شمس الفيلم القصير المتوسطي تشرق بطنجة

بعد أن كان الفيلم القصير في نظر الكثيرين مجرد محطة تجريبية، لاكتساب المعرفة والتجربة السينمائية الضروريتين لإنتاج الفيلم الطويل. خصوصا في المغرب حيث غدا محطة إلزامية لمن أراد تلقي الدعم من المركز السينمائي المغربي لإنتاج فيلمه الطويل، الذي يشترط على المخرج المتقدم بمشروع فيلم طويل، أن يُراكم في رصيده فيلمين قصيرين على الأقل للاستفادة من الدعم ،أصبح يفرض نفسه كشكل سينمائي مختلف عن الفيلم الطويل، له عشاقه الذين يتذوقونه لذاته، التي تتميز عن نظيرتها الطويلة بالتكثيف والاختزال، عبر مشاهد معمقة تقدم الفرجة بشكل مختصر في الزمن والأبعاد. والتركيز على الجوانب الجمالية والتقنية على قدر المساواة مع القصة، التي قد تكون حدثا عابرا أو لحظة وجيزة من حياة ما.
وفي طنجة كان جمهور السينما والمتتبعون على موعد مع وجبات سينمائية قصيرة مختزلة ومكثفة، تحمل نكهة البحر الأبيض المتوسط، في قاعة الخزانة السينمائية سينما ‘الريف’ على مدى خمسة أيام .وذلك خلال فعاليات مهرجان طنجة المتوسطي للأفلام القصيرة الذي عُرض فيه 46 فيلما قصيرا من مختلف دول البحر الأبيض المتوسط.
تفاوتت مستويات الأفلام المعروضة في هذه الدورة بين الجيد والمتوسط والممتاز. وتقاطعت موضوعاتها، في استلهامها للطبيعة في تأثيث فضاءاتها وتناولها للطفولة كنقطة انطلاق للأحداث، أو نقطة ارتكاز تتفرع عنها تفاصيل تنفتح على مراحل عمرية أخرى، كالشيخوخة التي شكلت البعد العمري الآخر المقابل للطفولة.
كما تميز المهرجان بتألق الأفلام الايطالية والاسبانية واليونانية والفرنسية، ولجوء بعض المخرجين إلى قصص مستلهمة من إشكالات ذات طابع سياسي كالفيلم المغربي ‘ ريكلاج’ الذي تناول قصة هارب من تندوف يحاول استرجاع 25 من الأسر، والذي أدخل البوليساريو لأول مرة إلى السينما المغربية إضافة إلى تطرقه إلى سنوات الرصاص.
والسوري ‘ فلسطين، صندوق الانتظار للبرتقال’ الذي حاول معالجة إشكالية الهوية والعلاقة مع الآخر بين شابين يحاولان توصيل وجهة نظرهما إلى العالم عبر كتابة فيلم عن عنها. واللبناني ‘خلفي شجرة الزيتون’ الذي تصدى للحديث عن مصير أبناء أعضاء ‘جيش لحد’ العميل لإسرائيل قبل تحرير الجنوب اللبناني.
وتفاوت مستوى الأفلام المغربية المعروضة خلال أيام المهرجان، ففي الوقت الذي حقق فيلم ‘فوهة’ لعمر مولدويرة والذي تجري أحداثه في إحدى مدن الهامش في الجنوب’ أبي الجعد ‘حيث تعشعش الخرافات التي تخيف كريم ابن السابعة، فيصارع مخاوفه ورغبته في أن يصبح رجلا لا يهاب شيئا..والذي سبق له الفوز في طنجة في مهرجان سينيمانا الدولي، شبه إجماع على استحقاقه لإحدى الجوائز، دون أن يتمكن من الفوز بأي منها.
تمكن فيلم ‘اللعنة’ الذي لم يلاق اهتماما كبيرا من النقاد بعد عرضه، من الفوز بجائزتين أحسن ممثلة لبطلته ابتسام زبارة وجائزة لجنة التحكيم والذي يتناول حياة فتاة سلمت جسدها لحبيبها الذي هاجر مع وعد بالزواج، مع ما رافق ذلك من ابتزاز من بعض الأطفال الذين اكتشفوا سرها. وتلقى فيلم أنطروبيا الذي مثل أحداثه الممثلان المعروفان أمل عيوش وإدريس الروخ، حول حياة زوجين بعد عشرين سنة من الزواج، انتقادات واسعة لطريقة الإخراج والأداء المسرحي المبالغ فيه للممثلين. وكالعادة في كل الدورات السابقة، تمت إتاحة الفرصة لأفلام المدارس من مختلف المدن المغربية للعرض في اليوم الأول للمهرجان، وخصّصت لها جائزة خاصة.
وكان حضور الأفلام العربية خجولا نوعا ما، مع تميز الفيلم التونسي ‘يد اللوح’ لكوثر الذي تتمحور قصته حول طفلة في الخامسة لا تحب الذهاب إلى المدرسة، وتحاول جاهدة الانفلات من كل ما يقيد حريتها. والفيلم المصري ‘فردي’ للمخرج كريم الشناوي، الذي مثل دور البطولة فيه الممثل المعروف خالد النبوي والذي شكل علاقة فارقة عن الاتجاه العام للسنيما المصرية. ومثلت الجزائر بفيلم ‘حياة بدون حياة’ لأكرم زغبا.
في المجموع بلغ عدد الأفلام العربية المشاركة في المسابقة 13 فيلما عربيا، خمسة من المغرب وثلاثة من لبنان وفيلمان من تونس وفيلم من مصر وآخر من سوريا وفيلم من الجزائر
ومن بين الأفلام التي تميزت بمستواها العالي، سواءً من ناحية التقنية أو من خلال مضمونها ، وأجمع معظم النقاد والمهتمين على استحقاقها الفوز بجوائز المهرجان نجد:
الفيلم الايطالي ‘ماتيلدي’ لفيتو باميري، والذي تدور أحداثه حول طفلة تملك ذكاءً حادا على الرغم من طبيعتها الخجولة، وللتأقلم مع محيطها تلجأ إلى حل مبتكر.
‘جثة رائعة’ ليا ميسوس من فرنسا، ويحكي قصة طفلة في الثامنة، تعيش في الأرياف وتقضي معظم وقتها في الغابات والمستنقعات، حيث تجد جثة فتاة فتُفتن بها وتقرر اصطحابها إلى كوخها. ‘الذهب الأخضر’ لبيير لويدجي فيرانديني من ايطاليا، الذي أبهر المتتبعين بمستواه العالي رغم أن ميزانيته لا تتجاوز 3000 اورو وتم تصويره في 3 أيام ورغم ذلك كانت النتيجة مُرضية للغاية. ‘قرة عيني’ لخوسيكو دي لينار من اسبانيا، الذي يتحدث عن الجدة بيبا التي عاد إليها حفيدها بعد طول غياب ومحاولته إعادة العلاقة المتميزة بينهما. ‘الذهب الأخضر’ لبيرلو فرانديني من ايطاليا والمستوحى من قصة حقيقية، عن طفلة تبلغ 12 سنة تعمل في مصنع للتبغ وعلاقتها بأخيها الذي قُتل في مظاهرات الاحتجاج على إغلاق المصنع. و’أوتاناس شركة مجهولة’ لفيكتور نوريس من اسبانيا، الذي كانت قصته مبتكرة حول شركة تتكلف بتخليد لحظة مفارقة الحياة لمن يختار الانتحار،
و’الآخر’ لخورخي دورادو من اسبانيا، و’دانييل’ لالكسندرا كرودي سولا من فرنسا، والتي تشارك للمرة الثانية في مسابقة المهرجان.
وتميزت هذه الدورة بغياب فقرة بانوراما الفيلم المغربي القصير التي كانت تخصص للأفلام التي لم تخترها اللجنة للمشاركة في المسابقة الرسمية، نظرا للتخفيض الكبير في الميزانية المخصصة له والذي بلغ 40 بالمائة.
وجاءت نتائج المهرجان كما يلي: جائزة الشباب لفيلم ‘قرة عيني’ للمخرج خوسيكو دي لينار من اسبانيا، جائزة السيناريو لفيلم ‘ ماتلدي’ للمخرج فيتو بالميري من ايطاليا، جائزة الإخراج لفيلم ‘بخار’ لمخرج عبد الرحمان أنور من تركيا ، جائزة لجنة التحكيم لفيلم ‘اللعنة لفيصل بوليفة من المغرب، جائزة أحسن ممثل في دور رجالي بيتر نوفاكوفيتش بطل فيلم ‘انترو’ للمخرج ايفان سالاتيتش من الجبل الأسود، وأحسن ممثلة في دور نسائي ابتسام زبارة بطلة فيلم ‘اللعنة’ من المغرب فيما ذهبت جائزة المهرجان لفيلم ( 37.4) لأدريانو فاليرو من فرنسا الذي يحكي قصة مراهقين يعيشان قصة حب في جزيرة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 270 نسمة لكن الفتاة تقرر السفر الى لندن فيما يبقى تريستان في الجزيرة مسترجعا ذكرى حبيبته.
وفي تعقيبه حول نتائج المهرجان اعتبر الناقد السينمائي عبد الكريم واكريم أن الأفلام المشاركة في هذه الدورة متميزة كباقي الدورات السابقة، كما أن نفس الدول التي تتميز في كل الدورات مثل اليونان وايطاليا واسبانيا هي التي سرقت الأضواء هذه المرة أيضا مؤكدا أن سينما الضفة الشمالية من المتوسط تتفوق بشكل واضح على الأفلام الآتية من الضفة الجنوبية، سواء المغربية والتونسية أو المصرية رغم اجتهادها.
وبرأيه كانت هناك أفلام تستحق الفوز أكثر من الفيلم الفائز بالجائزة الكبرى، ولكن لكل لجنة رأيها، وبالنسبة له كان يرشح الفيلم اليوناني ‘بابونج’ للجائزة الكبرى، إلى جانب أفلام أخرى تميزت في هذه الدورة منها الفيلم الاسباني ‘الآخر’ رغم أنه لم يذهب بعيد في تنازله لهذه التيمة مثلما فعل هتشكوك وبولنسكي اللذان سبقا وتناولا هذا الموضوع، لكنه يبقى فيلما جيدا سواء من الناحية التقنية أو الفنية، وكذلك الفيلم الاسباني الآخر ‘قرة عيني’ القوي بإنسانيته أكثر من أسلوبه أو تقنيته، والفيلم الايطالي ‘سفر التكوين’ ومن المغرب كان يرشح فيلم ‘فوهة’ لعمر مولدويرة الذي غادر المهرجان خاوي الوفاض.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية