شعاب القراءة وبوصلتها

حجم الخط
0

ما انفرد به جيل الموسوعيين العرب في النصف الأول من القرن الماضي ليس فقط التنوير او المجازفة في الاقتراب من المحظور، بل قرأوا لنا، وكانت مقالاتهم في الصحف اقرب الى مفاتيح لافتضاض اقفال غطاها الصدأ، فالمسكوت عنه تمدد وتراكم ليشمل اهم الهواجس البشرية، بسبب سطوة الاتباعيين والتعامل مع من يجترح افقا على انه مارق وخارج عن السرب، فالمطلوب هو البقاء في السرب حتى لو كان كل ما يصدر عنه نعيقا او نعيبا.
كانت الترجمة في تلك الآونة الفارقة والحرجة من تاريخنا الحديث مغامرات فردية ولم تكن قد تمأسست بحيث ترتهن لايديولوجيات او تيارات سياسية لهذا كان لها بعد تبشيري، ليس بالمعنى الديني بل بما هو متعلق بالتحديث، وكان العائدون الأوائل من بعثات محمد علي باشا الى اوروبا قد بدأوا يطرقون بوابات موصدة، لكنهم كانوا مبهورين بما رأوا وسمعوا، ورغم ما اتسمت به رحلاتهم، وما كتبوه خلالها من ريادية الا ان ما قالوه يبدو ساذجا اذا قورن بما يقال الان، بعد ان انهارت الأسوار وتواصل العالم عبر ثقافات عابرة للحدود، فملعقة الطعام كانت تكفي لاثارة فضول احد هؤلاء، او مشهد الناس في المقاهي وهم يقرأون الصحف، التي كانت تستخدم اثناء المطر بدلا من المظلات.
ولم يتوقف الانبهار بالغرب الى حد ما الا بعد ان اتسع التواصل وتعمق بين الوطن العربي واوروبا بالتحديد، حيث اصبح ممكنا لطه حسين مثلا ان يكتب مقالات يقارن فيها بين الشرق والغرب وبين اثرياء العرب واثرياء فرنسا، وحين يكون هناك مجال للمفاضلة بين نمطين من انماط الحياة، يعني ذلك ان المبهور قد عاد الى رشده التاريخي، لكن تلك المفاضلة التي غالبا ما تنتهي لصالح اوروبا كانت احد دوافع ما سمي بالأوربة اي اتخاذ اوروبا نموذجا ومن ثم محاكاتها.
ولو اخذنا للمثال فقط ما كتبه سلامة موسى وعلي مبارك اضافة الى طه حسين وتوفيق الحكيم واخرين، نجد ان موسى كان مسحورا وليس مبهورا فقط بالفابية البريطانية او ما يسمى الاشتراكية على طريقة الجنرال ‘فابوس’، وكان يرى فضائل اوروبا من خلال رذائل الشرق بدءا من مقارناته بين الرقص الشرقي والرقص الغربي، وليس انتهاء بما عقده من مقارنة بين رؤيتين لاسطورة ‘بيجماليون’، احداهما عبر عنها توفيق الحكيم والاخرى ‘برنارد شو’، حيث انتهى الى ان رؤية الكاتب بل واسلوبه يصلح لاستقراء وعيه ومدى عمق معرفته. ولان نظرية التطور كانت وما تزال قيد سجال عاصف فقد ظفرت هي الاخرى بنصيب كبير من اطروحات اسماعيل مظهر وغيره ممن تصوروا انهم اصبحوا مثل ‘ارخميدس’ الذي صاح: وجدتها.
ورغم اختلاف المقتربات لكل هؤلاء وتباين منسوب الثقافة والرؤى الا انهم قرأوا لنا لانهم اضطروا الى الدفاع عن اطروحاتهم بما يعززها من كتب صدرت في الغرب، وهناك عشرات ان لم يكن مئات الكتب التي قدمها او اشار اليها سلامة موسى في مؤلفاته التي بلغت الخمسين، وكرس كتابا بعنوان ‘هؤلاء علموني’ فقدم ملاحظات لأهم اعمالهم، والجيل الذي اعقب هؤلاء يبرز منه لا بل في مقدمته انيس منصور الذي عرف عنه انه قارىء اولا واخيرا، وفي مقالاته وكتبه العديدة كان منصور شغوفا بالقراءة ليس فقط للانتشاء بها بل لتحويلها الى قارئة، وما قدمه في هذا المجال يعترف به جيلان على الاقل ممن استرشدوا بقراءاته، واختلفوا معه، لكن من خلاله.
ولان موجة الفلسفة الوجودية كانت عاتية وتضرب كل النوافذ القريبة من البحر المتوسط، تولى انيس منصور ترجمة وتلخيص عشرات الكتب التي تعبر عنها، بدءا من ‘سارتر’ و’بوفوار’ وليس انتهاء بكامو وكيركجورد وجبريل مارسيل واخرين.
كان هؤلاء هم البديل الذي استبق الانترنت وسائر الحواسيب الحديثة، لكن بجهد بشري دؤوب، لهذا كانت مقالاتهم معرفية بامتياز وتجد اقبالا واسعا من قراء يهمهم ما هو ابعد من الخبر او توصيف الواقع.
حتى الشعراء والروائيون وكتاب المسرح قرأوا لنا ايضا واصدر معظمهم كتبا هي في النهاية خلاصة قراءات في ثقافات العالم، ويبرز اسم صلاح عبدالصبور في هذا السياق لانه كان يدرك ان الحداثة ليست زيا او محاكاة اساليب بل هي رؤيا، وقد افاد كثيرا من قراءاته خصوصا للشاعر ‘اليوت’، الذي تأثر به شعرا ونثرا، وكانت مسرحية مأساة الحلاج قد ذكرت بعض نقاده بجريمة قتل في الكاتدرائية، وفي كتابه ‘وتبقى الكلمة’ ثمة تقطير لقراءات متنوعة تقدم لمتلقيه عونا ودليلا، اضافة الى التحريض الايجابي واثارة شهية القراءة.
وهناك كتب كانت تودع تلك المرحلة الموسوعية منها ما كتبه عبدالمنعم سليم عن اشهر الكتب العالمية، وقدم فيه ملخصات وتعقيبات على ‘فرانسواز ساجان’ و’بيكاسو’ و’ارنولد توينبي’ و’غونتر غراس’ وغيرهم ايضا.

القراءة
كما يقول جورج ستاينر تغيرنا احيانا ونشعر بعد قراءة كتاب بأننا لم نعد كما كنا قبله، فمن يقرأ الخنفساء لكافكا في الليل قد لا يرى صورته في المرآة صباحا كما رأها بالامس، وحين كتبت ‘فرجينيا وولف’ عن القارىء العادي منحت القراءة الاولوية على الكتابة، لان القراءة ليست فقط للكتب بل لظواهر الطبيعة وتفاصيل الواقع، لكن الفارق كبير بين القراءة الافقية والاستقراء المعمق، فثمة من يقرأ ليتلقى فقط، تماما كالإسفنجة ذات المسامات الخالية والمهيأة للامتصاص مقابل القارىء الشريك للمؤلف والذي يتنفس احيانا من رئتيه كما قال ‘جبرا ابراهيم جبرا’ عن تجربته في قراءة ‘شكسبير’ وكذلك سعدي يوسف في ترجمته للشاعر اليوناني ريتسوس.
والجيل الموسوعي الذي قرأ لنا واورثنا خلاصة تجاربه في التلقي كان متأثرا بأجيال موسوعية في الغرب، حيث كانت المقالة هي الفن العسير، بما تختزنه وتختزله من معارف واخيلة ومقاربات. ان كتابا كجمهورية الصمت لسارتر هو نموذج لمقالات تثير شهية القراءة واعترف شخصيا ان تلك المقالات كانت سبيلي الوحيد لقراءة مورياك وسنغور وسيزير وموريس باريس وباربوس وغيرهم.
فهل انتهى زمن المقالة بذلك التعريف الكلاسيكي الذي جعل من روائي شهير مثل جورج اورويل يحقق ذاته ووجوده من خلال المقالة اولا، ام ان الذي انتهى هو زمن القراءة لصالح التصفح السريع لآلاف الكتب عبر الانترنت في ثقافة اصبحت ايضا افتراضية.
لقد وجد جيلنا من أناب نفسه ليقرأ عنه، ويبدو اننا بحاجة الان الى خريطة للقراءة غير
الضالة، حسب تعبير هارولد بلوم الذي اجترح للقراءة تضاريس اخرى في كتاب قال عنه ادوارد سعيد به من القوة والعمق والبصيرة ما يكفي القارىء ويزيد!…
‘ كاتب من فلسطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية