القاهرة – «القدس العربي» : بعد تجريب كل الألوان الدرامية واختبارها جماهيرياً وشعبياً، لم يتبق لكُتاب السيناريو والمخرجين والمنتجين والعاملين في السينما المصرية سوى حيل الدجل والشعوذة والخرافة ليتم الرهان عليها، كآخر ثلاث ورقات في لُعبة المقامرة والمغامرة لتعويض الخسائر المادية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أدوات الصناعة والتجارة والأرباح.
لقد تفتق ذهن أهل الصناعة السينمائية والدرامية عن ابتكار أساليب جديدة لتسويق المنتج الفني باللجوء إلى غرائب الأشياء والطبيعة لإحداث الصدمة لدى الجمهور وإجباره على الدخول في مناطق جديدة ومختلفة من حيث الشكل والمضمون والرؤية، وبالطبع لم يتوافر ذلك إلا في أفلام الرعب والسحر والشعوذة، التي تستوجب تغيير النمط الفني والدرامي وتتطلب الكثير من عناصر التأثير والإمكانيات التقنية للوصول إلى ما ترنو إليه شركات الإنتاج الساعية للربح والمشغولة طوال الوقت بصعود وهبوط الإيرادات والأرقام في شبابيك التذاكر بدور العرض.
كسر حاجز الرتابة
وقد يكون من دواعي التركيز في هذه المرحلة بالذات على أفلام الرعب والإثارة، وجود قنوات أمريكية متخصصة في تلك النوعية من الأفلام التي تصل أرباحها السنوية إلى ملايين الدولارات، وهو ما شجع بقية الدول، وخاصة دول العالم الثالث على إتباع التوجه نفسه لإحداث الرواج اللازم وكسر حاجز الرتابة الذي يمثل شُح في العملية الإبداعية ويتسبب في شلل تام لحركة التوزيع والإنتاج.
وتعد ظاهرة أفلام ودراما ما وراء الطبيعة من دلالات الابتعاد عن الجدل السياسي ومناقشة القضايا المُجتمعية الكبرى التي تؤدي دائماً إلى الصدامات الرقابية ولا تسفر إلا عن خسارة مالية نتيجة عزوف الجمهور عنها ليأسه الكامل من إحداث أية تغييرات حقيقية على أرض الواقع، وهو الارتباط الشرطي بين الحالة النفسية للمواطن والظواهر الإبداعية الغريبة المتمثلة في مُصنفات الرعب والخرافة والسحر وخلافة، والدالة أيضاً على القياسات السلبية للرأي العام والتي تتولد بموجبها إفرازات السينما والمسرح والدراما والأدب، حيث تتحدد بوصلة المبدعين وفق الاتجاه الجماهيري والشعبي، فكلما ساءت الأحوال المادية والاقتصادية وزاد الخوف والقلق بدأت أنماط الإبداع الغريبة والشاذة في الظهور والتنامي.
بدأت الموجة العالمية لأفلام الشعوذة منذ فترات مبكرة واستخدمت هوليوود السينما في نشر ثقافة الخرافة والارتباط بالسحر والجن كمكونات للتأثير السلبي على الأفكار والمجتمعات لتسهيل عملية انقياد الشعوب للآلة السينمائية السحرية والتأثر بها إلى حد التبعية الكاملة لكل ما تطرحه وما تتنبأ به، وفي هذا السياق جاءت أفلام مثل أفاتار وباتمان وسوبر مان لتمثل نماذج من القوى الخارقة وتُحدث أنواعاً جديدة من الدهشة والإبهار في غيبة النقد الموضوعي لماهية وطبيعة وأهداف هذه الأفلام وغيرها من الأجناس السينمائية المشابهة.
وفي تكرار التجارب وتعدد محاولات اختراق الثقافات المغايرة نجحت هوليوود بالفعل في نشر ثقافتها السينمائية النوعية بفعل الدعاية المكثفة ومنافذ التوزيع المتوافرة لها في كل الدول النامية، وعلى أثر المليارات التي أنفقت لرواج الفيلم الأمريكي بتفوقه التقني والتكنولوجي صارت هناك منهجية للنوعيات السينمائية البينية المختلفة، وبناء عليه شرعت بعض الدول، ومنها مصر في استغلال الشكل السينمائي المثير ليكون وسيلة لإنقاذ الصناعة وتنشيط حركة الإنتاج، وكان من بين ما أنتج من أفلام لها ذات الخصوصية الميتافيزيقية، فيلم التعويذة بطولة محمود ياسين ويسرا وتحية كاريوكا، وفيلم الإنس والجن للمخرج محمد راضي وبطولة عادل إمام وعزت العلايلي ويسرا أيضاً، وكذلك فيلم «البيضة والحجر» لأحمد زكي الذي اقترب من الأجواء الخرافية بشكل ساخر، مُبيناً جهالة المنساقين وراء وهم القوة الخارقة وخداع الدجالين والمشعوذين.
هواية التجريب
وبعد مرور نحو ربع قرن على إنتاج هذه الأفلام عادت السينما المصرية مره أخرى تمارس هواية التجريب والمتاجرة في الخزعبلات، على خلفية الكساد المخيف في حركة الإنتاج والرغبة في تحريك السوق في أي جديد ولو على حساب الثقافة العامة وسلامة الفكر الجمعي لجمهور السينما وعشاق الفن السابع.
وقد بدأت المحاولة الأولى بفيلم «خط دم» لنيلي كريم وظافر العابدين في تجربة شديدة الضعف والبؤس، لتأتي المحاولة الأخرى متمثلة في مسلسل «ما رواء الطبيعة» كحلقة ثانية في سلسلة درامية بدأها خالد الصاوي مع ليلى علوي منذ سنوات بمسلسل «هي ودافنشي» ووصلها عادل إمام بمسلسله «عفاريت عدلي علام» بمشاركة غادة عادل، والتجربتين لم يكن لهما أي مردود إيجابي، غير أنهما شكلا إضافة سلبية على خريطة التنوع الإبداعي المرفوض والمستهجن.
أما الظاهرة ذاتها والآخذة في التغلغل فهي ليست إلا دليل إدانة للكُتاب والمخرجين وشاهد إثبات على الإفلاس والرجوع مئات الأميال إلى الخلف.