شريان الحياة… حكايات النيل في أفلام تحدثت عن العطش

لم تحذ السينما المصرية حذو الأغاني والأشعار في إبراز قيمة نهر النيل بشكل رومانسي، يداعب وجدان ومشاعر الجماهير، ولكنها قدمت ما يشبه الدراسات التاريخية حول المنبع والمصب، وخط سير المياه، والمحطات الرئيسية التي تمرّ بها خلال رحلتها الطويلة من الحبشة إلى مصر، ولهذا لم تأتي الصور الإبداعية الخاصة بهذا الشأن من قبيل الترف، وإنما كل ما ورد عرضاً أو قصداً، كان له دلالة وهدف، حتى إن بدا مفهوم اللغة السينمائية المُقدمة شاعرياً وعابراً في بعض التجارب.
لقد تنبهت السينما إلى أهمية التركيز على النيل في أفلام بعينها، أو أنها تنبأت بما يمكن أن تواجهه رحلة النهر الشاقة من صعوبات فأخذت على عاتقها مسؤولية التثقيف في هذا الجانب، والتبصير بأبعاد القضية المصيرية خارج إطارات التغزل والمباهاة والأناشيد، فعمدت إلى الطرح المباشر وغير المباشر لأشكال الأزمة المتوقعة في ملف المياه الشائك، مع مراعاة أن لا يكون الخوف من العطش هاجساً مُقلقاً في مسألة التوعية، وبالقطع مهدت السينما التسجيلية والوثائقية الطريق أمام التجارب الروائية الطويلة لتصبح القضية جماهيرية وشعبية بامتياز، وقد كان، حيث ظهرت أفلام ذات إنتاج ضخم على خلفية التوثيق التاريخي والإبداعي لبناء السد العالي فجاءت التجربة الرائدة للمخرج يوسف شاهين متمثلة في فيلم «الناس والنيل» الذي صوّر مراحل التشييد والبناء، وألقى الضوء على بداية انطلاق الرحلة الآمنة لمسارات النهر الخالد في الأراضي المصرية، مع إضافة أبعاد مختلفة للمُنجز الهندسي الكبير، بعرض صور التحدي وإزالة العراقيل، والاستغناء عن منحة البنك الدولي، بإيجاد مصادر بديلة للتمويل، وهو ملمح مهم للمحتوى السياسي للفيلم، الذي جمع بين الشقين التسجيلي والروائي، في قصة دارت أحداثها بين الأبطال سعاد حسني وصلاح ذو الفقار وعزت العلايلي ومحمود المليجي.
وكذلك وضح شاهين جُل المكونات الأخرى للصورة السينمائية، بإجلاء الحقيقة عن أسرار وأضرار القرار الشعبي بضرورة الوقوف إلى جانب القيادة السياسية آن ذاك، لإتمام المشروع القومي، وتحمل النتائج مهما كانت خطورتها، وفي السياق ذاته ظهر ثراء المضمون في حركة الإعداد والتطوير والتشغيل لتكتمل الرؤية. وليس وحده فيلم «الناس والنيل» الذي ذهب إلى مكمن القصة والأحداث، ولكن تداعى تيار السينما ليقدم المزيد من حكايات النيل و«حواديته» الإنسانية في ملحمة فنية بعنوان «اللعب على جبال النوبة»، أخذت تفاصيلها عن رواية للكاتب النوبي إدريس علي، وفيها تم الكشف عن الطبائع النوبية المُكتسبة من طبيعة النيل في تركيز على سمات القوة والطيبة والتمسك بالعادات والتقاليد المميزة للإقليم الحضاري بتشكيلة الثقافي وميراثه الحضاري الفريد، وقد لعبت دور البطولة في الفيلم حنان مطاوع، مُجسدة شخصية الفتاة المدنية القادمة من القاهرة للاستقرار في النوبة، ورغم ما اعترى هذا الانتقال القسري من تداعيات نفسية خطيرة، إلا أن مفاد الفكرة كان إيجابياً، فهو يؤكد على مفهوم العفة والشرف، كقيمة ثمينة لدى الفتاة المصرية، وإن اختلفت الثقافات وتباعدت المسافات.
ولم تخل الخلفية الفنية للأحداث من إشارات كثيرة ومتعددة لأهمية النيل، كمقوم رئيسي للحياة، وسر من أسرار البقاء، ونرى بموجب هذا التناول مرجعيات الهيبة والتقدير والتبجيل للنهر العظيم في فيلم «عروس النيل» للبنى عبد العزيز ورشدي أباظة وعبد المنعم إبراهيم، في تداخل مُستساغ ما بين الفانتازيا بدرجاتها الدرامية والرؤية التاريخية لقيمة النيل، وأهميته عند قدماء المصريين، باستخدام خطين متوازيين للكوميديا والرومانسية على حد سواء، وهو إثراء نوعي للمشهد السينمائي، بما يحمله من أفكار لها صلة بتعظيم النهر ذاته، وارتباطه بماضي ومستقبل الإنسان المصري.

لم تنته حدود الطرح الدرامي لقضية النيل والأرض عند النماذج السابقة، بل زادت رسوخاً وتوثيقاً بفيلم «الأرض» الذي ناقش أبعاداً سياسية واجتماعية واقتصادية، في ضوء الأزمة المُستشعر.

أما ما يمكن اعتباره تناولاً حديثاً لمسيرة النيل، وفق التوظيف الدرامي بشكله المختلف، فهذا ما قدمه المخرج عاطف سالم في فيلمه الشهير «صراع في النيل» لعمر الشريف ورشدي أباظة، كرمز للارتباط الوثيق ما بين فكرة الصراع بمعطياته المعروفة كضرورة حتمية للبقاء، والنيل كمصدر أساسي من مصادر الوجود وسبب مباشر للحياة، وهو المعنى الأعمق لوصف العلاقة الضرورية ما بين المجرى المائي ومجريات الطبيعة.
ويأتي فيلم «ابن النيل» أيضاً كواحد من الشهادات القوية لإثبات صلة الإنسان بالنيل، كرابط مهم تقوم علية كافة مناحي الحياة، وما يتصل بها من دواعي الاستقرار والرخاء والتنمية، وهو معلوم بالضرورة كشرط من شروط الديمومة في المناطق المعمورة والآهلة بالسكان، فلا تستقيم المعيشة إلا بمد الخطوط المائية للتعمير والزراعة، بيد أن الفيلم قدّم على جانب آخر صورة معاكسة لإهدار ثروة الماء العذب، بفعل الفيضان السنوي الذي كان يعم البلاد قبل إنشاء السد العالي في ستينيات القرن الماضي، وبطريقة غير مباشرة حدث الربط التلقائي بين الفيضان وهجرة الفلاح لقريته وأرضه، كرد فعل لعدم الإحساس بالأمان، وتُعد الشخصية التي قدمها شكري سرحان وجسد من خلالها نموذج الفلاح المصري، من أيقونات السينما المصرية، حتى أن اسمه ارتبط بلقب ابن النيل تيمناً بهذا الدور الفارق في حياته الفنية.
ولم تنته حدود الطرح الدرامي لقضية النيل والأرض عند النماذج السابقة، بل زادت رسوخاً وتوثيقاً بفيلم «الأرض» الذي ناقش أبعاداً سياسية واجتماعية واقتصادية، في ضوء الأزمة المُستشعرة والمُترتبة في حينها على قطع مياه الري عن أراضي الفلاحين، بتوصية من الباشوات والبكوات الموالين للاحتلال والمعادين للشعب والحياة والإنسانية.

٭ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية