شعراء السيرة الذاتية: من سحر المعيش إلى نفي التّشَخْصُن

انبثاق الأنا المحدث:

مقابل صمت النظرية أو تهيُّبِها الاقتراب من السؤال، كان الشعراء يصوغون سيرهم الذاتية شعرًا، ويكتبونها بصيغ ورؤى متنوّعة في غير عصر معطى، لأن الشعر غالبًا ما كان موضوعه التجربة الحميمية للشاعر. ويرتفع هذا النزوع، في العصر الحديث، إلى الشاعر دي بيللي، الذي يمكن أن يُعدّ ديوانه «الحسرات» (1558) الذي استلهمه من تجربة رحلته إلى روما، ضمن الشعر الشخصي؛ فقد أغناه بإحالات سيرذاتية تحكي لنا عن تجربته وفق حافزين؛ حافز الرحلة الذي يطّرد في قصائد الديوان، وحافز الإشارات التي يُضمّنها إياها عن روما وإيطاليا. وقد جعلت هذه الإحالات من ديوان الشاعر، ما يشبه يوميات رحلة، وهو ما يؤكد عليه دي بيللي نفسه، عندما يعطي لأبياته الشعرية اسم «أوراق يومية» أو «تعاليق» في السوناتة الأولى منه، ويشي فيها وفي الديوان ككلّ بأصداء من حياته اليومية في إيطاليا. يقول دي بيللي في المقطع الثالث من هذه السوناتة:
«أشكو إلى أبياتي، كُلّما حلَّ بي أسى،
أضحك معها، وأفشي لها بسرّي،
كما لو أنّها خزائن قلبي الأكثر أمانًا»
ومثلت «اعترافات» جان جاك روسو التي تقوم فكرتها على السعي الحثيث وراء تحقيق الذات، حقل إلهام لدى رواد الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر من أمثال: بايرون وشيللي، أو ووردزورث، الذي كتب سيرته الذاتية شعرًا في نحو ثمانية آلاف بيت، ونُشرت عقب وفاته عام 1850.
وفي «سوناتة» أرفيرس Arvers التي يستهلّها بـ«لروحي سِرُّهـا، لحياتي لُغْزها»، يبدو البيت عذباً ومؤثّراً في بساطته الشجيّة، وهو كذلك بحقّ. كما يظهر من مجموع السوناتة التي ورد فيها. يظهر أنّه عانى في حياته الحقيقية من سرّ غامض. وربّما يكون كتمانه سرًّا، غير أنّه أفلح، بحسرته العظيمة بلا شكّ، في أن يتجاوز كلّ توقُّع: لا نعرف شيئاً عنه، أيّ شيء آخر غير «أنا»ه الغنائي.
وقد نشر ألفونس لامارتين، بعد عام 1848، طبعة لأشعاره في عدّة أجزاء مع تعليقات. «يودّ الإنسان أن يرتقي إلى مصدره»، كما كتب في المقدمة. وهذا هو برنامجه: «أنظروا كيف ولدت مع قطعة ما يُسمّى بالشعر داخل طبيعتي، وكيف أنّ هذه القطعة من النار الإلهية قد اتّقدت في نفسي بغير علْمٍ مني، وألقت بعض الضوء الهارب على شبابي، وتبخرت في وقت لاحق في الرياح العاتية من اعتدالي وفي دخان حياتي». ويلي ذلك ـ كما يقول فيليب لوجون- حَكْيٌ في عشرين صفحة يُطوّر هذا القماش: مشاعر الطفولة، قراءات، كتابات أولى، اتصالات حميمية في بادئ الأمر، ثُمّ النجاح… وبعد ذلك تتوالى القصائد، وكل قصيدة تعقبها إفادة تفسر ظروف تأليفها. قصيدة «الغدير»، هو وادٍ صغير يجري في دوفيني. قصيدة «الخلود»، أبيات شعرية موجّهة إلى امرأة شابة مريضة. بالنسبة لقصيدة «البحيرة»، انظروا رفائيل (الرواية السيرذاتية المنشورة في عام 1849 التي تصوغ هذه الواقعة الغرامية روائيّاً بكيفية أخرى). تتفتّت هذه القصائد، تِباعاً، إلى طُرَف. ويصير لامارتين هدّامُها السيري الخاص. وثمّة قصائد في حد ذاتها لا تقول شيئاً. والمنهج غير مدينٍ بأن يكون جيّداً. فهذا ليس تاريخ الشاعر الذي يجب أن يصنع، وإنّما تاريخ القصيدة.
ويقدم فيكتور هوغو ديوانه «تأمُّلات» (1856) باعتباره مُذكِّرات روح الشاعر، الذي تطبع مزاجه نبرة الحداد؛ إذ كتبه في ذكرى ابنته ليوبولدين التي ماتت غرقًا في نهر السين، فشرَطَ هذا الموت الصادم بنية الديوان، وقسمه إلى جزءين. وقد اتّسمت قصائد الديوان ببساطتها، فيما القوافي نفسها تعود من قصيدة إلى أخرى، إلا أن الشاعر يرفض الشفقة والنزوع العاطفي السهل؛ فيستخدم القرين عند حديثه عن معاناته الخاصة، ما يعطي الانطباع بأنه يتحدث عن شخص آخر غيره. كما يتجنب المبالغة في غنائيّته الشخصية، قائلًا في «غدًا، عند الفجر» إحدى أشهر قصائده المؤرخة بتاريخ 3 سبتمبر/أيلول 1847:
«لن أشاهد لا ذهب الأصيل الذي يتساقط
ولا الأشرعة تُبحر بعيدًا حتى هارفلور
وعندما أصل سأضع على قبرك
باقةً من بَهْشيّة مائية الأوراق وخلنج مزهر»
وكتب غوته يقول: «أُحوّل ما يمتعني وما يعذبني أو يشغل بالي على وجه ما إلى صورة أو قصيدة… وعلى هذا فكلّ ما نشرته على الناس ليس إلا شذراتٍ من اعتراف كبير». واهتمّ إيزيدور دوكاس بشخصنة شعره، وكتب في أشعاره (1870): «يبدو جميلًا ورفيعًا، تحت ذريعة الخضوع أو الخيلاء، أن تناقش الأسباب النهائية، وتنجم عنها نتائج قارة ومعروفة. اِهْتدوا، لأنّه ليس هناك من شيء أكثر بلاهة! أربطوا شريطًا منتظمًا بالأزمنة الماضية؛ الشعر هو هَنْدسةٌ بامتياز».
وفي الأدب الروسي، عرف الثلث الأول من القرن العشرين وفرة القصائد السيرذاتية التي ترتقي، على صعيد الثيمات أو العروض، إلى رواية ألكسندر بوشكين الشعرية المسماة Eugène Onéguine (1821- 1831)، ثم تَطَّرد مع شعراء من أمثال: فازسيلاف إيفانوف، ألكسندر بلوك، بوريس باسترناك ونابوكوف. كما الحال بالنسبة إلى الأدب الإسباني، ويكفي – هنا- أن نذكر ما كتبه فيديريكو غارسيا لوركا وروبين دياريو، أو ما كتبه في مكان آخر بابلو نيرودا.

رواد التنظير للسيرة الذاتية كرّسوا معظم جهودهم في ربط السيرة الذاتية رأسًا بالسرد، وبالتالي فأغلب النماذج التحليلية، التي استندوا عليها كانت منتقاة من أعمال سيرذاتية سردية، وسلكوا فيها مناهج في التفكير والبحث مختلفة تناولت تجلّيات الذات في الخطاب

نفي التشخصن

سعت الحداثة الأدبية إلى تأكيد رفضها للشعر الشخصي، ولضمير المتكلّم وانثيالاته الغنائية. في قصيدة إدغار بو المعروفة «الغراب» 1845: الشابّ الذي فقد محبوبته يرى الغراب يدخل عليه مساءً، ويستقرّ فوق باب بيته، فيجيبه بهذه الكلمة الوحيدة على جميع ما يُقال له: «Nevermore». وفي 1846، بعد عام من ذلك، ينشر بو مقالة يكشف فيها كيف كتب هذا النص. ويبدأ بالاستهزاء من أسطورة الإلهام التي يخفي خلفها الشعراء أعمالهم الشاقة ومحاولاتهم المتعثرة وتردُّداتهم. يقوم بو بتفسير رائع للنصّ، يعرض مبادئه في «فلسفة التأليف» لصالح الحكي السيرذاتي الذي لا يمكن أن يؤخذ بمحمل الجدّ إلا من الوسط، لكنّما هو حكي ساحر.
وتحت هذا العنوان «تكوُّن القصيدة»، ترجم شارل بودلير نصّ بو؛ بل إنّه تحت تأثير إدغار، صار بوسعه أن يأخذ على عاتقه «نفي التشخْصُن الإرادي لأشعاره»، قائلًا في إحدى رسائله بخصوص «أزهار الشر»: «أينبغي أن أقول لمثلكم ممن لا يعلمون الغيب أكثر من سواهم، بأنّي وضعْتُ داخل هذا الكتاب الفظيع كلّ فؤادي، كلّ رقَّتي، كلّ معتقدي (التنكُّريّ) وكلّ كراهيتي؟ والحقّ أني سأكتب العكس، أني سأحلف لآلهتي العظام بأن هذا الكتاب إنّما هو كتابٌ فنيٌّ، كتاب صنعة وخداع، وسأكذب كأدرد».
لهذا السبب، يبدو لنا المشروع السيرذاتي لـ«تأمُّلات» هيغو مُتعارضًا مع التقلُّب المتسارع لمشاعر بودلير وتيارات أناه المتدافعة. ولكن نفي التّشَخْصُن عن الشعر لم يقطع تمامًا مع ارتباط المرجعي بالواقعي، وإنّما بالأحرى كان يُحوّله، ويُشوّش عليه وعلى الصور فيه بشكل يجعلها غير مشابهة له في حدّ ذاته.
وتحت هذا العنوان «مقاطع من مذكّرات القصيدة»، أعطى بول فاليري سلسلةً من التأمُّلات حول عمله الشعري. نذكر من ذلك: «دائماً ما صنعت أبــياتي وأنا مراقبٌ لما أصنعه»، أو: «أعترف أكثر من مرة أن العمل يهمّني بشكل لا نهائي بقدر ما يهمّني منتوج العمل».
يُقيـــّد ملاحظات في دفاتره، لكن لا يرعى نســــق يوميات إبداعه. ويستحضر اللحظات المحدِّدة لكتابته «بارك الشابة» و«المقبرة البحرية»، لكن بدون أن يصنع منها مَحكيّاً بوليسيّاً على شاكلة بو. رغم كلّ شيء يحلم بالسيرة الذاتية لإبداعه.
ويأتي ميشيل ليريس في طليعة الشعراء المحدثين ارتباطًا بالمشروع السيرذاتي، بحيث صهر السيرة الذاتية والشعر بشكل مُضفَّر غير مسبوق.
فمن خلال عمله السيرذاتي الذي دام نحو ما يقرب من خمسين عامًا من وجوده، وعبر رحلاته الإثنوغرافية إلى افريقيا، وسعيه الحثيث عبر فعل الكتابة المسكون بعدم الرضا إلى الكشف عن الحقيقة المتوارية إلى حدود يصعب الإمساك بها، نواجه مشروع ميشيل ليريس السيرذاتي.
يقول: «بعد أن كنتُ شاعرًا (وهو يحلم بالعيش كواحدٍ من أبطال الأسطورة) سأصير مؤلِّف تجارب سيرذاتية أمينة رُبّما مثّلت وجهًا للدفاع عن هذا النوع الأدبي وإشاعته».
وبقدر ما كان المشروع الذي انخرط فيه ليريس جديدًا، بقدر ما كانت اللغة التي يكتب بها ويجترحها جديدةً، تقوم على مبدأ اللعب على الكلمات، الذي يجعل من تداعيات الأفكار والكلمات مُحرِّكه الرئيس، ولا يمكن أن نفصله عن تأثُّره، في شبابه، بالسيريالية. ويتجلّى هذا المبدأ الذي يدعو إلى إعادة النظر في قيمة الكلمات وتأثيرها على المعنى، ابتداءً من ديوانه «الفهرس، حيث أضع ملاحظاتي اللغوية» (1925). وحسب ميشيل ليريس أن نبّه بكتابته إلى أهمية المشروع السيرذاتي الذي تماهى معه وانخرط فيه، وكذلك إلى قيمته الحسّاسة في تجديد رؤية الشاعر الحديث للعالم الذي يعيش فيه.

براديغم جديد

لقد شكّل صعود مشاريع الكتابة السيرذاتية شعريًّا طوال القرن العشرين، وما أتاحه من التباسٍ أنواعيٍّ قوّض الحدود بين الشعري والسردي، ومن انبثاق لجماليّات الأنا السيرذاتي وتخييلاته داخل فضاء الشعر، طَوْرًا جديدًا وذا أهمية بالنسبة إلى حياة النوع السيرذاتي وعلاقاته وإمكانات عمله، غير أنّ النقد كان منشغلًا بنظرية الظروف الخارجية، أو أسير تحديدات فيليب لوجون.
ومعلومٌ أنّ رواد التنظير للسيرة الذاتية كرّسوا معظم جهودهم في ربط السيرة الذاتية رأسًا بالسرد، وبالتالي فأغلب النماذج التحليلية، التي استندوا عليها كانت منتقاة من أعمال سيرذاتية سردية، وسلكوا فيها مناهج في التفكير والبحث مختلفة تناولت تجلّيات الذات في الخطاب، من منظورات شتى (البنيوية، السرديات، السيميائيات، التلقي…). ورغم أنهم لم يستبعدوا بعض المحاولات التي اتخذت الشعر أداة لكتابة السيرة الذاتية، فقد أدلوا في هذا الصدد غالبًا، بجملة من التحفُّظات المنهجية. ومن هنا، يفرض مثل هذا السؤال نفسه: كيف يمكن للباحث أن يتخلّص من عبء التنظيرات السيرذاتية المكرسة للنثر، خاصة للسرد، ليبتكر إطارًا نظريًّا خاصًّا ومستقلًّا يستفيد مما سبقه، ويكون ملائمًا لدراسة تجليات السيرة الذاتية في الشعر؟
فمعظم الدراسات التي اهتمت بالنزوع السيرذاتي للشعر العربي تأتي على ذكره عَرَضًا، أو أثارته ضمن إشكاليات مختلفة لا تتصل به، إلا من خلال دواعٍ موضوعاتية ووجدانية، وبالتالي ينبغي أن يبدأ براديغم جديد يقطع مع ما سبقه ويُدشّن مرحلة جديدة في بحث هذا النزوع واستشكال علاقاته وعناصر اشتغاله، بعد أن صار الشعر يُشكّل بطريقته الخاصة محفلًا أساسيًّا داخل الفضاء السيرذاتي، وأخذ يستثمر السيرة الذاتية وَفْق ما يمليه خطابه النوعيّ إلى حدّ أفقدها قوانينها المتعارف عليها.

٭ شاعر مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية