويذهب ضحية منظومة متكاملة من أدوات التنشئة التي تقود إلى فرد يبحث عن خلاصه الذاتي، على حساب الآخرين والمجتمع. وهو حالنا في مصر اليوم».

قتلا بسبب مشادة كلامية!

المهم أن النائب العام أمر بحبس جندي الشرطة خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق، تمهيدا لإحالته لمحكمة الجنايات. ولوحظ أن معظم الصحف لم تعط تفاصيل كافية عنه في ما عدا «المساء» التي نشرت في صفحة الحوادث تحقيقا من المنيا لمحمود نوفل ومن القاهرة مهاب المناهري جاء فيه: «كان المتهم ربيع مصطفى خليفة 38 سنة أمين شرطة في قسم المنيا قد اعترف تفصيليا أمام عمرو الديب وكيل النائب العام في بندر المنيا بقتل كمال صادق الشهير بعماد المقدس 48 سنة مقاول، ونجله ديفيد 29 سنة بسلاحه الميري أثناء تواجده في الخدمة المكلف بها لتأمين كنيسة نهضة القداسة الإنجيلية في مدينة المنيا، بسبب مشادة كلامية وقعت بينهم، أثر قيامهم بتشغيل غلاية الشاي بفيشة الدشمة ونهرهم أكثر من مرة إلا أنهم رفضوا الانصياع للأمر».

العمل الإعلامي

«من أهم ما يميز العمل الإعلامي؛ سواء المكتوب أو المرئي أو حتى المسموع، هو الاستقصاء، وهي مهمة صعبة جدا لمن يأخذون على عاتقهم الخروج إلى الشارع بحثا عما يسمى في عرف العمل الصحافي الانفراد، وإن كانت مهمة العثور عليه في هذا الزمن، حسب رأي سيد محمود سلام في «الأهرام» قد تضاءلت، بحكم ما آلت إليه تقنيات عصر السرعة ونقلها للأحداث بشكل متسارع..
ما يحدث حاليا في كثير من برامج الفضائيات، خاصة برامج الـ»توك شو» هو أن مقدم البرامج يجلس قرابة الساعات الثلاث، وأحيانا أكثر يحكي ما قرأه الناس على مواقع التواصل الاجتماعي، ويعيد ويزيد في حكايات قديمة يصب عليها بالطبع رأيه، وأحيانا يستضيف ما يسمى المحلل أو الداعية؛ للأخذ بالرأي في أمور قد تكون انتهت آثارها، وبدأ الناس في التفاعل مع غيرها.. وما يحدث من نقل لأحداث؛ سواء عربية، أو عالمية، بدون وعي أو إدراك لخطورتها، قد يكون سببا في وضع القناة ومقدم البرنامج في مأزق يفقد على أثره مصداقيته.. كما حدث من معظم برامج الـ»توك شو» المصرية التي نقلت لقطات لمتظاهرة فرنسية تواجه رجال الشرطة بعبارات لوم لما يحدث منهم تجاه متظاهرين سلميين.. نقلت بترجمة مدسوسة ومغلوطة على أنها تتحدث وتلوم المتظاهرين بالكف عن التظاهر حتى لا يحدث في باريس ما حدث للعرب من خراب في بلادهم.. والمؤسف أنه ما كان يجب نقل هذه الأحداث بهذه الصورة، أو التعليق عليها والمقارنة بين ما يحدث في فرنسا والدول العربية، فهو شأن أوروبي وليس شأنا عربيا، وكان يجب التعامل معه بحذر، وبالشكل الخبري الذي تعاملت معه حتى القنوات الفرنسية نفسها، ومنها قناة «فرنسا 24» التي حيدت سياستها في النقل، ولم تنتهج نهجا يسيء إليها كقناةٍ إعلامية لها أهميتها في العالم العربي، كونها ناطقة بالعربية.. واللوم الذي وجه للبرامج والقنوات المصرية على تناولها الخاطئ والمبالغ فيه لمثل هذه الأحداث في محله، فلدينا من المشكلات ما هو أهم، ولدينا ما يجب أن تخرج من أجله هذه البرامج لتركز عليه من إنجازات، ومن أحداث تهم الشارع المصري، فما المشكلة إذا خرج مقدم برامج من صومعته ليعرف السبب في غلاء البطاطس، ويذهب إلى الفلاحين، أو التجار أو ينتقل إلى الأسواق في محاولة استقصاء أسباب الأزمة، أو يبحث في سر زحام الشوارع بعد الساعة الرابعة من كل يوم، أو ينتقل إلى مناطق فيها سياحة ويلتقي بالسائحين، هناك ما هو مبهج.. كما يفعل الإعلامي محمود سعد في برنامجه «باب الخلق»، ويقدم رؤى جميلة لأماكن أثرية مثل حلقاته عن مسجد السلطان حسن، وتعمقه في تاريخ المنطقة وعلاقة السلطان حسن بالمكان، ركز على نوستالجيا جميلة بها روح الماضي وعبق التاريخ.. العام ينتهي ولم يتبق منه سوى أيام معدودة، وبدون مبالغة على كل مقدم برنامج أن يسأل نفسه ماذا قدم لهذا البلد في عام 2018 من موضوعات تستحق أن يستمر من أجلها، ويبحث كم هو في ترتيب الإعلاميين ليس المصريين ولا العرب؛ بل من يتابعهم الشعب المصري على الفضائيات واليوتيوب في مختلف دول العالم.. فقد صدمت منذ أيام عندما قرأت من خلال متابعات المشاهدة أن عددا كبيرا من مقدمي البرامج تراجعت أسهمهم في المشاهدة بشكل لا يصدق».

تعديل الدستور

وإلى قضية تعديل الدستور التي يزداد الاهتمام بها، مع الإسراع في عمليات البناء في العاصمة الإدارية الجديدة، وانتقال مقر رئاسة الجمهورية والوزارة إليها، ما يتطلب إجراء تعديل في الدستور الذي ينص على أن مدينة القاهرة هي عاصمة البلاد وفيها مقر الرئاسة والوزارة والمحكمة الدستورية العليا، الأمر الذي يفتح الباب أمام تعديل مواد دستورية أخرى في ما يختص بمدة الرئاسة وإطلاقها بدلا من مدتين أو زياد المدة من أربع إلى ست سنوات، وهي قضايا عالجها في المصري اليوم محمود العلايلي بقوله: «ذكرت أن باب التعديلات حتمي بسبب وضع مدينة القاهرة كمقر للحكم ومجلس النواب والمحكمة الدستورية العليا، الذي سوف يتبدل بحكم تأسيس العاصمة الإدارية الجديدة، وبين تواتر الأخبار من بعض المواقع التي تؤكد على القيام بتعديلات، بل حددت مارس/آذار المقبل كتاريخ للقيام بهذه التعديلات، أعلن السيد رئيس الشركة المنفذة للعاصمة بوضوح أن الرئيس سوف يحكم مصر من العاصمة الجديدة في 2020. وهذا الإعلان الأخير بدّل بعض الشيء في عناصر المعادلة، لأن المشاهدات تؤكد إجراء التعديلات، ولكن هل من الممكن حدوثها خلال 2019 ثم إجراء تعديل آخر في 2020 متضمنا وضع العاصمة، وهو خيار بين الصعب والأصعب بين دستور دائم مستقر وثابت وأن نجد أنفسنا مرة أخرى أمام باب للمواد الانتقالية، وهو حكم مسبق على أي وثيقة بالتشكك وعدم الاستقرار، فبينما يأتي وضع مدينة القاهرة السبب المبدئي لتناول الدستور بالتعديل، فإن هناك مواد بعينها يجب القتال على تغييرها، وأخرى على حذفها وثالثة على تعديلها، بالإضافة إلى تصويب العديد من الألفاظ وتحديد البعض الآخر ودراسة الفترة التي تم فيها العمل بهذه الوثيقة، لإضافة ما نقص منها مثل الغرفة الأخرى للبرلمان، التي كان قد تم إلغاؤها بينما أكدت التجربة العملية حتمية عودة هذا النظام. أما الدافع الثاني فإن المشاهدات على الساحة السياسية تؤكد حدوث التعديلات سواء باتفاق الأطياف السياسية من عدمه، فلذلك من الأجدى الاستعداد بالبحث والدراسة للوصول لمكاسب دستورية وليس بالمقاطعة، كموقف سياسي لن يؤدى إلى شىء إلا إلى أن يقصى التيار الرافض نفسه طوعا بالإصرار على المقاطعة وعدم المشاركة، مما يخلي الساحة للوجوه نفسها، فإن كثيرين يختصرون الدستور في المادة 140 التي تتناول مدة الرئاسة، وعدد مرات الحكم، وبينما يعتبر الكثيرون أن الدستور أو الحديث عن الدستور أزمة في ذاتها إلا أن أعظم الفرص يمكن أن تنبع من احتدام الأزمات إذا أحسنت القوى السياسية استغلال ذلك للخروج بأكثر مكاسب ممكنة. فأولا: إن أى تعديل في المادة 140 يجب أن يكون محكوما بالمادة 226 التي تحتم عدم إجراء أي تعديلات على عدد مرات انتخاب الرئيس ما لم يكن التعديل متعلقا بالمزيد من الضمانات، فإذا كان هذا في الشق الدستوري فإن الشق السياسي منه لا يقل أهمية، حيث أن أي تعديلات في هذه المادة قد تخلص مؤسسة الحكم من الهواجس الأمنية. كما أنه يخرج المؤسسة من حيز الاتهام بالمناورة أو الالتفاف لتعديل بعض المواد، ما يسبغ نوعا من الشفافية الإجبارية على الساحة السياسية عموما، وما يؤدي حتما إلى فتح قنوات العمل السياسي المسدودة. ثانيا: إن إجراء تعديلات دستورية فرصة إجبارية مواتية لإعادة الحراك السياسي وبعث الروح لمسألة التحول الديمقراطي بعد 2011 و2013 في توقيت يعد الأهم للتيارات المختلفة لطرح رؤاها للدفاع عن مطالبها السياسية».

الأقباط وتونس والمواريث

وإلى أشقائنا الأقباط وقيام يوسف سيدهم رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة «وطني» القبطية بالمطالبة بتقليد تونس في تجربة المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث بالنسبة للأقباط رغم اعترافه بأن الكنيسة هي التي ترفض ومما قاله: «تلك المساواة ثابتة تاريخيا وكان معمولا بها بشكل مبتور في مصر في حقبتها الليبرالية حتى عام 1941 حين أجاز التشريع لغير المسلمين المساواة بين الرجل والمرأة في المواريث بموجب اتفاق مكتوب بين الورثة يرفع عنهم الخضوع للشرع الإسلامي، لكن ذلك لم يدم طويلا فسرعان ما تم العدول عنه وساد تطبيق الشرع الإسلامي على غير المسلمين، حتى يومنا هذا، لكن جاء خلاص هذا الوضع مع إقرار دستور 2014 على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية هل يأتي هذا اليوم لرد اعتبار المرأة المسيحية ومن بعدها المرأة المصرية، هل يقدر مصر أن تلحق بتونس على درب الحداثة والدولة المدنية».

مصريون يستعدون لتقليد فرنسا

بالنسبة لقضية مظاهرات أصحاب «السترات الصفراء» في فرنسا فقد تراجع الاهتمام بها كثيرا وما نشر لم يكن فيه أي جديد باستثناء ما ذكره أحمد باشا رئيس تحرير جريدة «روز اليوسف» الذي يوقع باسم رشدي أباظة بأن ناشطين مصريين كانوا يخططون للسفر لفرنسا للتدريب على تكرار التجربة في مصر، وتهكم عليهم بأن طالبهم بتخصيص السترات لتدفئة المساكين ولا نعرف إن كانت هذه معلومات حصل عليها من جهة أمنية أم لا المهم أنه قال: «لعلي أذيع سرا إذا قلت إن عددا من الناشطين المصريين كانوا ينوون التوجه الأسبوعين الماضيين إلى تونس «تمويها» للسفر إلى فرنسا لدراسة تجربة «السترات الصفراء» الباريسية، لقد كانت الغاية نقل خبرات العمل الثوري إلى القاهرة لاحقا. دعوات ناشطي مصر ذات الطابع اليساري المتحالف مع الإخوان بالسفر إلى فرنسا ذات النفقات والتكلفة لو تعلمون عظيمة ماذا لو أنفقناها لتدشين حملة «السترات الدافئة» لوقاية المصريين قسوة البرد في الصعيد وسيناء والدلتا؟ من الذي رسخ المفهوم الثوري بالرفض والاعتراض طوال الوقت. إذا كان هناك سبب للغضب فإن علاج هذا السبب يجب أن يكون معلوما من الثورة بالضرورة لماذا لا يكون العلاج بالعطاء؟ من الذي رسخ مفهوما للفعل الثوري السلبي بينما الفعل الإيجابي متاحا أليس ذلك هو الجهاد الأعظم؟ نسألهم: ما الذي يمنع أن تكون الدعوة عامة بأن توجه هذه «السترات» لكساء الطبقات الأكثر احتياجا؟ إذا افترضنا أننا بصدد عمل سياسي أو عمل اجتماعي مطلوب تسييسه فإن المسار المشار إليه يحقق ما يلى: كشف قصور رسمي في التواصل مع الطبقات الأكثر احتياجا. توجيه الدولة نحو تحمل مسؤوليتها الاجتماعية. تفويت الفرصة على جماعات الإسلام السياسي في استغلال الفقر. يمكن أن تكون الحملة بداية لمشروع حزبي يبدأ بالبناء الشعبي لقواعده، أي بناء قواعد شعبية كرصيد لهذا الحزب وليس إنشاء حزب ثم البحث له عن قواعد.
اختبار قدرة المعارضة على التواصل الفعلي مع الجماهير. قياس قدرة المجتمع المدني على العطاء وعلى إنفاق تمويلاته في مسارات معلنة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية