شعرية العنوان في «عصا الجنون» لأحمد خلف

يمثل أحمد خلف صوتًا سرديًّا مميزًا في كتابة القصة، وقد ظلَّ وفيًّا لهذا الفن، على الرغم من توجه بوصلته إلى فن الرواية؛ إذ أنجز عددًا من الأعمال الروائية المميزة، لكن كثيرًا من النقاد والمعنيين بالشأن القصصي، ما زالوا يعتقدون أنَّ له أسلوبًا مميزًا وطريقةً في الكتابةِ القصصيَّةِ، قد تفوقُ بكثيرٍ ما أنجزه في الكتابة الروائيَّة.
كانت أوَّلى مجموعاته «نزهة في شوارع مهجورة» ثم توالت إصداراته؛ وصولًا إلى «عصا الجنون» الصادرة عن ميزوبوتاميا، بغداد، ط1، 2015، وقد ضمت ثلاثًا وعشرين قصة، وسبع قصص قصيرة جدًا.
لعل اللافت أنَّ أغلب عناوين قصص هذه المجموعة اختيرت بعناية فائقة، تتناسب مع متن القصة، وبعيدة عن الإنشائية التي ابتلي بها كثير من المؤلفات الحديثة، التي لا يجمع عناوينها بمتونها جامع. وعنوان قصة «اقتفاء الأثر» هو جزء من بنائها، فقد شكل خاتمتها، إذ حاول البطل أن يقتفي أثر المرأة التي حملت الرجل المسجى على (كنبة) المقهى، وخرجت بدون أن يعلموا وجهتها، وما كان منه الّا أن راح يقتفي أثرها، والعنوان مستل من الجملة الأخيرة من القصة: « كان عليّ مغادرة المكان في اللحظة والتو، لكي أقتفي أثر المرأة لئلا يضيعُ مني إلى الأبد» (عصا الجنون).
وتكاد قصة «اجتياز العتبة»، تكون جزءًا مكملًا للقصة السابقة، فكلا العنوانين ينطلقان من مدلولات متشابهة، تجمعهما حالة الفقد التي وسمت القصتين معًا، فاقتفاء الأثر هو لأجل بلوغ العتبة واجتيازها، والتشابه ليس في العنونة وحسب، فحتى في أجوائهما، فبطلاهما مريضان، الأول مسجى على كنبة المقهى بانتظار من يذهب به إلى المشفى، والآخر مسجى في المشفى بانتظار من يعرف علته. الأول حملته المرأة وسارت به إلى جهةٍ مجهولة، والآخر، حمله ممرضان وسارا به إلى غرفة مجهولة، فحالة الفقد والامحاء سيطرتا على أجواء القصتين، منذ استهلالهما حتى الخاتمة، ولعل خاتمة القصة الأخيرة «اجتياز العتبة» تصور ذلك، وتفصح عن حالة الفقد التي هيمنت على أجوائها. وثمة خيط يصل قصة «رنين» بالقصتين السابقتين، على صعيد البنية والموضوع، فالأجواء ليست بعيدة، فالجسد المسجى، حاضر فيها جميعًا، بمعنى أنَّ أبطالها عاطلون عن الحياة، هم قريبون من الموت، فإذا كانا في الأوليين، قد تعرضا إلى غيابٍ قسري، فإنَّ الموت كان مصير الشخصية الثالثة.
في القصص المتقدمة ثمة شخصية نسائية، تخرج في لحظة حاسمة، تفرض رؤيتها على الحدث، لكنها في النهاية تغيب وتختفي، بدون أن يعلموا مكان اختفائها.
مما تقدم يظهر أن العنوان لم يكن مجلوبًا من عبارة، أو مفردة في النص، بل هو مأخوذ من المعنى العام للقصة. وفي قصة «بريق»، يستل القاص عنوانه من متن القصة استهلالًا وخاتمةً، حتى يلتحم العنوان مع المتن التحامًا كبيرًا لا فكاك منه.
ونجد الجملة الأخيرة في قصة «شمس ساطعة كالفضة» عنوانًا لها، وتكاد تكون الطرف الآخر من ثنائية العتمة. وتأتي قصة «الحكاية الناقصة» في سياق قصته (بريق)؛ إذ التحم العنوان بالمتن، وغدا المدار الذي تدور حوله القصة كلها، فالحكاية الناقصة بحاجة إلى من يكملها، فإذ ما اكتملت فإننا نجد أنفسنا أمام حكاية أخرى لما تكتمل بعد.
يضعنا القاص في ما تقدم من قصص أمام حقيقة نقدية، هي أن العنوان لم يكن آخر ما يفكر به الكاتب، وقد يستعمل فذلكته اللغوية، فيقترح مفردة براقة، أو عبارة صاخبة تعبر عن فحوى القصة، فقد تتمثل في متن النص، وتدخل وتلتحم في نسيجه حتى صار لبنة من لبنات جداره المتماسك. ونحن نقرأ قصص هذه المجموعة يستوقفنا إلحاح القاص على ترديد مفردة الأصوات التي تزخر بها، وهي تكاد تكون معادلًا موضوعيًّا لصوت الحرب، الذي علا على كلِّ صوت، وقد وجدناه في قصة «رنين»، ومن هنا جاء تسمية قصته هذه بـ «الترجيعة» وقد جاءت ثيمة القصة وبناؤها على تداعيات الأصوات، فضلًا عن القصة أيضا لا تبعد عن فلسفة الامحاء والغياب التي تجسدت في مفاصل هذه القصة. فقد تجسد العنوان في المتن كله، وإن كانت مفردة (الترجيعة) وردت في الاستهلال، وليس في خاتمة القصة، كما رأينا في قصصٍ أخرى.

تأتي قصة «الوليمة» التي لا تقبل تأويلًا آخر غير أنها تصور حالنا، وكيف استباح الغرباء الأرض، وصاروا يتدافعون للفوز بحصة الأسد منها. فالعنونة بدت كأنها جزء من نسيج القصة، ولو رفعت الوليمة لغدت جوفاء بلا روح أو ماء.

تبدو عناية القاص كبيرة في صياغة عنونته، واستهلال قصصه وخواتيمها، إذ إنه وهو يحاول أن يجسد الأيام الصعبة التي عاشها العراقيون، وقت المحنة، وتلاشي الرؤية، وعدم وضوح الطريق، إن كان ثمة طريق يمكن أن يُسلك، فكانت شخصيات قصة «إلى أين الطريق»، شخصيات ضائعة تبحث عن مرسى، وسط زوبعة من الانفجارات والأحداث الشائعة. وجسدت نهاية القصة فلسفة المجموعة كلها، وهي حالة الفقد والتيه التي طبعت شخصياتها كلها. وتجسدُ قصة «عصا الجنون» مثالًا طيبًا لانطباق العنوان على متن القصة، فهي تسردُ حكاية صاحب العصا القوية (السلطة)، وبمعنى أوضح البطل الذي تهاوت قوته، ولم يبق منه سوى العصا القوية.
وكان العنوان سدى ولحمة القصة، قد ورد باللفظ، والدلالة، وغطى جسد القصة. وإذا جاز لي القول: إن العنوان ليس العتبة وحسب، بل هو يصور قدرة القاص على تخيل خريطة قصته، قبل أن ينزلها على الورق، وهو جزء من استراتيجية الكتابة الجديدة القائمة على التنظيم، فلم تعد الكتابة مجرد موهبة، وقدرة لغوية؛ بل صارت استراتيجية وخططا مسبقة وتنظيما قارا. وهذا ما يؤكده عنوان قصة «الطاووس» التي تحكي معاناة الشخصية، وهي تعيش تداعيات الظروف السياسية والاجتماعية التي نتجت عن حروب متناسلة، إذ تتوهم شخصية الأب بوجود صوت غريب في البيت، لكنه يكتشف أن هذا الصوت هو صوت الطاووس. فثمة استثمار كبير للرمز في هذه المجموعة، ولعل قصته «البرابرة قادمون» واحدة من تلك القصص التي استثمر بها الرمز، فثمة برابرة قادمون، وكلاب ينتظرون لمواجهة حشودهم. وقد حضرت تلك الرمزية في هذه القصة، منذ الاستهلال مرورًا بأحداثها حتى الخاتمة التي تصور المآل الذي انتهى إليه البطل بعد حقبة سياسية مظلمة قادتنا إلى أحداث سياسية مروعة. فالعنوان يشتبك مع المتن، ويظهر باللفظ في أكثر من موضع في القصة، حتى صار واضحًا أن فلسفة العنوان لدى أحمد خلف، لم تكن بمنأى عن تفكيره؛ فقد تولد مع ولادة الفكرة في ذهنه، إلى أن تستحيل نصًّا على الورق.
ثمة أمر جعل القاص أحمد خلف في مقدمة كتاب القصة عربيًّا، إنَّه لم يجعل طريقته في بناء القصة بمعزل عن عنوانه، وقد فارق في هذا كثيرًا من الأعمال القصصية والروائية والشعرية، وحتى النقدية، التي فارقت عناوينها متونها المذكورة، إذ جعل بناء القصة جزءًا لا يتجزأ من عتبة عنوانها، وهو ما وجدناه في معظم قصص المجموعة، فقصة «اللصوص» تعكس هذا المزاج في بنائها بناءً يعتمد على العنونة التي تشكل المادة التي يحشو بها، وعبر توظيفات أخرى تنسجم مع طبيعة الموضوع الذي يريد أن يعبر عنه فيها، فاختيار اسم (عبد الله) لشخصيتها الرئيسة وحده يبين إيجابيته، ومن اختار مهنة بيع الورق والقرطاسية لها، وجعلها في مدينة بغداد، يذهب بنا إلى أن الرمز لا يعدو أن يكون الوطن كله، فهي تشير إلى ذلك التاريخ الضارب في الأعماق، تاريخ الكتابة والقراءة.
فالخوض في تفصيلات القصة كلها يجعل تسميتها باللصوص أمرًا مسوغًا؛ لأنَّ السرقة وفعل اللصوص، كان الخط الأظهر في بنائها، عنونةً وموضوعًا، وخاتمة أوجزت فعل اللصوص، وما انتهوا عليه: « اللعنة على ساعة اتفقوا فيها على السلب والنهب. قلت مؤيدًا كلامه: آمين»..
في السياق ذاته تأتي قصة «الوليمة» التي لا تقبل تأويلًا آخر غير أنها تصور حالنا، وكيف استباح الغرباء الأرض، وصاروا يتدافعون للفوز بحصة الأسد منها. فالعنونة بدت كأنها جزء من نسيج القصة، ولو رفعت الوليمة لغدت جوفاء بلا روح أو ماء.
وبالعودة إلى الحديث عن علاقة العنوان بالمتن، نجد ذلك التماسك القوي بينهما وهي طريقة القاص أحمد خلف في بناء قصصه بشكلٍ عامٍ. فالاستهلالُ والخاتمةُ كلاهما يؤكدان عنوان القصة ويعمقان شعور الراوي بزيف أقواله وتلفيقه لعلاقة حميمة لم تكن موجودة على أرض الواقع، كما جهد في تصويرها. وفي قصة «هو وحده» يحاول القاص أن يصور حجم الخوف الذي تملك الشخصية العراقية، جرَّاء ما واجهته من صعوبات في حياتها، ولذلك فهي دائمًا تنتظر المجهول وتترقب ما يؤول إليه مصيرها. أما «رجل القارب» القصة القصيرة الأخيرة، فالعنوان عماد بنيتها الذي استندت إليه في تشكيلها، ولذلك التحم العنوان مع المتن، حتى لم يعد أمامه سوى أن يطلق عليها هذه العنونة، وهو ما يحيلنا إلى تأكيد القول: إن أحمد خلف بما عرف عنه من مهارة كبيرة في كتابة القصة، لم يدع الأمور تمشي من دون تخطيط، أو يتركها للصدف والمفاجأة، والعنوان بطبيعة الحال واحد من اهتماماته، حتى جاز القول إنَّ العنوان لديه يولد قبل أن تتشكل الصورة النهاية للقصة، وأنَّه جزء من بيتها، لأن دلالة القصة كلها تتمثل بالعنوان، بوصفه السبيل الذي يقطعه المتلقي في أجل الخوض في غمارها، واستكناه مخبوءاتها، وكشف مراميها.

٭ كاتب من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية