«شرق 12» للمصرية هالة القوصي… فيلم ينتصر لتمرد الشباب على القمع

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: في فيلم «شرق 12» للمخرجة المصرية هالة القوصي، تمن السلطات على المواطنين بمكعبات السكر، حين ترضى عنهم، أو حتى تمنيهم بالمزيد منه ليبقوا طيعين مطيعين، ويصبح السكر سلعة شحيحة، في هذه البلدة التي يشح فيها كل ما يبهج.
هذا البلد الذي تدور فيه أحداث الفيلم هو مستعمرة «شرق 12» تلك المستعمرة التي تشبه مصر، أو ربما العديد من دول منطقتنا، دون ذكر اسمها تحديدا.. مستعمرة تصور مجتمعا سحقه الاستبداد والقهر، حتى أصبحت اللعبة الأثيرة للكثير من سكانه هي المراهنة على ما إذا كان الأشخاص الذين يحاولون إلقاء نفسهم من أعلى الجسر يأسا، وهم كثر، سيتجرأون على الانتحار، أم ستخونهم شجاعتهم.
رغم قتامته الشديدة، ينتصر «شرق 12» لثورة الشباب وتمردهم وموسيقاهم، ويجد فيهم الخلاص من الطغيان والاستبداد. لكن ما يعيب الفيلم، أو ربما يعطبه تماما، هو مقاربته المباشرة تماما والسطحية للغاية للمجاز والرمز. فعلى سبيل مثلا يدعى أحد مروجي الدعاية المؤيدة للنظام «المطبلاتي» وهي الكلمة الدارجة في العامية المصرية لأبواق النظام. هذه المباشرة في تناول المجاز والرمز تفقد الفيلم الكثير من روحه وزخمه وتحيله إلى درس أو عظة لا تترك شيئا للخيال. ربما تمكن الأجواء الرمزية الاستعارية الفيلم من تجاوز أجهزة الرقابة الفنية في مصر وغيرها من الدول العربية، لكننا نشك في ذلك. المهيمن على عالم تلك المستعمرة ذات الأسوار والأسلاك الشائكة هو برعي (أسامة أبو العطا) الذي يحكم بالحديد والنار والقمع، والذي يُحكِم قبضته على الناس مستعينا بشوقي (أحمد كمال) المذيع الأوحد في تلفزيون المستعمرة، الذي يروج ما تريد السلطات له أن يروج. حين نشاهد الواقع الأليم القمعي الذي يصوره الفيلم نخال أننا نشهد كابوسا، لكن المفارقة الرئيسية تكمن في أن الواقع في مصر، وفي العديد من بلدان المنطقة، يماثل هذا الكابوس في قتامته.

المخرجة المصرية هالة القوصي

تلك الأجواء السوداوية الكئيبة الخانقة يتصدى لها شاب في مقتبل العمر، شاب ما زال يقوى على الحلم وتأليف الأغاني والموسيقى. هذا الشاب هو عبده (عمر زريق) الذي نراه في بداية الفيلم يحاول كتابة أغنية جديدة، مستعينا بالأدوات البدائية حوله التي يطوعها لتخرج لحنا. وعبده ما زال قادرا على الحب، فهو يحب نونّة (فايزة شامة) تلك الشابة الصغيرة التي تلقى الأمرين على يد رجال السلطة، لكنها ما زالت تقاوم وتحب، وتسعى للفرار مع عبده من أسوار شرق 12.
فيلم «شرق 12» الذي عرض ضمن أسبوعي المخرجين في مهرجان كان لهذا العام، ينتصر للشباب وتمردهم وطاقتهم. الموسيقى التي يصنعها عبده بآلات بدائية ثورة تقف في وجه شوقي، رجل الإعلام والترفيه الأوحد في المستعمرة، وما يقدمه في مسرحه من دعاية غثة لأصحاب السلطة. شوقي نموذج للآلة الإعلامية للنظام التي يروج فيها أفكاره ويبلور صورته ويمنح من خلالها لنفسه الشرعية أمام الناس. أما عبده فيغني من القلب ويصنع موسيقى من القلب. ربما أكثر شخصيات الفيلم تعقيدا والتباسا هي جلالة (منحة البطراوي). جلالة هي جدة عبده، وهي راوية المستعمرة وحكاءتها. جلالة تروي حكايات تحث أهل المستعمرة على الصبر والتجلد، وهي أيضا تدير متجرا لمقايضة السلع، يبادل سكان المستعمرة ما يحتاجونه، بما قد يكون في حوزتهم ولا يريدونه. لجلالة علاقة وثيقة بشوقي وبرجال السلطة، فهي أيضا تقرأ الطالع وتفسر الفنجان، ورجال السلطة دوما يخشون على ما قد يخفيه القدر. وهي لهذا تحصل منهم على أفخر أنواع القهوة وتأمن غدرهم. لكنها ليست مجاهرة في تأييدها للسلطة. هي ترى أنها تفعل ما في وسعها حتى يتحمل أهل المستعمرة حياتهم الشاقة، بينما يرى حفيدها أنها بحكاياتها تلهي الناس عن الالتفات لما قد يصلح حالهم حقا. ربما تمثل جلالة الأغلبية الصامتة في مجتمعاتنا، تحاول العيش والاستفادة قدر المستطاع من الوضع الراهن، وتخشى على أبنائها من التمرد أو الثورة. ويمنحنا متجر جلالة لمحة عن ماضي شرق 12 قبل أن يتحكم فيها الذين يبطشون ويقتلون. نرى قطع أثاث أنيقة وساعات حائط توحي بأنها كانت في بيوت ميسورة. ربما كان هذا هو ماضي تلك البلدة قبل أن يسيطر عليها من يسرق ويبطش.
عبده يعيد إلى الأذهان الكثير من الشباب الغاضبين الثائرين المتمردين في تاريخ السينما، فيه ملامح من جيمس دين في «متمرد بلا قضية» أو يذكرنا ببطل فيلم «رجل هارب» لروبير بروسون. ربما أجواء الفيلم بأجوائه الكابوسية تحيلنا إلى العديد من أفلام محرقة النازي. بينما تروي جلالة الحكايات التي تحث على الصبر والتصبر، يقول لها حفيدها إن الصبر هو الموت. ورغم حداثة عمره، فإن ما رآه عبده بعينيه من بطش السلطة، ومن بينها إجباره على دفن من قتلوا جراء التعذيب في قبور جماعية، جعله لا يؤمن بالصبر ولا بالانتظار والتحمل.
يتناول الفيلم العديد من القضايا الشائكة التي ما كان يمكن له نقاشها دون الأجواء الرمزية الاستعارية. يطرح الفيلم قضايا مثل الاختفاء القسري للمعارضين، وقتل المعارضين تحت وطأة التعذيب، واغتصاب الشرطة للمعتقلات وللمستضعفات من النساء. ربما أحد أهم القضايا التي يتناولها الفيلم هي محاولة النظام القمعي لتدجين الجميع وإدخالهم حظيرة القطيع، حيث يتضافر الإعلام مع البطش والعنف لإخضاع الجميع وغسل أدمغتهم. ويحاول النظام باستماتة القضاء على الحلم، حلم الشباب مثل عبده في غد أفضل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية