شعرنا المعاصر إلى أين؟ (2): تحولات الشعر الفلسطيني من أعباء البطولة إلى شخصنة المتخيل

 كان الشعر الفلسطيني جزء من صميم الحداثة الشعرية العربية منذ ستينيات القرن العشرين، وكان شعراء الأرض المحتلة – بتعبير غسان كنفاني- ضمير هذا الشعر الجريح والمعذب تحت أهوال الاقتلاع والمنفى والتشرد، مثلما نطالعه في أشعار محمود درويش، وسميح القاسم، معين بسيسو، وتوفيق زياد، وعز الدين المناصرة، وأحمد دحبور وغيرهم. لكن ابتداءً من مطالع ثمانينيات القرن نفسه، وبعد خروج بيروت المدوي في عام 1982، تغيرت بوصلة الروح الشعرية، بقدر ما تغيرت “ثنائية الوطن والمنفى الصلبة” بحسب تعبير غسان زقطان، ومعها تغيرت مفاهيم الذات واللغة ومصادر الكتابة في جغرافيا الشعر الفلسطيني الممتدة في الداخل والخارج. وقد أخذ التحول الجذري يمس أساساً التخفف من أعباء “القضية” واللوذ بشخصنة المتخيل الفردي للشاعر “المنفي” لا “المُخلص”، فانعكس ذلك على فضاء النص وأرومته الأساسية، وقد عنت بذلك الاتجاهات أو التجارب الجديدة  في المشهد الشعري الراهن، التي تحررت من الحمولات التقليدية، وأسست لبلاغة انتقالية جديدة تجسدت في انفتاحها على السرد والسيرة، وتقنيات الكتابة الأكثر ملموسيةً والأقل هتافا. غير أن هذا الشعر ما زال يعاني من حجاب “القضية” ورموزها، ومن غياب التلقي و”تشويش” الصورة في زمن التكنولوجيا، ومن وطأة الصراع الثقافي الأيديولوجي بين الأشكال الشعرية.

 فخري صالح: العودة إلى بئر الأعماق

يمكن القول إن ظاهرة الشعر الفلسطيني التي تبلورت على خلفية اقتلاع الشعب الفلسطيني، وتشريده في النصف الأول من القرن العشرين، وكذلك على نهوضه وتشكل هويته الوطنية، وصعود مقاومته لمحو هذه الهوية في ستينيات القرن الماضي، تمرّ منذ حوالي ثلاثة عقود من الزمن بحال من التحول والتبدل، في اتجاه مقاربة مختلفة للعالم. فالشعر الفلسطيني، الذي شكل، في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، رافداً أساسياً في تحديث الحركة الشعرية العربية، من خلال ظاهرة شعراء المقاومة، التي كانت في وجه من وجوهها تعبيراً سياسياً، إضافة إلى كونها ظاهرة شعرية، واجه بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982 سؤالاً وجودياً ـ تعبيرياً يتمثل في القول: ما هي الخيارات المطروحة الآن؟ أو بتعيير محمود درويش: إلى أين نذهب بعد السماء الأخيرة. كأن بيروت شكلت سقفاً آنياً أخيراً للتجربة الشعرية الفلسطينية، سقفاً عليها تجاوزه، كما هو حال السياسة والخيارات الوطنية في تلك اللحظة المفصلية من تاريخ الشعب الفلسطيني.

نستطيع أن نعثر على صيغ التحول التي اعترت القصيدة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، من حيث صعود الصوت الفردي، وخفوت الإيقاع، وتبدل الصورة الشعرية، وتنكب البلاغة.

وقد أدرك درويش، بقدرته على الإحساس بدبيب التغير، ومحدودية الخيارات، على صعيد السياسة، وكذلك في مستوى التعبير، أن قصيدته ينبغي أن تأخذ منحى آخر، فيخفت الإيقاع، ويجري التعبير عن الخسارة، لا البطولة، وعن الإنساني في الفلسطيني، لا عن الوطني ـ القومي فيه. وهو ما طَبَع، طوال ما يزيد على عقدين من تجربته، شعره كله، وجعله يتجه إلى قراءة تجربة فلسطين وهي تتصادى مع تجارب شعوب وجماعات وإثنيات وقوميات أخرى، في التاريخ كما في الجغرافيا. ولا شك في أن هذا البحث الشعري الدرويشي، عن تجاور الفلسطيني مع آخرين من الخاسرين عبر التاريخ، وكذلك عن صورة الفلسطيني في مرايا الآخرين، وصورة الآخرين في مرآة الفلسطيني، قد حفر مسارب وجدانية عميقة في التجربة الشعرية الفلسطينية، وعثر لها على منابع ثرية ومنتجة.

في ضوء هذا التصور، نستطيع أن نعثر على صيغ التحول التي اعترت القصيدة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، من حيث صعود الصوت الفردي، وخفوت الإيقاع، وتبدل الصورة الشعرية، وتنكب البلاغة، أو العثور على بلاغة جديدة تتمثل في التعبير عن الأشياء والعاديات، والمتواري، وغير المطروق، والمهمل، والبعيد الخفي في الأعماق، والذكرى، والحدث اليومي؛ أو الانتقال من لغة المجاز والاستعارة إلى التعبير المباشر عن الأشياء والعالم، أو الذهاب باتجاه عالم المفارقة، التي تقرب لغة الشعر من لغة النثر، بل تجعلهما تعملان على المحور الاستبدالي نفسه (حسب منظري الشعريات البنيوية). ويمكن أن نقع على أمثلة كثيرة من هذا التحول في الصورة، والموضوع، والعناصر الإيقاعية والتعبيرية، وأشكال التعبير عن التجربة، والمشاعر الجوانية للذات وعلاقتها بالأشياء من حولها، لدى محمود درويش نفسه، ولدى شعراء آخرين كالراحل مريد البرغوثي، ووليد خازندار، وزكريا محمد، وغسان زقطان، وزهير أبو شايب، والعديد من الأصوات الطالعة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. وهو ما يؤكد على عودة الشعر الفلسطيني إلى الموضوعات الحميمية للشعر، إلى ما يمثل النسغ العميق، والنبع الفياض، للشعرية بعامة؛ وهو الشيء الذي يحمي الشعر، والتعبير الأدبي بعامة، من اللحظية، أو الآنية، والانفعالية، وكونه استعمالياً في خدمة السياسة والاجتماع.

غسان زقطان: الخروج من الثنائية

  تَغير مشهد الكتابة الفلسطينية، بشكل جذري وهادئ عبر سنوات طويلة من تراكم التجارب، تفككت المصادر تماما، تبدو مفردة “تماما” قطعية هنا ولكنها مقصودة وهي جزء من محاولتي في هذه القراءة للتخفف من المصطلح النقدي والاقتباسات النظرية، والاعتماد قدر الإمكان على الذائقة الشخصية والمتابعة، التي أدعي أنها اتسمت بالاهتمام والبحث. ثنائية الوطن والمنفى الصلبة التي حكمت الاتجاهات الرئيسية في المشهد الشعري الفلسطيني، وشكلت مصادره أيضا، تفككتْ هيئتها الصارمة التي مررها “شعراء النكبة” لـ”شعر المقاومة” وصولا لـ”شعراء الثورة”، وانفتحت على تيارات أخرى كانت موجودة خارج الضوء.

التحولات التى طرأت على “المنفى” الفلسطيني تركت أثرها بطرائق مختلفة على “الشاعر المنفي”،  تأثيرات يمكن ملاحظتها في النصوص الجديدة بقوة، حررتها من الحمولات التقليدية التي اقترحتها أجيال النكبة وعززها عقد السبعينيات. لم يعد المنفى ضيقا ومحصورا في “المخيم”، ولم تعد “المقاومة” نقيضا للمنفى. المنفى كان يتحرك بوتائر مختلفة خارج صفاته الساكنة والمحفوظة، تعدد وانفتح على تجارب جديدة، تجارب بصرية وثقافية وحوار عميق، مع مشاهد ولغات تمتلك إيقاعات واهتمامات جديدة، وهواجس مكتسبة وثقافات مختلفة. لم يعد المنفى مصدرا للألم والحنين والتفجع؛ ها هو يقدم معرفته أيضا، ويبدو اختيارا شخصيا في مستوى ما. لا أتحدث عن عملية استبدال هنا، بقدر ما أقصد أن الشاعر الفلسطيني لم يعد ضحية ملحقة بمنفاه، ولم يعد النص ضحية إدراك الشاعر وامتثاله لاقتراح السياسي، بقدر ما حول المنفى إلى منطقة بحث، اكتشف عبرها قوة المنفى وإمكانياته وألحقها بتجربته. المقصود هنا تجارب بعينها، استطاعت التأثير عبر تقديمها قراءة جديدة، في كتابتها، وتجاوزت زمن الظاهرة وشروطها لتشكل اقتراحا جماليا ومعرفيا متعددا ومختلفا للمشهد. أتحدث عن تجارب يمكن ملاحظتها في المشهد مثل غياث المدهون، ورائد الوحش، وأشرف الزغل، وأنس العيلة، وجمانة مصطفى، وسامر أبو هواش، وفادي جودة، والراحل جهاد هديب.. وآخرين طبعا. بينما تعمق “المكان” الفلسطيني، الضفة الثانية للثنائية، ولم يعد مجرد أرض محتلة بحاجة للمخلص، أو مشهدا بلاغيا يتغذى من لغة سلفية، ويعوض نقصانه بالرطانة وإعادة صياغة مخيلة السياسي.

التحولات التى طرأت على “المنفى” الفلسطيني تركت أثرها بطرائق مختلفة على “الشاعر المنفي”،  تأثيرات يمكن ملاحظتها في النصوص الجديدة بقوة، حررتها من الحمولات التقليدية التي اقترحتها أجيال النكبة وعززها عقد السبعينيات.

 يمكن أن نشير هنا، في فقرة اعتراضية، إلى نفوذ وتأثير جيل الثمانينيات، الذي أظن أنه أسس لمرحلة انتقالية شملت بنية القصيدة، وذهب إلى مواضيع غير مألوفة وخارج السائد والمتعارف عليه، ولعل مساهمته الأهم كانت في أنه منح “شرعية” لقصيدة النثر الفلسطينية، في امتداد لمساهمات مبكرة لم تعط حقها لجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ.

لا أتحدث عن اتجاه متفق عليه وحوله، أحاول وصف الأمر بتيارات متقاطعة تكاد تكون مستقلة، وتجارب مختلفة ومتحررة من ثقل “المسؤولية الوطنية” بتعريفها السياسي الصغير، هي اقتراحات جديدة تماما اختارت مصادرها واستفادت من “المنجز”، ولكنها لم تخضع لشروطه، ووسعت مصادرها، بحيث بدت تجربتها الشخصية وذاكرتها الفردية أكثر وضوحا في النص، ومنحت “السرد” مكانة مؤثرة في المشهد الشعري. نصوص قريبة من الحياة الشخصية، تقترب من السيرة، ليس عبر روايتها، ولكن من خلال تحويلها إلى معرفة. سيختلف، على سبيل المثال، مخيم وليد الشيخ عن مخيم أحمد دحبور. وستبدو “نابلس” مدينة محافظة وغير متسامحة في نصوص طارق العربي، لعلها أقرب إلى سيرة فدوى طوقان، من الفكرة المتداولة “جبل النار” التي احتفى بها الشعر الفلسطيني، سيقدم “مدينته” في مشهد مبكر وهو في طريقه إلى سوق الخضار حيث يتجول الحمالون بذكورة مضاعفة. لقد منح المشهد المدينة بعدا أعمق وعزز قوتها وسمح لها أن تتنفس في بنية النص. يمكن هنا إدراج أسماء مثل وليد الشيخ وطارق العربي وأسماء عزايزة وداليا طه وناصر رباح، مرة أخرى أحاول تجنب مواصلة تعداد الأسماء لمعرفتي أن القائمة تضم أسماء أخرى.

“الانتفاضة الكبرى” التي منحت الناس ثقة عميقة، عبر إدراك أنها ابتكار شعبي جماعي وليس برنامجا فصائليا. اتفاق “أوسلو” الذي سمح للمخيلة الشعبية أن تتحرر من فكرة “البطل المخلص” الذي سيصل من المنفى من جهة، وسمح بتحول الوطن الساكن في مخيلة المنفى إلى مكان حقيقي، من جهة ثانية، وقصيدة النثر التي أغنت النص الشعري الفلسطيني بانفتاحها على السرد، والتجريب والتقنيات الجديدة، وتفقد الذاكرة وطبقات اللغة، تلك أيضا عوامل مؤثرة  وواضحة في المشهد. هذه الملاحظات هي محصلة انطباعات ولا تدعي أكثر من ذلك.

نمر سعدي: “محنة” التجارب الجديدة

نادرا ما أكتب عن غواية الشعر، لا لأن المخيلة مقيدة بتفاصيل الحياة الصغيرة، بل لأن هناك من يمارس هذه الكتابة بمنهجية أكاديمية بحثية لا تتاح لقلق الشاعر، ولروحه المشوبةِ بالأسئلة، خصوصا عندما يتحدث عن تجربته أو تجارب مجايليه. على الصعيد الشخصي ما زلت أبحثُ عن قصيدتي كمن يبحث في امرأةٍ عن حبق سري، أو أنوثة غامضة. رغم أن الشغف الشعري أحيانا ما ينكسر بعد جيل الفتوة، فينحو الشاعر إلى كتابة نثرية تعبر أكثر عن تموجات أحلامه المنكسرة. فالكثير من الشعراء بعد سن الأربعين يصيبهم ضجرٌ ما من النفخ في ناي الغنائية، أو يفتر شوقهم الشعري فيسلكون خيارين اثنين لا ثالث لهما، إما الانقطاع عن الكتابة الشعرية واللجوء إلى الصمت الأبدي، أو الوقوع في فتنة السرد والطواف في بحر الرواية، أو الكتابة عبر النوعية. وهو ما حدث مع الكثيرين من الشعراء الذين تحولوا إلى كتابة الرواية وتركوا الشعر في مهب ريح التساؤلات.

لا أستطيع أن أحكم على تجارب غيري من الشعراء الفلسطينيين الشباب، ولست وصيا على قصيدة أو على أحد، ليس لأنني أعيش عزلة شعرية بطريقة أو بأخرى، ولكن لعدم اطلاعي بشكل كافٍ على تجاربهم الجديدة، التي أعتبرها مبشرة بالخير، على الرغم من فجاجتها أحيانا في مواضع كثيرة، فهي تحتاج للممارسة.. للوقت.. وللنار الهادئة كي تنضج، وهذا رأي شخصي لكوني لا أمارس النقد، ولا تسعفني قراءاتي في أدبنا المحلي الجديد بالمستوى الذي يتيح لي أن أبدي رأيا أو أكتب متابعة، ولأن اهتمامي ينصب على ما كتبه شعراء الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، أو لأكن دقيقا أكثر، شعراء ما قبل الألفية الثالثة. ما قرأته لا يعدو أن يكون أبياتا متناثرة أو قصائد قصيرة قليلة مبثوثة هنا وهناك، سواء على الفيسبوك، أو على بعض المواقع الإلكترونية المهتمة بالشعر. ولكن ما أوقن به أن تجارب الشعر الفلسطيني الجديدة، لم تبلغ ذلك الأفق العربي وظلت بعيدة عن دائرة الاهتمام النقدي، ومحبوسة ضمن إطار ضيق من المحلية. تشغلني حاليا تجارب حسين البرغوثي، غسان زقطان، وليد الشيخ، زكريا محمد، زياد خداش، سهيل كيوان، وغيرهم من المبدعين الراسخين في التجربة الإبداعية الفلسطينية.

في السنة الماضية قرأت سيرة الناقد والكاتب الموسوعي الفلسطيني إحسان عباس “غربة الراعي”، قرأتها بتمعن وتأمل كبيرين، لأن أعمال هذا الناقد الفذ تهمني وتفتح لي نوافذ كثيرة على ثقافات وأبعاد وإشارات وأساطير، بعدها قرأت شعرا للشاعر الفلسطيني  حسين مهنا، الذي أعتبره صوتا استثنائيا، وصاحب عبارة منحوتة بدقة وإتقان في ساحتنا الأدبية المحلية. وأيضا أعجبني كتاب نصوص قرأته مؤخرا بعنوان “خطأ النادل” للقاص الفلسطيني زياد خداش.

خفوت الوجودي والسياسي في شعرنا الفلسطيني أصبح ملموسا وجليا لدى البعض من المبدعين الشباب، مقابل الهم الذاتي والنبرة الوجدانية والعاطفية، ولكنه اكتسب طفرة وازدهارا وتنوعا لدى شعراء الجيل الثاني

مشكلة الأدب تكمن في آلية التلقي في زمن الصورة والتكنولوجيا، ولأعترف بأننا نعيش حالة استسهال كتابي، سواء بالشعر أو بالنثر، ولو نلوم الفيسبوك أو تويتر أو غيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي على امتلاء الفضاءات الافتراضية بالكتّاب وبالشعراء والمنظرين الجدد، هي ثورة معلومات ونظام عولمي يخضع البشر لقوانينه. بعد الشاعرين محمود درويش وسميح القاسم، نلمس فراغا شعريا كبيرا، لا أجد ذلك النص الشعري الفني المغاير، أو المختلف. لدينا أسماء كثيرة، ولكن من يكرس نفسه للحياة الإبداعية، ويخلص لمشروعه ويعيش تجربته بكل عمق ورهبنة؟ هناك تجارب فردية وذاتية لأصوات شعرية جميلة في الداخل الفلسطيني وفي الضفة الغربية والشتات، ولكنها أصوات خافتة النبرة لشعراء شباب يتلمسون طريقهم، منهم من يمتلكون صوتهم المرهف الخاص وبصمتهم الجمالية، وآخرون ما يزالون يبحثون عن ضالتهم. لكنهم جميعا يبقون كمن يغرد خارج سربه أو كنخلة وحيدة في صحراء ممتدة. لم تتخلص تلك التجارب الجديدة بعد من صراع الأشكال الشعرية، وتأثيراتها. هناك شاعر فلسطيني مهم في نظري اسمه أحمد حسين، هو شقيق الشاعر راشد حسين، كتب دواوين مهمة على مستوى اللغة الشعرية المتجددة، النابضة والمضيئة، أعجبتني صوره ومجازاته وطريقة كتابته للقصيدة، ولكن لم يهتم النقاد بتجربة الشاعر الفلسطيني أحمد حسين، لأنه لم يكن يُحسب على حزب معين، ولم ينضوِ تحت أي راية أو جهة. قبل سنوات راسلتني طالبة من مدينة غزة طالبةً مني أن أمدها بكتابات للشاعر أو دراسات عنه. لم يكن هناك من مصدر سوى موقع الشاعر على الشبكة العنكبوتية.

خفوت الوجودي والسياسي في شعرنا الفلسطيني أصبح ملموسا وجليا لدى البعض من المبدعين الشباب، مقابل الهم الذاتي والنبرة الوجدانية والعاطفية، ولكنه اكتسب طفرة وازدهارا وتنوعا لدى شعراء الجيل الثاني، أقصد شعراء ما بعد مرحلة محمود درويش، وسميح القاسم، وعز الدين المناصرة، وتوفيق زياد، وراشد حسين وشقيقه أحمد حسين وغيرهم. الشعراء الشباب لديهم أحلام طموحة ولكن شعرياً ينقصهم الكثير لتكتمل تجاربهم. على سبيل المثال، نحتاج لقصائد لا نشعر حين نقرأها بوطأة الصراع الثقافي الأيديولوجي بين الأشكال الشعرية فيها، يتوجب نسيان هيمنة قصيدة النثر أو رفرفة التفعيلة أو صخب الشعر العمودي. نريد شعرا فحسب، شعرا مغايرا منطلقا، يتجلى عبر الأبعاد الفنية، هاضما للثقافات العميقة، القراءات المتعددة، متمثلا للشعريات العالية المتوهجة، ومخترقا سطح النمطي والمتداول، ذلك أن القصيدة الفلسطينية بشكل خاص والعربية بشكل عام، أصبحت فاقدة لخصوصيتها ولبصمتها الشخصية، ولحساسيتها الفنية، فالنصوص الشعرية تقريبا كلها متشابهة ويحكمها جو معين وتجمعها لغة واحدة، في ظل غياب نقدي يواكب رؤية الشعر الفلسطيني التائهة بين استيهامات الواقع والخيال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية